أنباء وآراء

بيولوجيا المجموعات: إمكانية تعايُش المفترِسات والفرائس في دورات مستمرة

هل يستطيع المفترس وفريسته أن يتعايشا معًا على الدوام؟ مزيج من التجارب المعملية والتحليل الرياضي والإحصائي يجيب بالإيجاب عن هذا التساؤل الذي دام لعقود. 

آلان هاستنجز
  • Published online:

أحد الأسئلة الجوهرية التي يُعنى عِلْم البيئة بالإجابة عنها هو التساؤل عن العوامل التي تسمح للأنواع بالاستمرار عبر الزمن، خاصةً عندما نكون بإزاء كائنَين، أحدهما مفترِس، والآخَر فريسته. وتسعى نظرية قديمة إلى الإجابة عن هذا السؤال من خلال طرح تفسير لكيفية استمرار أعداد نسبية من المفترسات وفرائسها في الحياة لدورات متصلة1. في البداية، تزداد أعداد الفرائس، وهو ما يمنح المفترِس فرصة أكبر في الحصول على الطعام، ثم تتزايد أعداد المفترسات، فيترتب على هذه الزيادة انخفاض أعداد الفرائس. وبعد ذلك.. تنخفض أعداد المفترسات بسبب نقص الغذاء، ثم تبدأ الدورة من جديد. ومع ذلك.. فقد اتضح أن إثبات هذا النوع من دورات الفرائس والمفترسات المستمرة في بيئة المختبر البسيطة والخاضعة للسيطرة لم يكن بالبساطة المتوقعة، لكنْ في عدد صدر مؤخرًا في دورية Nature، أفاد بلاسيوس والباحثون المشاركون معه بِتَمَكُّنهم من تحقيق هذا الإثبات2، لينجحوا بذلك فيما فشلت فيه التجارب على مدار ما يقرب من 90 عامًا.

إنّ ما يدعم النظريات البيئية المتعلقة بدورات المفترسات والفرائس المستمرة هو وجود هذه الدورات في الطبيعة على نحو واضح، منها -على سبيل المثال- العلاقة فيما بين الوشق والأرنب البري في كندا3. ومع ذلك.. فمِن الصعب إثبات صمود هذه الدورات في الحياة البرية، بالنظر إلى ما يتطلبه ذلك من ملاحظة مستمرة على مدى عقود عديدة، لكنْ إذا كانت النظريات تقدِّم تفسيرًا وافيًا للدورات الطبيعية، فهذا يعني أنه من المفترض إمكان إثبات استمرار هذه الدورات في المختبر بالاعتماد على الأنواع التي تتسم بقِصر دوراتها الطبيعية.

وقد تجلَّى التحدي الذي يمثله إثبات هذا الطرح في عام 1934 على يد عالِم البيئة جورجي جاوزة4، الذي درس ديناميات كائنَين أحاديي الخلية، هما الكائن المفترس Didinium nasutum، وفريسته الباراميسيوم ذو الذُّنَب Paramecium caudatum . فمن ناحية، وجد جاوزة أنه إذا ما اتسم المفترس بالكفاءة، فسوف يلتهم كل الفرائس، ثم يتضور جوعًا. ومن ناحية أخرى.. إذا ساعدت عوامل بيئية في إخفاء الفرائس، فإن هذا يجعل المفترس أقل كفاءة؛ وينتهي به الأمر إلى أن يتضور جوعًا في هذه الحالة أيضًا (الشكل )؛ وبالتالي لا يمكن تحقيق التعايش فيما بين هذين الكائنَين، ومن ثم تحقيق دورات طبيعية تدوم طويلًا، إلا من خلال وسائل اصطناعية؛ بمعنى إضافة فريسة على فترات منتظمة. 

وفي عام 1974، أظهرت دراسة المنظومة نفسها أن جعْل المفترِس أقل كفاءة، وتزويد الفريسة بقَدْر أقل من الطعام يمكِّن الكائنَين من الاستمرار لفترة أطول5. ومع ذلك.. لم يكن في الإمكان الحفاظ على التعايش بين المفترِس والفريسة إلا لبضعة دورات. ومنذ ذلك الحين، ركزت نماذج من تلك التي تسمح بطول استمرار دورات المفترسات والفرائس على المساحة. وعلى سبيل المثال.. أُخِذ في الاعتبار ديناميات المجموعات المنتشرة مكانيًا6. وفي هذه الظاهرة، تهاجر جماعات فرعية من النوع في نطاق منطقة أكبر. وعلى الرغم من أن إحدى الجماعات الفرعية قد تنقرض في منطقة واحدة، إلا أن النوع يستمر عبر المنطقة ككل، ويمكنه العودة إلى تلك المنطقة التي انقرض فيها. ومع ذلك.. ما زالت هناك حاجة ماسّة إلى التوصل إلى فهْم أفضل لما إذا كان من الممكن أن تستمر دورات المفترسات والفرائس محليًّا، دون تدخّل خارجي، أم لا.

درس بلاسيوس وزملاؤه الكائن اللافقاري المائي  Brachionus calyciflorus وفريسته، وهي نوع من الطحالب الخضراء، معروف بالاسم العلمي Monoraphidium minutum. وقد وجدوا أنه في ظل ظروف بيئية بسيطة ومستقرة، يمكن للنوعين أن يتعايشا لما يزيد على عام؛ أي لأكثر من 50 دورة للمفترس والفريسة. وتُثْبِت هذه النتيجة أخيرًا أن النظرية القديمة عن الدورات المستمرة قد تكون متسقة مع واقع النظم البيئية البسيطة.

بعد ذلك.. أجرى الباحثون تحليلًا إحصائيًّا دقيقًا لديناميات الدورة بين المفترس وفريسته في المنظومة التي درسوها. وقد استخدموا - على وجه التحديد - تحليل المويجات، الذي يركز على الديناميات على مدى فترات قصيرة؛ وأصبحت هذه التقنية طريقة قياسية لدراسة وجود سلوك دوري في السلاسل الزمنية البيئية7. وكشف التحليل عن ظواهر دينامية مثيرة للاهتمام، إذ أظهرت التذبذبات في الأعداد النسبية لكل نوع تأخرًا مميزًا لدورة المفترسات عن دورة الفرائس، إذ تتغير أعداد الكائنات المفترسة غالبًا في أعقاب تغيُّر أعداد الفرائس، بيد أن هذه التذبذبات قد تطرأ عليها تحولات مفاجئة، دون أي عوامل محركة خارجية. وخلال هذه الفترات العابرة، تتذبذب أعداد كلتا المجموعتين لتفقدا تزامنهما مع بعضهما البعض، قبل استئناف دينامية التزامُن في الدورات (الشكل 1ب).

الشكل 1 | توازُن صعب التحقيق. تتنبأ النظريات البيئية بأنّ الأعداد النسبية للمفترسات وفرائسها يُفترض أنها تتذبذب في دورات مستمرة، لكنّ إثبات ذلك في المختبر كان صعبًا. أ، فشلت التجارب الكلاسيكية4 منذ ثلاثينيات القرن الماضي في تحقيق هذه الدورات، لأن كفاءة المفترسات في تناوُل الفريسة كانت ضعيفة للغاية (غير موضح)، أو لأن المفترسات اتسمت بالكفاءة الشديدة، وأكلت جميع الفرائس. وفي كلتا الحالتين، تضاءلت أعداد الكائنات المفترسة. ب، نجح بلاسيوس وزملاؤه 2في تحقيق دورات مفترسات وفرائس مستمرة في المختبر. وقد وجدوا أن الدورات كانت في معظمها متوافقة في الطور، مع تخلف دورات المفترسات قليلًا عن دورات الفرائس. ومع ذلك.. كانت هناك فترات عابرة، فُقد فيها التزامن بين دورات الكائنين لأسباب غير معروفة. (مقتبس من الشكل 2ب من الورقة البحثية).

الشكل 1 | توازُن صعب التحقيق. تتنبأ النظريات البيئية بأنّ الأعداد النسبية للمفترسات وفرائسها يُفترض أنها تتذبذب في دورات مستمرة، لكنّ إثبات ذلك في المختبر كان صعبًا. أ، فشلت التجارب الكلاسيكية4 منذ ثلاثينيات القرن الماضي في تحقيق هذه الدورات، لأن كفاءة المفترسات في تناوُل الفريسة كانت ضعيفة للغاية (غير موضح)، أو لأن المفترسات اتسمت بالكفاءة الشديدة، وأكلت جميع الفرائس. وفي كلتا الحالتين، تضاءلت أعداد الكائنات المفترسة. ب، نجح بلاسيوس وزملاؤه 2في تحقيق دورات مفترسات وفرائس مستمرة في المختبر. وقد وجدوا أن الدورات كانت في معظمها متوافقة في الطور، مع تخلف دورات المفترسات قليلًا عن دورات الفرائس. ومع ذلك.. كانت هناك فترات عابرة، فُقد فيها التزامن بين دورات الكائنين لأسباب غير معروفة. (مقتبس من الشكل 2ب من الورقة البحثية).

كبر الصورة
 

وأجرى واضعو الدراسة أيضًا تجارب أدخلوا فيها دفعات من المغذيات في بيئة الأنواع، في محاكاة للتغيرات البيئية الموسمية التي تشهدها نظم طبيعية عديدة. وقد ظلت الديناميات الكلية لدورة المفترس والفريسة دون تغيير في هذه الظروف، وهو ما يشير إلى أن تفاعلات المفترس والفريسة يمكنها أن تتحكم في ديناميات الدورة، حتى في البيئة المتغيِّرة موسميًّا.

وعلى الرغم من أن دراسة بلاسيوس وزملائه تجيب عن تساؤل، إلا أنها تثير تساؤلات أخرى.. أوّلها، وقبل كل شيء: لماذا تختلف النتائج اختلافًا شديدًا عن نتائج التجارب السابقة؟ لا يتعلق الأمر ببساطة بالسلوك الفريد للأنواع المستخدَمة، لأن واضعي الدراسة كرروا التجربة باستخدام نوع مختلف من الفرائس؛ وحققوا النتيجة نفسها. وقد يكون أحد العوامل المسهِمة في النتيجة هو استخدام الباحثين كائنًا مفترسًا، له تاريخ حياة معقد، يشتمل على تحوُّلات عبر عدة مراحل، من مرحلة البيض إلى مرحلة البلوغ. وربما يكون هناك عامل آخر، هو اعتماد الاستمرارية على المدى المحدد للتذبذب في الدورة.

ودعمًا لهذه الأفكار، أظهر بحث سابق ينطوي على مفترس ذي دورة حياة أبسط أن المفترسات، أو الفرائس - أو كليهما - تنقرض إذا وصلت الدورات إلى المدى الذي تقل فيه أعداد المجموعات⁴. وبالإضافة إلى ذلك، أظهر تحليل أُجري على مزيج مختلف من المفترسات البحرية والفرائس البحرية8 أن الديناميات الدورية أفسحت الطريق في النهاية إمّا للانقراض، أو لاستمرار المجموعتين في حالة توازن. وتشير النظريات الرياضية1 إلى أن الدورات ذات المدى الصغير التي لاحظها بلاسيوس وزملاؤه لن تحدث إلا في ظل ظروف محددة للغاية. وبالتالي، فإن إثبات استمرار الدورات في النظم الأخرى يشكل تحديًا رئيسًا في المستقبل. وقد تكون خصائص تاريخ حياة المفترس التي يستخدمها بلاسيوس وزملاؤه نقطة انطلاق في البحث عن نُظُم تُظهِر سلوكًا مشابهًا.

ومن الآفاق الأخرى المثيرة للاهتمام للدراسات المستقبلية، تحديد طبيعة العلاقة بين الديناميات العابرة، والتحولات في سلوك النظام. فهل التغير المفاجئ في ديناميات نظام الدورات هو انعكاس للظروف البيئية المتغيرة، أم أنه ظاهرة تنشأ بذاتها؟ إنّ وجود تحولات عابرة غير متوقعة في ديناميات المفترس والفريسة يحدّ من قابلية التنبؤ بسلوك النظم البيئية9. وفي العالَم الواقعي، قد تؤدي التحولات المفاجئة من هذا القبيل إلى تحفيز السعي الخاطئ نحو تحديد العوامل المحركة للتغير، في حين تشير الدراسة الحالية إلى احتمال عدم وجود عوامل محركة للتغير. كما أن احتمال وجود ديناميات عابرة قد يجعل من الصعب التنبؤ بتأثير استراتيجيات الإدارة البيئية.

وقد قدم بلاسيوس وزملاؤه واحدًا من أوضح مظاهر الديناميات العابرة في المختبر حتى الآن، حيث أصبح من المؤكد تمامًا عدم تسبُّب أي تأثيرات خارجية في التغير. وسيكون من المهم الجمْع بين هذا العمل (وإثبات تجريبي مقنع آخر10)، والنماذج النظرية التي يجري وضعها حاليًّا9. ومن المفترض أن يؤدي ذلك إلى طرح المزيد من الأفكار عن دور الديناميات العابرة في النظم الطبيعية.

References

  1. Kendall, B. E. et al. Ecology 80, 1789–1805 (1999).| article
  2. Blasius, B., Rudolf, L., Weithoff, G., Gaedke, U. & Fussmann, G. F. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-019-1857-0 (2019).| article
  3. Elton, C. & Nicholson, M. J. Anim. Ecol. 11, 215–244 (1942).| article
  4. Gause, G. F. The Struggle for Existence (Williams & Wilkins, 1934). | article
  5. Luckinbill, L. Ecology 55, 1142–1147 (1974).| article
  6. Hanski, I. Metapopulation Ecology (Oxford Univ. Press, 1999).  | article
  7. Cazelles, B. et al. Oecologia 156, 287–304 (2008).| article
  8. Fussmann, G. F., Ellner, S. P., Shertzer, K. W. & Hairston, N. G. Science 290, 1358–1360 (2000).| article
  9. Hastings, A. et al. Science 361, eaat6412 (2018).| article
  10. Cushing, J. & Desharnais, C. J. Anim. Ecol. 67, 298–306 (1998). | article

ألان هاستنجز يعمل في قسم العلوم والسياسات البيئية في جامعة كاليفورنيا في ديفيس بمدينة ديفيس، 95616 كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. كما يعمل في معهد سانتا فيه بسانتا فيه، نيو مكسيكو، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: amhastings@ucdavis.edu