تحقيق إخباري

العَشْر الأهم لدورية Nature: عشر شخصياتٍ صنعت فارقًا خلال عام 2019

«العَشْر الأهم لدورية Nature» هي القائمة السنوية التي تصدرها الدورية لأكثر عشرة أشخاصٍ صنعوا فارقًا في مجال العلوم خلال هذا العام. لربما حقق هؤلاء الأشخاص اكتشافاتٍ مذهلة، أو لفتوا الانتباه إلى قضايا بالغة الأهمية، أو حتى اكتسبوا سمعةً مشينة من جرّاء ارتكاب أفعالٍ مثيرة للجدل. ورغم أنَّ قائمة «العَشْر الأهم» ليست جائزةً، ولا تصنيفًا، فإنها تسلط الضوء على الأشخاص الذين اضطلعوا بدورٍ في بعضٍ من أهم اللحظات الفارقة في العلوم خلال العام.

  • Published online:

ريكاردو جالفاو: مُدافِع عن العِلْم

في ظل اندلاع الفوضى في منطقة الأمازون، أمسى الفيزيائي جالفاو بطلًا قوميًّا بتحدِّيه لحكومة البرازيل.

تحرير: جيف توليفسون

Micah B. Rubin for Nature

كاد ريكاردو جالفاو يفقد وعيه عندما تناهت إلى مسامعه الأخبار، وأدرك أنَّه صار مُستهدَفًا مِن قِبَل رئيس بلاده.

ففي التاسع عشر من شهر يوليو الماضي، ثارت ثائرة الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، بسبب تقرير حول إزالة الغابات، أعدّه فريق جالفاو بالمعهد الوطني لأبحاث الفضاء (INPE) في مدينة ساو باولو. أثار تحليل الفريق سخط الرئيس، لأنَّه كشف وجود زيادةٍ حادة في معدلات إزالة الغابات في منطقة الأمازون. واتهم الرئيسُ العلماءَ بتزييف تلك البيانات، وأشار إلى أنَّ جالفاو - بصفته رئيسًا للمعهد - ربما تواطأ مع دعاة حماية البيئة؛ فأُصيب جالفاو - عالِم فيزياء الاندماج، البالغ من العمر 72 عامًا - بصدمةٍ كبيرة من جرّاء ذلك الاتهام. ويقول عن ذلك: "اضطرت زوجتي لأنْ تحضر لي كوبًا من الماء".

وبدلًا من أن يهمّ جالفاو بالرد على الفور، منح نفسه 12 ساعةً لصياغة ردٍّ مُتقن. وبعد ليلةٍ أمضاها دون أن ترى جفونه النوم تقريبًا، جاء رد جالفاو مُدافعًا عن علماء المعهد الوطني لأبحاث الفضاء. كما اتهم الرئيس بالجبن، ودعاه إلى عقد اجتماعٍ مباشر معه، وهي تصرفات كان يعلم أنَّها - على الأرجح - ستنتهي به فاقدًا وظيفته. وما لم يكن يعرفه جالفاو هو أنَّه سيصير شبه بطل، ويحظى بإشادة زملائه من العلماء، وكذلك الغرباء في الشوارع، بل إنَّ امرأةً أوقفته ذات مرة فيما كان يستقل مترو الأنفاق في ساو باولو، لكي تشكره على مواجهة بولسونارو، ومساعدتها في إدراك سبب أهمية الحفاظ على منطقة الأمازون.

وعن حادثة إقالته، يقول باولو أرتاكسو، وهو عالِم متخصص في فيزياء الغلاف الجوي، وزميله في جامعة ساو باولو: "فقدَ جالفاو وظيفته، لأنَّه اتخذ موقفًا غاية في القوة والوضوح؛ دفاعًا عن العِلْم، ومواجَهةً للاستبداد". ويرى أرتاكسو أوجه تشابه مثيرة للقلق، بين حكومة بولسونارو، ونظام الحكم الديكتاتوري الذي تولى إدارة البرازيل بين عامي 1964، و1985، بما في ذلك نزوع الحكومة نحو مهاجمة أي أدلة لا تدعم أهدافها السياسية. وأضاف قائلًا: "نحن بحاجة إلى أشخاصٍ مثل جالفاو لمواجهة الاستبداد".

لم تكن تلك هي المعركة الأولى لجالفاو ضد حكومة بولسونارو، فلطالما شَكَّك المسؤولون في دقة التحذيرات الصادرة عن المعهد الوطني لأبحاث الفضاء بشأن إزالة الغابات، وهي تحذيراتٌ تَعتمِد على تحليلاتٍ مفصلة لصور الأقمار الصناعية، غير أنّ في هذه المرة كان الرئيس يهاجم نزاهة العلماء، وواحدةً من أكبر المؤسسات العلمية في البرازيل. وكما كان متوقَّعًا.. أُقيل جالفاو من منصبه بعد أسبوعين من دفاعه عن المعهد، بالتزامن مع بدء موسم الحرائق في الأمازون؛ إذ يضرم المزارعون النيران في الغابات، كخطوةٍ أخيرة في عملية إزالة الأشجار من الأراضي؛ لتجهيزها للزراعة.

وجدير بالذكر أن سمعة البرازيل كزعيمٍ بيئي آخذةٌ في التدهور في السنوات الأخيرة؛ فمع أن الدولة كانت قد تمكنت من كبح معدلات إزالة الغابات بنسبة أكثر من 80% بين عامي 2004، و2012، إلا أن إنفاذ القوانين البيئية بصرامةٍ شديدة أسفر - في نهاية الأمر - عن رد فعلٍ سياسي عكسي، وتَسبَّب في زيادة معدلات إزالة الغابات.

وتُبيِّن أحدث أرقام المعهد الوطني لأبحاث الفضاء -الصادرة في الثامن عشر من نوفمبر- أنَّ ما يُقدَّر بنحو 9762 كيلومترًا من الأراضي –وهي مساحة تفوق مساحة دولة بورتوريكو– قد أُزيلت منه الغابات في الفترة ما بين أغسطس 2018، ويوليو 2019. ويمثل هذا زيادةً بنسبة 30% عن العام السابق لهذه الفترة، وأكثر من ضعفي المساحة التي أُزيلت منها الغابات في عام 2012. ويزعم العلماء وأنصار الحفاظ على البيئة بأنَّ خطاب بولسونارو المناهِض للبيئة قد أوعز إلى أصحاب المزارع، والمزارعين، وواضعي اليد على الأراضي، بأنَّهم يمكنهم - من جديد - إزالة الغابات من أراضي منطقة الأمازون، دون عقاب.

ومنذ إقالته، عاد جالفاو إلى منصبه السابق في جامعة ساو باولو. كان الرجل منزعجًا من تسليط الأضواء عليه، بل وكان في طريقه إلى التوقف عن إجراء المقابلات، والتركيز فقط على أبحاثه في فيزياء الاندماج، ولكنْ بعد تلقِّيه رسائل من زملائه من العلماء، يشكرونه فيها على التعبير عن آرائه بصراحة، أدرك أنَّه يتحتم عليه المضي قدمًا في الدفاع عن العِلم والعلماء في مواجهة الضغوط السياسية. ويقول عن ذلك: "لستُ سوى رجل عجوز بسيط يعمل في مجال الفيزياء، لكنَّني قررتُ الالتزام لهذا السبب".

   

فيكتوريا كاسبي: راصدة السماء

عالمة فيزياء فلكية تتبعت دفقاتٍ راديوية سريعة غامضة بتليسكوبٍ راديوي مبتكر.

تحرير: ألكسندرا فيتز

 Christian Fleury for Nature

على مدار ربع القرن الماضي، استخدمت فيكتوريا كاسبي الكثير من أفضل تليسكوبات العالم؛ للتوصل إلى اكتشافاتٍ مهمة في علم الفلك. وفي عام 2017، وجدت كاسبي نفسها تساعد في إنشاء واحدٍ من تلك التليسكوبات، حيث أسهمت في تركيب مئات الكابلات؛ لتوصيل التليسكوب المعروف بـ«التجربة الكندية لقياس كثافة الهيدروجين» CHIME بحواسيب قوية.

وفي عام 2019، تكللت جهود كاسبي وعشرات الفلكيين الآخرين بالنجاح. فقد أصبح التليسكوب أفضل جهاز رصدٍ في العالم للدفقات الراديوية السريعة (FRBs)، التي هي ومضاتٌ غامضة من الطاقة الراديوية، تومض كثيرًا في السماء. رصد التليسكوب الموجود في جنوب كولومبيا البريطانية مئاتٍ من هذه الدفقات، أي أكثر بكثير من أي تليسكوبٍ آخر. ويأمل علماء الفلك في استخدامه لحل لغز مَنْشأ تلك الإشارات.

كان لكاسبي -وهي عالمة فيزياء فلكية في جامعة ماكجيل بمدينة مونتريال الكندية- دورٌ رئيس في تزويد التليسكوب بقدراته القوية لرصد الدفقات الراديوية السريعة. كان الهدف الأصلي من تصميم هذا التليسكوب هو رصد انبعاثات الهيدروجين من المجرات البعيدة، وذلك للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالكون المبكر. إلا أن تزامَن بدء ظهور بوادر مشروع التليسكوب في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي أيضًا مع ظهور المجال المزدهر لدراسة الدفقات الراديوية السريعة، التي اكتُشف أولاها في عام 2007. وفي عام 2013، أفاد علماء الفلك برصد أربعة أمثلةٍ أخرى من تلك الدفقات، ما أكد أنَّها ظاهرةٌ حقيقية، ينبغي تفسيرها.

تقول كاسبي: "كانت تلك اللحظة بالنسبة لي نقطة تحول"، إذ كانت الباحثة قد أمضت وقتًا طويلًا من حياتها المهنية في دراسة البقايا النجمية فائقة الكثافة، المعروفة باسم «النجوم النيوترونية»، وإذْ بلُغْزٍ جديد من ألغاز الفيزياء الفلكية يظهر فجأة. ولطالما راودها التفكير في الكيفية التي يمكن بها للتليسكوب دراسة النجوم النيوترونية سريعة الدوران، وأدركت أنَّ حساسيته ومجال رؤيته الواسع ربما يكونان مثاليَّين لرصد الدفقات الراديوية السريعة، لكنْ فقط بشرط تحديثه. فتواصلت كاسبي هاتفيًّا مع إنجريد ستايرز، وهي عالمة فلك في جامعة كولومبيا البريطانية بمدينة فانكوفر، ليتباحثا الفكرة. و"في غضون بضعة أشهر، كانت كاسبي تتولى إدارة هذا البرنامج الضخم"، حسبما أوضحت ستايرز.

سعت كاسبي - بالتعاون مع علماء الكون الآخرين، الذين كانوا يحلمون بتطوير تليسكوبٍ مشابه - إلى طلب مزيدٍ من التمويل من مموله الرئيس، وهو «مؤسسة كندا للابتكار» في مدينة أوتاوا، لاستخدامه في تتبع الدفقات الراديوية السريعة، إذ أرادوا إضافة أداةٍ أخرى، وتزويد التليسكوب بقدرةٍ حوسبية كافية، لتمكينه من معالجة البيانات التي تُجمَع بمعدل ألف مرة في الثانية، عند 16 ألف ترددٍ مختلف. وقالت عن ذلك: "كنا نعلم جميعًا أنَّ ذلك يمثل مخاطرةً كبيرة؛ إذ لم يكن التليسكوب قد بُني بعد، وإذ بنا نقترح إضافة أداةٍ إلى أداة لم تكن موجودةً بالفعل على أرض الواقع".

وقد تمكنت كاسبي، التي أصبحت الباحثة الرئيسة المسؤولة عن الجزء المتعلق برصد الدفقات الراديوية السريعة من التليسكوب، من إنجاز المهمة، إذ ساعدتها خبراتها العلمية في الحصول على التمويل، ومكّنتها علاقاتها الشخصية من تكوين فريقٍ كبير ومتنوع. وكان لمهاراتها الإدارية دورٌ أساسي في التوفيق بين علماء الكون، الذين كانوا يعملون على التليسكوب منذ بداياته، وأولئك الجدد المعنيين برصد الدفقات الراديوية السريعة، وذلك حسب قول ماثيو بايلز، وهو عالِم فلك في جامعة سوينبرن للتكنولوجيا بمدينة ملبورن الأسترالية. وخلال رحلتها المهنية، اهتمت كاسبي بتطوير قدرات الجيل التالي من العلماء، لوَعْيها بمدى صعوبة مباشرة العمل في مجال الفيزياء، وخاصةً بالنسبة إلى النساء. ونالت أرفع جائزةٍ علمية في البلاد خلال عام 2016، وهي ميدالية جيرهارد هيرزبرج الذهبية الكندية للعلوم والهندسة، واستخدمت مبلغ الجائزة - الذي وصل إلى مليون دولار كندي (ما يعادل 760 ألف دولار أمريكي) - لتوظيف الطلاب وباحثي ما بعد الدكتوراة للعمل في مشروع التليسكوب.

وفي عام 2019، ساعدت كاسبي في الحصول على منحةٍ بقيمة 2.4 مليون دولار أمريكي من مؤسسة «جوردون وبيتي مور»، لدراسة بناء تليسكوباتٍ "داعمة". وسوف تُقام هذه التليسكوبات الداعمة على بُعد حوالي ألف كيلومتر من تليسكوب «التجربة الكندية لقياس كثافة الهيدروجين»، وسوف تسهم في رصد مواقع الدفقات الراديوية السريعة بدقة. وذلك من شأنه أن يُبقِي هذا التليسكوب الكندي المُبتكَر في طليعة أجهزة علم الفلك.

وتقول كاسبي: "في هذه المرحلة، نحن شبه غارقين في البيانات، حيث لدينا قدرٌ كبير للغاية منها. أصدِقُكم القول إنني في حالة انبهار شديد".

 

نيناد سيستان: مُحيي الأدمغة الميتة

عالِم أعصابٍ أعاد أدمغة خنازير منفصلة عن أجسادها إلى العمل، متحديًا بذلك تعريفات الحياة والموت.

تحرير: سارة ريردون

Jesse Winter for Nature

كان نيناد سيستان يعمل في مكتبه بعد ظهيرة أحد الأيام في عام 2016، عندما تناهت إلى مسامعه قهقهات مليئة بالحماس لاثنين من أعضاء مختبره في إحدى الغرف عبر الردهة، وهما يقفان أمام أحد المجاهر. وقال عن تلك الحادثة: "أيقنتُ أن أمرًا عظيمًا كان يحدث. وأدركتُ أنَّه يفوق توقعاتنا".

كان الباحثان، اللذان يعملان في كلية ييل للطب بمدينة نيو هيفن في ولاية كونيتيكت الأمريكية، قد رصدا نشاطًا كهربائيًّا في أدمغةٍ مأخوذة من خنازير ميتة. أزال الفريق أعضاء تلك الخنازير بمشقةٍ بالغة بعد وقتٍ قصير من موتها، ونقعوها في أكسجين ومادةٍ حافظة شديدة البرودة، وبذلك أعادوا الأدمغة إلى الحياة جزئيًّا على الأقل. وبهذه النتيجة الصادمة، أدرك سيستان أنَّ ما بدأ كمشروعٍ جانبي لاكتشاف طرقٍ أفضل لحفظ أنسجة الدماغ لاستخدامها في الأغراض البحثية، قد تحول إلى اكتشافٍ من الممكن أن يعيد تعريف فهْمنا للحياة والموت.

وسرعان ما تحوَّل ذلك الحماس إلى قلق، حين ظنَّ الباحثون أنَّهم لاحظوا نشاطًا كهربائيًّا منتظمًا واسع النطاق، من ذلك النوع الذي يمكن أن يكون دليلًا على الوعي؛ فاستدعى سيستان عالِم أعصاب، وقرر العالِم أنَّ القراءة كانت خطأً في الواقع، لكنَّ الاحتمالية أثارت فزع الباحثين.

احتفظ سيستان برباطة جأشه، وفعل شيئين لتوه: أنهى التجربة، وتواصَل مع معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH) التي تمول أبحاثه، بالإضافة إلى تواصله مع متخصصٍ في أخلاقيات علم الأحياء من جامعة ييل. وخلال الأشهر القليلة التالية، أمعن الخبراء النظر في التداعيات الأخلاقية المحتمَلة، مثل ما إذا كان بإمكان تلك الأدمغة أن تستعيد الوعي، أم لا، وما إذا كان الأطباء بحاجةٍ إلى إعادة النظر في تعريف الموت الدماغي، أم لا.

كان سيستان قد توقّع هذين السؤالين الأخلاقيين، ومن ثم اتخذ بعض الإجراءات الوقائية. فقَبْل البدء في التجارب، قرر الفريق تخدير الأدمغة بأدويةٍ كابحة، لمنع الخلايا العصبية من إطلاق إشاراتها العصبية في تناغم، وهو ما يُعد شرطًا أساسيًّا لوجود الوعي.

بصورةٍ عامة، كانت مشاعر الحماس تجاه ذلك الإنجاز أقوى من مشاعر القلق، إذ أشارت نتائج سيستان إلى أنَّ الحرمان من الأكسجين، الذي يمكن أن يَحدُث أثناء السكتات الدماغية، أو الإصابات الشديدة، لم يكن مدمرًا لخلايا الدماغ كما كان العلماء يعتقدون في الماضي. وعن ذلك الاكتشاف تقول أنَّا ديفور، المتخصصة في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة بوسطن في ولاية ماساتشوستس الأمريكية: "الأمر مهمٌّ للغاية، فثمة أمر أغفلناه فقط، لأنّ أحدًا لم يعتقد بأنَّه ممكن".

وبمجرد أنْ تأكد الباحثون من سلامة التجربة من الناحية الأخلاقية، استأنفوا تجاربهم، وقدموا بحثهم إلى دورية Nature، لكنْ قبل أن يمكن نشر الورقة البحثية، عرض سيستان البيانات في اجتماعٍ عام لأخلاقيات علم الأعصاب بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية. ورغم اعتراضه، تناولت الصحافة الخبر.

يعترف سيستان بأنَّه وجد قدرًا من التسلية في بعض العناوين المثيرة بالصحف، التي أطلقت على مشروعه أسماء ساخرة، مثل: "Frankenswine"، و"Aporkalypse"، في إشارةٍ إلى قصة «فرانكنشتاين» وأساطير نهاية العالم، لكنَّه شعر بالانزعاج من الإشارات إلى أنَّ الباحثين يحاولون صنع الخلود، أو أنَّهم لديهم غرفةٌ مليئة بالأدمغة الحية محفوظة في جِرار. ولم يشأ هو أو فريقه مناقشة النتائج إلى حين نشر الورقة البحثية، لكنْ مع امتلاء صناديق رسائلهم بالرسائل المليئة بالمخاوف، وعبارات اللوم والاستهجان من نشطاء حقوق الحيوان وباحثي المستقبليات، شعر سيستان بالإحباط. ويقول عن ذلك: "كنا قلقين للغاية حقًّا". وشعر بأنَّ كل ما يمكنهم فِعْله هو الامتناع عن تصحيح الفهم المغلوط لدى العامة، إلى حين انتهاء الباحثين الأقران من مراجعة عملهم.

ومنذ نشر الورقة البحثية في إبريل الماضي (Z. Vrselja Nature 568, 336–343; 2019)، كان الفريق مشغولًا للغاية بالإجابة عن استفسارات وسائل الإعلام والعلماء، لدرجة أنَّه لم يُجرِ أي تجاربٍ أخرى. ويرغب سيستان في التركيز على القضايا الأصلية، واستكشاف المدة القصوى لحفظ الأدمغة، على سبيل المثال، وما إذا كان يمكن لتلك التقنية أن تحفظ أعضاء أخرى لزراعتها، أم لا.

ومن الآن فصاعدًا، ستتولى لجنةٌ تحديد مسار هذا الشِّق من بحثه. وعَلَّق على ذلك قائلًا: "نريد نصيحة خارجية، قبل الإقدام على فعل أي شيء. فعندما تَستكشِف أراضيَ لم يطأها أحد من قبل، عليك أن تفكر بعناية شديدة".

 

ساندرا دياز: حارسة التنوع البيولوجي

عالمة نظم بيئية وزملاؤها يُقيِّمون النظم البيئية على كوكب الأرض، ويَدْعُون إلى اتخاذ إجراءاتٍ صارمة.

تحرير: إحسان مسعود

 Diego Lima for Nature

كانت ساندرا دياز ومعها 144 باحثًا آخر يحملون رسالةً قاسية للعالم في الرابع من مايو، إذ كانوا قد انتهوا للتو من إعداد الدراسة الأشمل على الإطلاق عن التنوع البيولوجي في العالم، وكانت الأنباء التي تحملها الدراسة أسوأ مما يتصور معظم الباحثين. فقد أظهرت النتائج أنَّ هناك مليون نوعٍ من الكائنات الحية في طريقه إلى الانقراض؛ بسبب الأنشطة البشرية، وأنَّ الأمر سيتطلب إجراءاتٍ صارمة؛ للحيلولة دون ذلك. وتقول دياز: "إنّ المعدلات التي تنقرض بها الأنواع أصبحت أسرع، بمقدارٍ يتراوح من عشرات إلى مئات المرات على الأقل مما كانت عليه في المتوسط ​​على مدار العشرة ملايين سنة الماضية. وقد بلغت شبكة الأمان الخاصة بنا أقصاها، حتى وصلت الآن تقريبًا إلى نقطة الانهيار".

صدرت هذه النتائج المثيرة للقلق عن المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات، المعنِيّ بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية (IPBES)، الذي يتولى إدارته مجلسٌ مشترك من ثلاثة أشخاص، أحدهم دياز، عالمة النظم البيئية بجامعة قرطبة الوطنية بالأرجنتين. وعلى مدار معظم السنوات الثلاث الماضية، عملت هي وزميلاها - عالِم الأنثروبولوجيا إدواردو برونديزيو من جامعة إنديانا بلومنجتون، وعالِم النظم البيئية جوزيف سيتيل بمركز هيلمهولتز للبحوث البيئية في مدينة هال الألمانية - على تنسيق عمل خبراء من 51 دولة، يلتقون وجهًا لوجه في ورشات عمل، ومجموعات عمل افتراضية، لينكبُّوا على فحص أكثر من 15 ألف مصدر للمعلومات.

يذكر التقريرُ النهائي الذي أصدره الفريق، والذي يغطي 1500 صفحة، أنَّ الدول ستعجز عن تحقيق معظم الأهداف العالمية المتعلقة بالتنوع البيولوجي والتنمية المستدامة، ما لم تُجرِ تغييراتٍ جذرية، مثل التخلي عن فكرة ضرورة استمرار نمو الاقتصادات.

وتقول دياز: "لا يمكننا أن نحيا حياةً مُرضية، الحياة كما عهدناها، بدون الطبيعة". وتستطرد قائلة إنَّه إذا استمرت الاقتصادات في العمل بهذه الطريقة المدمرة، "فلا بد من ابتكار نموذجٍ اقتصادي جديد من أجل الطبيعة والبشر".

صحيحٌ أن الرسالةٌ صريحة، وراديكالية نوعًا ما، لكنَّ دياز لا تتوانى عن التحدث صراحةً حول القضايا المهمة المتعلقة بالعلوم والسياسات، فعلى سبيل المثال.. فنَّدت الباحثة صحة ما كان يُعَد في وقت من الأوقات أحد المبادئ الرئيسة لعلم النظم البيئية في القرن العشرين، ألا وهو فكرة أنَّ النظم البيئية وفوائدها للبشر، مثل الغذاء أو تنظيم المناخ، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على وجود أعدادٍ كبيرة من الأنواع. ويقول شاهد نعيم - وهو باحثٌ في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، يدرس الآثار المترتبة على فقدان التنوع البيولوجي - إنَّ دياز أخذت على عاتقها مسؤولية تسليط الضوء على قِيمة ما تحققه النباتات، وهو ما يُعرف بـ«سماتها الوظيفية».

اكتسبت دياز تلك الأفكار العميقة وغيرها عبر سنواتٍ أمضتها تجول في حقول أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، تجمع أوراق الأشجار، وتقيس مدى صلابتها، وتُقيِّم خواص الترب. وهي عادةٌ اكتسبتها أثناء نشأتها في وسط الأرجنتين، حين كانت تستكشف المراعي العشبية في سهول بامباس، فيما كان الآخرون ينالون أقساطهم من راحة بعد الظهيرة. وتروي عن ذلك قائلة: "كنتُ أتجنب القيلولة، لأرى النباتات والحيوانات. وأدركتُ منذ كنتُ طالبة جامعية أنَّني أريد أن أكون باحثةً".

تعمل دياز حاليًّا في وظيفةٍ ثانية، بخلاف وظيفتها كباحثة في علوم الحفاظ على البيئة، ألا وهي محاولة التأثير على السياسات، من خلال عملها مع المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات، المعنِيّ بالتنوع البيولوجي، وخدمات النظم البيئية. وتستمد دياز شجاعتها من تبنِّي العديد من الحركات الاجتماعية والبيئية لتقرير اللجنة - مثل حركة »تمرد ضد الانقراض« - وهي حركاتٌ تضغط من أجل اتخاذ إجراءاتٍ أسرع وأشد صرامة بشأن البيئة.

وتقول دياز: "لقد ذُهلنا من مدى انتشار التقرير. لقد صدر في الوقت المناسب". وعلى الرغم من التكهنات السوداوية التي يذكرها التقرير، ترفض دياز الشعور بالتشاؤم حيال قدرة البشرية على تغيير الوضع، وتضيف قائلة: "يجب أن أكون متفائلةً، لأنَّه لا توجد خطةٌ بديلة".

 

جان جاك مويمبي تامفوم: مُكافِح الإيبولا

يخوض الباحث المشارك في اكتشاف الإيبولا معركته العاشرة والأصعب حتى الآن مع الفيروس في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

تحرير: إيمي ماكْسِمِن

Samantha Reinders

سافر جان جاك مويمبي تامفوم في عام 1976 إلى أعماق الغابات الاستوائية، التابعة لما يُعرَف الآن بجمهورية الكونغو الديمقراطية، للبحث في تفشِّي مرضٍ مجهول كان يودي سريعًا بأرواح الناس.

أدرك الباحث الشاب أنَّ ثمة شيئًا غريبًا عندما بدأ في سحب عينات دماءٍ من المرضى، ووجد أنَّ الدم الناتج عن وَخْزهم بالإبر لم يكن يتجلط، بل يسيل على يديه العاريتين. وكانت المُمَرِّضات اللاتي يعمل معهن يحتضرن، ومن ثم بدأ القلق يتسلل إليه. ويقول عن ذلك: "بدأتُ أقيس درجة حرارة جسمي صباحًا ومساءً". ويا للمعجزة!! فهو لم يمرض قط من هذا الفيروس، الذي أُطلق عليه فيما بعد اسم «الإيبولا».

والآن، وبعد مرور 43 عامًا على اكتشاف المرض، يقود مويمبي جهود جمهورية الكونغو الديمقراطية لمكافحة أخطر تفشٍ حتى الآن لفيروس الإيبولا. فمنذ شهر أغسطس عام 2018، حصد الوباء أرواح أكثر من 2200 شخص في شمال شرق البلاد، وهي منطقة تقع بالفعل تحت وطأة ربع قرنٍ من الصراعات والاضطرابات السياسية.

يُضفي مويمبي - الذي تولى زمام قيادة جهود المكافحة في شهر يوليو - خبرةً عميقة على هذه الجهود، فضلًا عن انكبابه على متابعة أحدث ما توصل إليه العلم. فبدايةً من عام 1995، طَوَّر مويمبي التدابير الرئيسة للصحة العامة، التي لا تزال تُطبَّق لاحتواء الفيروس. وأثناء تفشٍّ واسع للمرض في مدينة كيكويت بجمهورية الكونغو الديمقراطية، أَدرَك أنَّ الخطوة الأكثر أهمية هي التحدث مع المجتمعات المحلية، حتى وثق به السكانُ، ووعوا كيفية حماية أنفسهم. كما توصل إلى طرق لدفن الموتى باحترامٍ مع التقليل من خطر العدوى في الوقت نفسه. وباشر عمليات بحثٍ أدَّت فيما بعد إلى طرح أدويةٍ ولقاحات فعّالة لمرض الإيبولا. وخلال ذلك التفشِّي، سَحَب عينات دم ممن تمكَّنوا من مقاومة الفيروس، وحقن بها ثمانية أشخاصٍ كانوا قد أصيبوا بالعدوى، على أمل أن تقضي الأجسام المضادة على الفيروس. وبالفعل نجا منهم سبعة أشخاص.

وفي شهر نوفمبر 2019، قاد فريقه تجربةً إكلينيكية مُحْكَمة، ضمّت 680 شخصًا. وحققت تلك التجربة معدَّل نجاةٍ وصل إلى 90% بين الأشخاص الذين عولجوا بعقاقير تَعتمِد على الأجسام المضادة، بعد فترةٍ قصيرة من إصابتهم بالفيروس. أحد تلك العقاقير، وهو عقار «mAb114»، مُشتق من أجسامٍ مضادة، مأخوذة من دماء ناجٍ، كان مويمبي قد عَيَّنَه لمساعدته أثناء تفشِّي الفيروس في مدينة كيكويت. وتُعْزِي نانسي سوليفان - عالمة المناعة بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند - نجاح تلك التجربة إلى الإصرار الدؤوب الذي اتسم به مويمبي في تلك الأثناء. وعن ذلك تقول: "كانت إسهاماته ضرورية؛ لتوضيح أنَّه يمكنك المحاولة وسط حالة تفشٍّ فوضوية".

وفي الأسابيع الأخيرة، تَراجَع العدد المُسجَّل للإصابات الجديدة بفيروس الإيبولا، وهو تقدُّمٌ يعزوه زملاء مويمبي - جزئيًّا - إلى قيادته. ورغم ذلك.. عبَّر مكافِح الإيبولا المخضرم عن شعوره بالقلق في مكالمةٍ سريعة مع دورية Nature في أواخر نوفمبر الماضي. فقد اندلع العنف في مدينة بيني، التي يجتاحها الوباء بشدة، وقُيِّدت حركة العاملين بمكافحة الإيبولا في المدينة، لكنَّ التراجع لم يكن أبدًا خيارًا مطروحًا بالنسبة إلى مويمبي. وعن ذلك يقول عالِم الأوبئة في كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة، ديفيد هايمان: "كان هناك منذ البداية، وما زال هناك، لأنَّه شديد المثابرة".

وبعد انتهاء هذا التفشِّي أخيرًا، يُصِرّ مويمبي على حل لغزٍ أخير قبل تقاعده، إذ يجمع فريقه حيواناتٍ من المناطق التي انتقل فيها الفيروس إلى البشر، أملًا في تتبع كيفية انتقال المرض بين الأنواع. وحسبما يقول: "أريد أن أعثر على ناقِل المرض".

يوهانس هايلي سيلاسي: باحث في أصول البشر

عالِم حفريات قديمة يعيد هيكلة شجرة العائلة التي ينحدر منها البشر باكتشاف جمجمة عمرها 3.8 مليون سنة محفوظة بشكل مدهش.

تحرير: نيشا جايند

Michael McElroy for Nature

عندما كان يوهانس هايلي سيلاسي يتقصّى موقعًا بشمال الصحراء الإثيوبية، في فبراير عام 2016، لفت انتباهه على الأرض جسمٌ باهت اللون، دائري الشكل، يقترب حجمه من حجم ثمرة الجريب فروت. برز ذلك الجسم فوق الأرض القاحلة، على بُعد ثلاثة أمتار فقط من عَظْمة فك، عَثَر عليها أحد رعاة الماعز قبل ذلك بساعات قليلة. وعن ذلك.. يقول سيلاسي: "قبل أن ألتقط هذه الجمجمة من الأرض، قلت: يا إلهي! هذا شيء ذو قيمة".

شكّلت هذه الحفريات بتجميعها معًا جمجةً مكتملة بصورة مذهلة لأحد أشباه البشر المبكرين. وحسب تقدير فريق هايلي سيلاسي، فإن عمر الجمجمة يرجع إلى 3.8 مليون سنة. وتنتمي إلى نوع يُسمَّى Australopithecus anamensis، وهو النوع الأقدم والأصعب في تتبعه من بين أقارب البشر المعروفين. وفي ظُهر ذلك اليوم، احتفل الفريق باكتشافهم النادر بالرقص وتناوُل الكولا الباردة والجعة.

هذه الجمجمة التي أصبحت تُعرف بـMRD، والتي أزيح الستار عنها في أغسطس الماضي (Y. Haile-Selassie et al. Nature 573, 214–219; 2019)، أتاحت للباحثين - للمرة الأولى - إلقاء نظرة على ملامح وجه ذلك القريب القديم والغامض، الذي لم يُعرَف في السابق إلا عن طريق بضع قِطَع عظمية. وقد أبهرت هذه الحفرية المتخصصين في علم الإنسان القديم. ويقول بعضهم إنه اكتشاف لا يضاهيه إلا اكتشاف لوسي، حفرية الهيكل العظمي التي يعود عمرها إلى 3.2 مليون سنة، من نوع Australopithecus afarensis، قريب الصلة. ويقول هايلي سيلاسي، الذي يعمل كاختصاصي في علم الإنسان القديم بمتحف كليفلاند للتاريخ الطبيعي في أوهايو: "إنه لأمر عظيم أن يقول زملاؤنا هذا".

ويُعتبر هايلي سيلاسي واحدًا من أكثر الباحثين موهبةً في مجال اكتشاف الحفريات. فقد خرجت كنوز عديدة إلى النور بفضل مشروعه في ورانسو ميل، وهي منطقة تنتشر فيها حفريات أشباه البشر الذين عاشوا في عصر البليوسين، وهو من الفترات المحورية في عملية تطور جنس الهومو Homo وقريبه اللصيق (جنس القردة الجنوبية Australopithecus) ما بين 5.3 مليون و2.6 مليون سنة مضت.  

كما أن هايلي سيلاسي أحد أعضاء مجموعةٍ من الإثيوبيين المتخصصين في علم الإنسان القديم، ممن يتولون قيادة مشروعات علمية كبرى في وطنهم، وهي نقلة كبرى مما كان عليه الحال قبل جيل مضى، حين كان الباحثون الأجانب يشرفون على معظم عمليات البحث في هذا البلد الغني بالحفريات.

وعندما كان هايلي سيلاسي بصدد الحصول على درجة الدكتوراة في منتصف تسعينيّات القرن الماضي، كان من الواضح أن لديه إمكانيّات حقيقيّة، إضافة إلى موهبته في العمل المخبري والميداني، حسبما يقول تيم وايت، المتخصص في علم الإنسان القديم في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، الذي كان المشرف على هايلي سيلاسي أثناء فترة الدكتوراة. ويضيف وايت قائلًا إنّ العمل الميداني في المناطق النائية شديد الصعوبة، لكنّ هايلي سيلاسي أتقَنه، بدءًا من التنسيق بين الأشخاص، وتدبير شؤون المعدّات، والمركبات، والتصاريح، وكل هذا باستخدام عدة لغات. ويعقّب وايت على ذلك قائلًا: "ليس الحظ هو ما جعل يوهانس يجلب هؤلاء الأشخاص إلى هذه البقعة في إثيوبيا، مع كل هؤلاء الخبراء المناسبين للعمل على هذه المسألة".

وعلى حد قول هايلي سيلاسي، يعود جزء من أهمية جمجمة MRD إلى أنها ترجع إلى حقبة زمنية، كان السجل الأحفوري لها خاويًا (بالمعنى الحرفي). كما أنها تُعِيد هيكلة أقدم فروع شجرة تطور أشباه البشر، إذ اعتقد الباحثون سابقًا أن نوع لوسي قد تطور من نوع A. anamensis، في حالة «كلاسيكية» من التطور المباشر من نوع إلى آخر، حسب قول فريد سبور، وهو عالِم حفريات قديمة بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن، لكنّ هايلي سيلاسي وزملاءه يؤكدون أن معالم الجمجمة - إضافة إلى إعادة تحليل بعض الحفريات الموجودة التي أتاحتها الجمجمة - تشير إلى أن تطور أشباه البشر المبكرين كان أكثر فوضوية مما هو متوقع، وأن نوعَي A. anamensis، وA. afarensis قد تقاطعت طرقهما  لمدة لا تقل عن مئة ألف عام. وإضافة إلى ذلك.. فإن العثور على عينة سليمة لا تزال باقية على حالها أمر بالغ الندرة. وفي ذلك الصدد.. يقول وايت: "إن اكتشاف جمجمة ـMRD، هو اكتشاف لعظمة قحف أيقونية".

ولا يتفق الجميع مع مسألة إعادة هيكلة شجرة التطور التي تقترحها مجموعة هايلي سيلاسي. وما يزال أعضاء الفريق يدرسون عظمة القحف؛ للحصول على مزيد من الأدلة حول موقعها في عصر ما قبل التاريخ. ويأمل هايلي سيلاسي في العودة إلى زيارة موقع الاكتشاف لمزيد من التفاصيل. كما يقول: "نأمل أن يكون باقي الهيكل العظمي لا يزال هناك. مَن يدري؟".

ويرى هايلي سيلاسي أن جمجمة MRD تحتل المركز الأهم من بين جميع اكتشافاته. وكوسيلة تذكير يومية، صارت حروف اسم الجمجمة على لوحة أرقام سيارته.

ويندي روجرز: عالمة أخلاقيات زراعة الأعضاء

باحثة أكاديمية تكشِف عن إخفاقات أخلاقية في الدراسات التي تجريها الصين حول عمليات زرع الأعضاء.

تحرير: ديفيد سيرانوسكي

 Chris Stacey, Macquarie University

على مدى عقدين من الزمن، دار جدل حول مصدر بعض أعضاء الكبد والقلب والكُلى المستخدَمة في عمليات زرع الأعضاء في الصين. وأنكرت الحكومة الصينية في البداية أن الأعضاء أُخذت من سجناء، ثم أقرّت بذلك. وتصرّح الحكومة في الوقت الحالي بأنّ هذه الممارسة قد حُظرت منذ عام 2015، وأن الأعضاء تأتي جميعها من متطوعين، لكن الباحثين يشككون في ذلك أيضًا.

وقد وجدت ويندي روجرز - وهي متخصصة في أخلاقيات علم الأحياء في جامعة ماكواري في سيدني بأستراليا - وسيلة جديدة لفتح هذه القضية، وهي فحص المنشورات البحثية التي ينشرها أطباء زراعة الأعضاء الصينيون. وتَسَبَّب التحقيق الذي أجراه فريق ويندي، والذي نُشر في فبراير من عام 2019 (W. Rogers et al. BMJ Open 9 e024473; 2019)، في أكثر من 24 عملية سَحْب لتقارير خاصة بعمليات الزرع، بعد أن فشل الأطباء في إثبات موافقة المتبرعين. وعن ذلك.. تقول روجرز: "إذا فكرت فيما يحدث بالفعل، لوجدته أمرًا لا يُطاق".

تساعد عمليات السحب هذه في إدراج تلك الممارسات ضمن الفضائح الأخلاقية الكبرى في العالم في حقل البيولوجيا، حسب قول إيف مورو، وهو عالِم البيولوجيا الحاسوبية في جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، كما أنها تُظهِر إلى أيّ مدى يجب على العلماء والناشرين التعامل بجدية مع الأخلاقيات البحثية.

بدأ تحَوُّل روجرز من الحياة الأكاديمية إلى العمل كناشطة في مؤتمر عُقد في عام 2015، عُرض فيه فيلم وثائقي بعنوان «صعب التصديق» Hard to Believe، ناقش عمليات التبرع القسري بالأعضاء المأخوذة من سجناء سياسيين. وكانت روجرز قد درست نظام زرْع الأعضاء في أستراليا، لكنها صُدمت بما كان يجري في الصين. وفي عام 2016، أصبحت روجرز رئيسة متطوعة بدون أجر للجنة الاستشارية الدولية التابعة للائتلاف الدولي لإنهاء إساءة زراعة الأعضاء في الصين (ETAC)، وهي جماعة ضغط غير هادفة إلى الربح، مقرها سيدني. وقد تتبعت مصدر معلومات مجهول الهوية، وبحثت في أمر ورقة بحثية نُشرت في عام 2016 في مجلة «ليفر إنترناشيونال» Liver International، لاحظت فيها أن الوثائق الخاصة بالمتبرعين غير موجودة في الدراسة. ومن ثمَّ، سُحبت الورقة البحثية في عام 2017.

من هنا، أدركت روجرز أنه لا شك في وجود الكثير من الأوراق البحثية المثيرة للريبة. وعملت ليل نهار، وفي عطلات نهاية الأسبوع، مع فريق من الباحثين والمتطوعين؛ للتدقيق في آلاف الأوراق البحثية. ووجد الفريق أكثر من 400 ورقة بحثية، استنتجوا أنها غالبًا قد استندت إلى استخدام أعضاء من سجناء، ولم توضح مصدر هذه الأعضاء. وأشارت تلك الأوراق البحثية - التي نُشرت ما بين عامي 2001، و2017 - إلى أكثر من 85 ألف عملية زرع. وسلّط الفريقُ الضوء على 17 دورية كانت قد نشرت خمس أوراق بحثية أو أكثر، وحصلوا على استجابة من اثنتين من تلك الدوريات، فسحبت مجلة «بلوس وان» PLoS ONE 19 ورقة من أصل 21 ورقة بحثية مُدرَجة في قائمة روجرز، ولا يزال التحقيق في الورقتين المتبقيتين مستمرًا. أما دورية «ترانسبلانتيشن» Transplantation، فسحبت سبع أوراق بحثية، خمس منها من ست أوراق مُدرَجة في قائمة روجرز، واثنتان اكتشفتهما الدورية من تلقاء نفسها. وتذكُر إشعارات السحب أن المؤلفين لم يتجاوبوا أو لم يتمكنوا من تقديم تفسيرات مُرضية.

وقد أعرب يورج هيبر، رئيس تحرير مجلة «بلوس وان» PLoS ONE،عن امتنانه لفريق روجرز. فقد عززت دوريته الآن من اشتراطات تقديم التقارير الخاصة بالأوراق البحثية التي تتناول زرع الأعضاء. أما فيما يتعلق بالدوريات التي لم ترسل ردًّا، فتقول روجرز: "إنني أحث القائمين عليها حقًّا بأخْذ هذا الأمر على محمل الجد".

وقد تواصلت اللجنة الاستشارية الدولية التابعة للائتلاف الدولي لإنهاء إساءة زراعة الأعضاء في الصين مع جيفري نايس، وهو محامٍ من أصحاب الخبرة في ملاحقة مجرمي الحرب في لاهاي بهولندا، لكي يكتب عمّا كان يحدث. واقترح نايس تشكيل فريق دولي، تولى رئاسته، على أن تتولى روجرز تقديم الأدلة إلى ذلك الفريق. ونظر هذا الفريق أيضًا في ورقة بحثية منشورة هذا العام، شككت في البيانات الصادرة عن برنامج الصين للتبرع بالأعضاء (M. P. Robertson et al.BMC Med. Ethics 20, 79; 2019).

وفي يونيو، خلُص الفريق إلى أن أشخاصًا مسجونين بسبب آرائهم الدينية أو السياسية قد قُتلوا؛ بغرض الحصول على أعضائهم في الصين، وأن تلك الممارسة مستمرة على الأغلب. وقوبل ذلك التقرير وعمل روجرز بالصمت من جانب الصين. ولا تعلّق روجرز آمالًا على أن الصين قد تتعامل بشفافية تامة فيما يخص عمليات زرع الأعضاء التي تُجرى على أراضيها، لكنّ التحقيقات الدقيقة قد تسهم في وقف أي استيلاء قسري على الأعضاء، حسبما ترى.

     

هونجكوي دينج: مترجم كريسبر

عالِم صيني يبين أن أداة التحرير الجيني كريسبر يمكن استخدامها بأمان في البالغين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.

تحرير: ديفيد سيرانوسكي

Gilles Sabrié for Nature

 قبل أقل من عقد من الزمن، أمكن تطوير نظام تحرير الجينات المعروف باسم «كريسبر كاس9» CRISPR-Cas9، الذي بدأ بالفعل يظهر على ساحة التجارب الإكلينيكية، لكنّ هذا العام شهد ما يعتبره كثيرون أول تقريرٍ منشورٍ عن استخدام هذه التقنية على شخص. وتأتي هذه الدراسة من المختبر الخاص بالباحث هونجكوي دينج في جامعة بكين، الواقعة في بكين، وهي توضح كيف أن تحرير الجينات باستخدام تقنية «كريسبر» يحتمل أن يُقدم إمدادًا غير محدود من الخلايا المناعية المُحصّنة ضد الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.

وصُمِّم هذا النهج لمحاكاة التجربة الناجحة التي تحققت مع تيموثي راي براون، المعروف بـ«مريض برلين». ففي عام 2008، أصبح براون أول شخص يُعرف بأنه قد تخلص من الفيروس، بفضل عملية زرع نخاع عظام، خضع لها في إطار علاجه من سرطان ابيضاض الدم. وقد قصد أطباء براون البحث عن متبرع يحمل طفرة جينية تُعَطِّل عمل بروتين CCR5، وهو بروتين يستغله فيروس نقص المناعة البشرية لإصابة الخلايا المناعية. وقضى الأطباء على جهاز براون المناعي تمامًا، ثم أعادوا تغذيته بالخلايا القادمة من متبرع، واختفى الفيروس نتيجة لهذا.

ويُذكر أنّ الطفرة الواقية التي كانت موجودة لدى الشخص المتبرع بنخاع العظام لبراون نادرة الحدوث، وهي تكاد تكون غير موجودة في الصين. وبناءً على هذا.. قرَّر دينج – الذي كان جزءًا من فريق من الفرق التي اكتشفت أهمية بروتين CCR5 فيما يخص فيروس نقص المناعة البشرية في تسعينيات القرن الماضي – قرر محاولة تحرير الجين، بدلًا من ذلك. وأخذ دينج خلايا جذعية مُكوِّنة للدم، متوافقة من الناحية المناعية، من النخاع العظمي لأحد المتبرعين، وحررها باستخدام «كريسبر كاس9»، ثم زرعها في شخص مصاب بسرطان ابيضاض الدم وفيروس نقص المناعة البشرية. وعن هذا يقول دينج: "نأمل في تحقيق محاكاة دقيقة لحالة مريض برلين".

ولدواعي السلامة، ولأنه من الصعب تحرير نوع الخلايا المستخدمة، استخدم دينج مزيجًا من الخلايا في عملية الزرع، وعُدلت حوالي 18% منها فقط. وظل المريض حاملًا لعدوى فيروس نقص المناعة البشرية (L. Xu et al. N. Engl. J. Med. 381, 1240–1247; 2019). ويقول دينج إن هذا الإجراء أظهر كيف أن الخلايا التي حُررت بـتقنية «كريسبر كاس9» يمكن أن تكون جزءًا من عملية زرع نخاع العظام، ولا تتسبب في حدوث آثار سلبية. ولا يزال بعض الخلايا المُحررة موجودًا في دم المريض، حتى بعد مرور ما يقرب من عامين. ويضيف دينج قائلًا: "كان اهتمامنا في الأساس منصبًّا على استمرارية وجود هذه الخلايا. وكانت هذه هي النتيجة الرئيسة للورقة البحثية".

ويحاول فيودور أورنوف - عالِم البيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في بيركلي - هو الآخر الدفع باستخدام كريسبر إكلينيكيًا، لكنْ حسبما يرى، فإن الإخفاق في علاج فيروس نقص المناعة البشرية هو مؤشر على الاستعجال في ترجمة هذه التكنولوجيا على أرض الواقع. وكانت التجارب السابقة قد أوضحت أن الفوائد الإكلينيكية التي تحققت من خلال وسائل أخرى لتحرير الجينات، مثل «إنزيمات نيوكلييز إصبع الزنك» Zinc-finger nucleases، تَعتمِد على كفاءة عملية التحرير. وحسب قول أورنوف، فإن العلاج لا يمكن له أن ينجح في ظل هذه النسبة المتدنية من الخلايا المُحرَّرة، وكان ينبغي على دينج وأفراد فريقه أن يدركوا ذلك، مضيفًا: "سيبقى عملهم نموذجًا للطريقة الخاطئة لاستخدام هذه التقنية".

غير أن دينج يدافع عن التجربة، ويأمل على المدى القصير في زرع نسبة أعلى من الخلايا المُحرَّرة جينيًّا. ويطمح دينج أيضًا في تطوير أساليب لإعادة برمجة الخلايا إلى خلايا جذعية متعددة القدرات، ستكون أسهل في تحريرها، ومن ثم تحويلها إلى خلايا جذعية مُكوِّنة للدم، مُعَدَّة للزرع. وهو ما يعلق عليه دينج بقوله: "سوف يكون ذلك مثاليًّا".

       

 جون مارتينيز: مُصمِّم الحاسوب الأقوى على الإطلاق

عالِم فيزياء يقود جهود شركة «جوجل» Google إلى ابتكار حاسوب كمّي، بإمكانه التفوق على الأجهزة التقليدية.

تحرير: إليزابيث جيبني

Rocco Ceselin for Nature

عندما كان جون مارتينيز طالب دراسات عليا في منتصف الثمانينيات، ذهب إلى محاضرة حددت مسار حياته العلمية. ففي تلك المحاضرة ناقش الفيزيائي الشهير ريتشارد فاينمان فكرة استخدام الخصائص الكمّية للجسيمات في صنع أجهزة كمبيوتر يمكنها أن تقوم بأشياء يستحيل تنفيذها من خلال الأجهزة التقليدية. ويقول مارتينيز: "كان واضحًا لي أنها فكرة عظيمة، وأن العمل عليها سيكون رائعًا".

وفي أكتوبر من عام 2019، خطا مارتينيز خطوة كبيرة نحو تحقيق حلم فاينمان، إذ ترأس عمل مجموعة من الباحثين في شركة «جوجل» أعلنوا أنهم قد توصلوا إلى سبْق، يتمثل في حاسوب كمي يمكنه إجراء عملية حسابية أسرع من أفضل الحاسبات التقليدية. ويقول مارتينيز: "كان إجراء هذه التجربة بمثابة تتويج لمسيرتي المهنية".

وقد أمضى هذا الفيزيائي - الذي يعمل في كل من شركة «جوجل»، وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا - 17 عامًا في تطوير المكونات الصلبة التي يرتكز عليها جهاز الكمبيوتر الكمّي للشركة، الذي يُطلق عليه «سيكامور». وتوجد في قلب هذا الكمبيوتر حلقات فائقة التوصيل، تُعرَف بـ«البِتَّات الكمية»، وهي أنظمة كمّية، يبدو أنها توجد في حالات متعددة، إلى أن يجري رصدها. ولطالما وضع الفيزيائيون نظريات توضح أن تسخير التفاعلات بين البِتَّات الكمية سيكون بمقدوره أن يُمكِّن أجهزة الكمبيوتر من التفوق في حسابات بعينها، مثل سبر قواعد البيانات غير التقليدية التي لا يمكن البحث فيها، وفك عمليات التشفير التقليدية.

وأظهر فريق يتكوّن من أكثر من 70 عالمًا ومهندسًا أنه فيما يتعلّق بتحَدٍّ معين، هو حساب انتشار المخرجات من أحد أنواع المولّدات الكمّية التي تُنتج أرقامًا عشوائية، فإن سيكامور استطاع في 200 ثانية فقط أن يفعل ما قَدَّر العلماء أنه سيتطلب 10 آلاف سنة من أفضل أجهزة الكمبيوتر الخارقة لفعله (بالرغم من آخرين يجادلون بأن هذا سيتطلب عدة أيام فحسب).

واعتمد ذلك الإنجاز على مكوناتٍ صلبةٍ مُحَسَّنة خفضت معدلات الخطأ، ووصّلت البِتَّات ببعضها البعض عبر طرق جديدة. وبعض علماء الفيزياء تجادلوا حول أهمية تلك اللحظة التاريخية، وحاججوا بأن المهمة تتصف بأنها ذات تطبيقات عملية محدودة، لكن مارتينيز يقول إن أهمية التجربة تكمن في إظهارها لنقطة جوهرية، هي أن فهم الفيزيائيين للتفاعلات الكمية - التي أمكن تعلُّمها من خلال أنظمة الكَمّ الصغيرة - يبقى صحيحًا في ظل نطاقات وتعقيدات أكبر. ويعلّق مارتينيز على ذلك بقوله: "هذا نبأ جيد حقًّا".

ويقول هارتموت نيفن - الذي يرأس مختبر الذكاء الاصطناعي الكمّي في «جوجل» - إن مارتينيز كان متسلق جبال فيما مضى، وإنه يطبق النهج نفسه الذي يتسم بالتأني والحذر في بناء المكونات الصلبة، وهي العملية التي يجب التفكير مسبقًا في كل خطوة من خطواتها. ويضيف نيفن قائلًا: "إن فكرة جون عن الاسترخاء في أيام الآحاد هي الذهاب إلى المختبر، ولَحْم الأشياء ببعضها بعضًا، فالحياة والعمل لا يتجزآن في الحقيقة".

ولدى مارتينيز العديد من الأفكار الإضافية التي يأمل في مواصلة تنفيذها. وتشمل أولوياته المستقبلية صنع رقائق كَمِّية أفضل، بما في ذلك إتقان أساليب تصحيح الأخطاء الناتجة عن الضجيج الكمّي، وإتاحة استخدام «سيكامور» لباحثين من خارج المشروع في نظام سحابي، لمعرفة ما إذا كانت هناك خوارزميات مفيدة يمكن لـ«سيكامور» تشغيلها، أم لا. ومن بين الأفكار الأخرى التي تداعب مخيلته طريقة للتحقق من أن الأرقام العشوائية المفترَضة هي عشوائية بالفعل. وعن ذلك.. يقول مارتينيز، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة: "الفيزيائيون مِثْلي لا يتقاعدون". ويضيف قائلًا: "لدينا الكثير من الأشياء لنفعله".

جريتا تونبِري: مُلهِمة باحثي المناخ

مراهقة سويدية تدفع علوم المناخ إلى الصدارة، وتُعَبِّر عن غضب جيلها.

تحرير: كويرين شيرماير

 Michael Campanella/Getty

في جلسة استماع بالكونجرس الأمريكي حول التغير المناخي، عُقدت في سبتمبر الماضي، قدمت جريتا تونبِري على الطاولة حزمة ضئيلة من الأوراق إلى المُشرِّعين. وكانت الأوراق تقريرًا خاصًّا صادرًا عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تتوقع فيه الهيئة وقوع عواقب وخيمة مع ارتفاع درجة حرارة العالم. وقالت جريتا للمشرعين: "لا أريد منكم أن تستمعوا إليّ.. أريدكم أن تستمعوا إلى العلماء. أريدكم أن تتوحدوا تحت راية العِلْم، وأن تتخذوا إجراءات فعلية".

قضى العلماء عقودًا يُحَذِّرون من تغير المناخ، لكنهم لم يتمكنوا من حشد الاهتمام العالمي بالطريقة التي استطاعت بها تونبري أن تحشده هذا العام. لقد تفوقت عليهم فتاة سويدية تبلغ من العمر 16 عامًا، وتحظى بتشجيع الكثيرين.

وحول ذلك.. تقول سونيا سينيفيراتني، وهي عالمة في شؤون المناخ بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ: "ربما يتعجب البعض من أنْ تحصل فتاة مراهقة على كل هذا الاهتمام، ويُنسب إليها من الفضل ما يفوق ما حصل عليه معظم الباحثين في مجال علم المناخ عن سنوات من العمل الشاق والجهد، نظير تباكيها علنًا على مشكلة معروفة جيدًا"، لكن تونبِري تتميز بالصراحة وصدق الغضب، وهذا في حد ذاته عامل قوة، كما تقول سينيفيراتني، التي تضيف: "نحن معشر العلماء لا نجسر عادةً على التعبير عن الحقيقة بمثل هذه البساطة التي تلمس القلب".

وأشاد العديد من الباحثين بتونبِري، بشكل خاص، لتركيز اهتمامها على تغيُّر المناخ، وآثاره الكارثية. وحسب قول سينيفيراتني، فإنّ ما حققته هذه الفتاة ينبغي أن يكون حافزًا للباحثين في مجال المناخ على مواصلة علومهم، رغم بطء الإجراءات السياسية.

وتقول أنجيلا ليدفورد أندرسون، مديرة برنامج المناخ والطاقة في اتحاد العلماء المهتمين بالبيئة والعلوم، الكائن في واشنطن العاصمة: "لقد ألهمَتْ جريتا العلماء، وكذلك الناشطين، وصانعي السياسات". وفي يوليو الماضي، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن إجراءات شاملة لخفض الانبعاثات الكربونية، وأقرّت بأن الاحتجاجات التي أشعلتها تونبِري "دفعت الحكومة إلى التحرك".

غير أن تأثير تونبِري الأكبر ربما ينصَبّ على الجيل القادم من العلماء، حسب قول أندرسون، التي أضافت في هذا الصدد قائلة: "إن قدرتها على حشد الشباب تُبَيِّن أن الجيل الصاعد ينتظر من العلوم أن تُرشِد السياسات، بل ربما تلهم قدرتها هذه الكثيرين إلى أنْ يصبحوا هم أنفسهم علماء".

 

شخصيات تستحق المتابعة في عام 2020

أنطونيو جوتيريش

الأمين العام للأمم المتحدة

حثّ هذا الدبلوماسي البرتغالي على اتخاذ إجراءات صارمة بشأن الاحترار العالمي. وربما يكون دفاعه عن هذه القضية ذا أهمية حاسمة عندما تجتمع الدول في عام 2020 لتجديد تعهداتها بموجب اتفاقية باريس للمناخ، التي عُقدت خلال عام 2015.

دينيس ريبريكوف

مركز كولاكوف الوطني لبحوث طب أمراض النساء والتوليد وطب الفترة المحيطة بالولادة، موسكو

ثارت احتجاجات دولية بشأن خطط هذا العالِم المتخصص في البيولوجيا للبدء في إنتاج أطفال محرَّرين جينيًّا، وهو المشروع الذي ينتظر موافقة الحكومة الروسية.

جينج ماي يو

معهد شنجهاي لعلوم الأدوية في الصين

اكتشفت هذه الباحثة وفريقها مُركَّبًا حظي بالموافقة في الصين؛ لعلاج مرض ألزهايمر، لكنّ بعض المشككين يعربون عن تساؤلاتهم بشأن فعالية الدواء، ويَنتظِر الكثيرون إجراء المزيد من التجارب النهائية القاطعة.

ماريا جابرييل

المفوضة الأوروبية للابتكار، والبحث، والثقافة، والتعليم، والشباب

سوف تتبلور خطة الإنفاق المقبلة للاتحاد الأوروبي للبحث والابتكار، المعروفة باسم «هورايزون يوروب» Horizon Europe، تحت قيادة هذه العالمة السياسية البلغارية.

ماركوس ريكس

معهد ألفريد فيجنر في ألمانيا

يتولى هذا العالِم المتخصص في الأرصاد الجوية قيادة المهمة الاستكشافية المعروفة باسم «موزايك» MOSAiC، التي تبلغ قيمتها 140 مليون يورو (ما يعادل 155 مليون دولار أمريكي)، وفيها ستقوم سفينة ألمانية موجودة بين جليد القطب الشمالي لمدة عام بجَمْع بيانات عن الظروف القطبية.