أخبار

الكشف عن طائر نادر يلقي الضوء على النتائج الواعدة "للحمض النووي البيئي"

يتزايد استخدام الباحثين لآثار المواد الوراثية المتبقية في التربة، أو الماء، أو الجليد، لتعقُّب الأنواع النادرة والمهدَّدة بالانقراض.

دياني لويس
  • Published online:
احتوت البِرَك التي زارتها طيور قوس قزح المهدَّدة بالانقراض على بقايا حمض نووي، أتاحت للعلماء الكشف عن وجود الطائر.

احتوت البِرَك التي زارتها طيور قوس قزح المهدَّدة بالانقراض على بقايا حمض نووي، أتاحت للعلماء الكشف عن وجود الطائر.

photographereddie/Getty

في شمال أستراليا، استُخدِم الحمض النووي الذي جُمع من البِرَك المائية النائية في الكشف - لأول مرة - عن طائر نادر في البرية1. وقد جاء هذا الكشف كأحدث الإنجازات المهمة في علم الحمض النووي البيئي، الذي يتطور بسرعةٍ كبيرة، وتُستَخدَم فيه آثار المواد الوراثية المتبقية في التربة، أو الماء، أو الجليد في الكشف عن وجود النباتات والحيوانات. 

ففي دراسة نُشِرَت في الرابع عشر من نوفمبر، أفاد فريق في أستراليا بأن المواد الوراثية التي جُمعت من البرك المائية هناك أظهرت أن طيور قوس قزح (Erythrura gouldiae) قد زارت البِرَك خلال الثماني وأربعين ساعة الماضية. وأكد حراس الغابات أيضًا وجود هذه الأنواع عند هذه البِرَك. 

وقد بدأ العلماء في استخدام تحليل الحمض النووي البيئي (eDNA) منذ ما يقرب من 15 عامًا لأغراضٍ تشمل تتبُّع الأنواع المائية النادرة، أو المراوِغة، مثل سمندل الماء المُتوَّج الكبير (Triturus cristatus) في المملكة المتحدة2. وفي السنوات القليلة الماضية، تزايد استخدام هذه التقنية في اكتشاف الثدييات والحشرات – ومؤخرًا الطيور– من تلك التي تعيش على البر.

 

ويقول العلماء إن إجراء اختبار للكشف عن الحمض النووي البيئي غالبًا ما يكون أكثر أمانًا بالنسبة إلى الحيوانات والباحثين، غير أنه أقل تكلفةً من الوسائل التقليدية المستخدَمة في التعرف على الأنواع النادرة، والمهدَّدة بالانقراض، بالإضافة إلى أنه في بعض الحالات يكون أقرب إلى الصحة، وأكثر دقة من تلك الوسائل. وقد كان ذلك دافعًا للوكالات التنظيمية في عدد من البلدان لاعتماد هذه التقنية؛ لتحديد موقع الكائنات، مثل الوشق الكندي (Lynx canadensis) المهدَّد بالانقراض في الولايات المتحدة، أو لمراقبة الأنواع الغازيَة. 

ولم تنجح هذه التقنية بعد في إقناع بعض العلماء الذين يرون أن نتائج الحمض النووي البيئي ليست قوية بما يكفي لاستخدامها كأساسٍ وحيد لاتخاذ قرارات ذات صلة بإدارة البيئة؛ التي قد تكون لها تبعات قانونية على الحكومات وأصحاب الأراضي. 

تعرضت كذلك الدراسات المبكرة التي استخدمت نتائج الحمض النووي البيئي بهدف العثور بدقة على أنواع بعينها للانتقادات، وذلك بسبب احتمال التعامل غير السليم مع العينات، وهو ما قد يؤدي إلى انتقال الملوثات إلى العينات، ليسفر ذلك بالتالي عن الحصول على نتائج إيجابية كاذبة. فالعلماء الذين يستخدمون هذه الطريقة لا يكتشفون سوى كميات ضئيلة من المادة الوراثية، ولذلك.. فالنزر اليسير من الملوثات قد يفسد النتائج. أما مؤيدو هذه الطريقة، فيقولون إنّ اعتماد البروتوكولات الصارمة حديثًا، التي تتجنب التلوث أو تكشفه؛ قد عالج هذه المشكلات إلى حد كبير. 

وفي عام 2003، نُشرت أول دراسة تُظهِر أن النباتات والحيوانات ذات الأجساد الكبيرة تترك في بيئتها كميةً كافية من الحمض النووي تكفي للكشف عنها من خلال التغوط وطرح الخلايا 3. وبعد خمسة أعوام، كشف فريقٌ آخر عن إمكانية استخدام الحمض النووي الموجود في مياه البِرَك للكشف عن ضفدع الثور الأمريكي الغازي4 (Rana catesbeiana). وتَجمَع غالبية هذه الدراسات المواد الوراثية من البيئات المائية، لأن الحمض النووي ينتشر في الماء، ويظل عائمًا فيه؛ ويمكن الكشف عنه حتى عند وجوده بكميات ضئيلة. 

توفير هائل في الوقت

قرابة عام 2014، استخدم مايكل شوارتز - الذي يرأس المركز الوطني لدراسات الجينوم، المعنِيّ بالحفاظ على الحيوانات البرية والأسماك، التابع لدائرة الغابات في الولايات المتحدة في ميسولا بولاية مونتانا5 - مع فريقه الحمض النووي البيئي في الكشف عن سمك السلمون المرقط (Salvelinus confluentus)، المهدَّد بالانقراض، الذي يصعب رصده. وقد حلَّل الباحثون في البداية 124 عيِّنة مياه من الممرات المائية، عبر ولاية مونتانا، وجمعوا كمية من البيانات تكافئ تلك التي جُمعت على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، عن طريق عمليات مسح تقليدية، استخدمت طريقة صيد الأسماك بالكهرباء. وهي طريقة محفوفة بالمخاطر للبشر والأسماك، على حد سواء، يتم فيها تمرير تيار كهربائي عبر المياه؛ لجذب الأسماك، ثم يجري صيدها بالشِّبَاك. وعن ذلك.. يقول شوارتز: "لقد تمكنَّا من القيام بذلك خلال ثمانية أيام". وأضاف قائلًا: "لقد قدّرنا أن استخدام الحمض النووي البيئي أسرع من صيد الأسماك بالكهرباء، بما يتراوح من ضعفين إلى عشرة أضعاف، وأفضل منه من حيث فعالية التكلفة، بما يتراوح من ضعفين إلى خمسة أضعاف". 

وفي وقت سابق من عام 2019، نشر فريق شوارتز نتائج تكشف إمكانية استخدام الحمض النووي المتبقي في آثار السير على الثلوج، أو في الثلج بالقرب من الفِخاخ المزوَّدة بكاميرات مخبأة، للتعرف على وجود الوشق الكندي، وحيوان اللَقَّام (Gulo gulo) في مونتانا، فضلاً عن التعرف على وجود حيوان صغير آكِل للحوم، ينتمي إلى الثدييات، يُطلَق عليه الدَّلَق (Pekania pennanti) في ولاية آيداهو6. وتتضمن الوسائل التقليدية للكشف عن وجود حيوانات اليابسة عادةً مسوحًا تستغرق وقتًا طويلًا للتعرف على الحيوان، من خلال مساراته وحدها، أو من خلال برازه. 

الحمض النووي المأخوذ من آثار أقدام على الثلوج أتاح للعلماء الكشف عن وجود الوشق الكندي.

الحمض النووي المأخوذ من آثار أقدام على الثلوج أتاح للعلماء الكشف عن وجود الوشق الكندي.

Konrad Wothe/Nature Picture Library

وفي حالة أخرى.. كان الحمض النووي البيئي أكثر دقة من الوسائل التقليدية. يقول شوارتز إنه عندما لم تكشف صور الفِخاخ المزودة بكاميرات بوضوح عمّا يبدو أنه الوشق الكندي في منطقةٍ كان وجوده فيها غير معروف لحراس الغابات، فقد أكد الحمض النووي البيئي المستخرَج من الثلج أن المخلوق كان هو الوشق بالفعل. 

أما في بعض الحالات، فتُستخدم تحليلات الحمض النووي البيئي في إنفاذ السياسات. ففي عام 2014 - على سبيل المثال - وافقت حكومة المملكة المتحدة على استخدام تحليل الحمض النووي البيئي في الكشف عن سمندل الماء المتوَّج الكبير المهدَّد بالانقراض، في مسوح تقصي استغلال الأراضي؛ التي يفرضها القانون. 

ومع وجود سوق مزدهر لتحليلات الحمض النووي البيئي، فإن عشرات الشركات تقدم الآن اختبارات وراثية للكشف عن الأنواع النادرة. 

يقول فلوريان لِيس - عالِم البيئة المائية بجامعة دويسبورج إيسن في ألمانيا - إنه من أجل الحد من المشكلات التي عانى منها المجال في أيامه الأولى، كالنتائج الإيجابية الكاذبة، أصبحت هناك وسائل قياسية للتعامل مع العينات، والكشف عن تلوُّثها. فإجراءات مثل أخْذ عينات كافية، واستخدام المعدات المعقمة، والضوابط التجريبية، يمكنها جميعًا المساعَدة في الحماية من تلوث العينات. وفي هذا السياق، تقوم شبكة  DNAqua-Net (وهي شبكة أوروبية من الباحثين، تتعاون مع الهيئات الصناعية والوكالات التنظيمية) بوضع مبادئ توجيهية لأفضل الممارسات، تتعلق بكيفية تصميم الاختبارات الخاصة بأنواعٍ بعينها، والتحقق من صحة هذه الاختبارات، فضلًا عن تحديد كمية الحمض النووي اللازمة للتأكد من أنّ الاختبار يعود بنتيجة إيجابية حقيقية. 

وما زال بعض علماء البيئة مترددين في التخلي عن الأساليب التقليدية. وفي ذلك الصدد.. يقول جان مارك روسيل - عالِم البيئة المائية في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية في رين - إنّ هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات، التي تقارِن تكلفة تحليلات الحمض النووي البيئي ودِقّتها بتلك الخاصة بأساليب الرصد التقليدية؛ قبل اتخاذ قرارات لإدارة البيئة على أساس نتائج الحمض النووي البيئي. 

أمّا أخصائية علم البيئة الجزيئي، سيسيليا فيلاكورتا راث، من جامعة جيمس كوك في تاونزفيل بأستراليا، فتعتقد أن الباحثين يحتاجون أيضًا إلى إثبات أن الاختبارات الجينية دقيقة بدرجة تكفي لتجنب النتائج السلبية الكاذبة؛ بمعنى الفشل في الكشف عن الأنواع المستهدَفة الموجودة. 

وتُعَدّ قوة النتائج ضرورة، لأنّ الكشف عن الأنواع المهدَّدة بالانقراض قد تترتب عليه تداعياتٍ قانونية مهمة. ففي الولايات المتحدة، تحتاج هذه الأنواع إلى الحماية بموجب قانون الأنواع المهدَّدة بالانقراض. ولذا.. فمن الممكن تبعًا لهذه النتائج أن تُعتبر إحدى المناطق موئلًا بالغ الأهمية.

 وبصفةِ لِيس رئيسًا لشبكة DNAqua-Net، يتولى مسؤولية وضع معايير تَضْمَن دقة الاختبارات الجينية، وتمنح الوكالات الثقة في نتائجها. وعلى حد قوله، فالخطوة التالية قد تكون اعتماد الشركات والمختبرات التي تُجرِي دراسات الحمض النووي البيئي.

References

  1. Day, K. et al. Endang. Species Res. 40, 171–182 (2019). | article
  2. Rees, H. C. et al. Ecol. Evol. 4, 4023–4032 (2014). | article
  3. Willerslev, E. et al. Science 300, 791–795 (2003). | article
  4. Ficetola, G. F., Miaud, C., Pompanon, F. & Taberlet, P. Biol. 

    Lett. 4, 423–425 (2008). | article
  5. McKelvey, K. S. et al. Fish Biol. 88, 1215–1222 (2016). | article
  6. Franklin, T. W. et al. Biol. Conserv. 229, 50–58 (2019). | article