أنباء وآراء

علم الجينوم: كيف تُوجِّه ذبابة الفاكهة نفسها أثناء الحركة

دراستان على ذباب الفاكهة تكشفان الآلية التي يتعلم بها نظام التوجيه في الدماغ التنسيق بين معلومات التوجيه الذاتي، ومعالم البيئة المحيطة، وهي عملية ضرورية للتنقُّل السليم.

مالكولم جي. كامبل وليزا إم. جيوكومو

  • Published online:

من المعروف أنَّ التنقُّل بنجاح من مكانٍ إلى آخر يتطلب إحساسًا سليمًا بالاتجاهات. يتضمن هذا الإحساس في الثدييات خلايا عصبية تُعرف باسم «خلايا اتجاه الرأس». وتصل كل خلية من هذه الخلايا إلى ذروة نشاطها عندما ينظر الحيوان إلى اتجاهٍ معين بالنسبة إلى المعالم الموجودة في بيئته. ويشير نشاط هذه الخلايا مجتمعةً إلى الاتجاه الذي ينظر إليه الحيوان في أي لحظةٍ بعينها. وفي عام 2015، تبين أنَّ ذباب الفاكهة - الذي تسهل دراسته في المختبر عن الثدييات بكثير - لديه خلايا مشابهة على نحوٍ لافت للنظر، تُسمي «الخلايا العصبية الاتجاهية»1. وفي بحثين نُشرا مؤخرًا في دورية Nature، استندت الباحثة إيفت فيشر وزملاؤها2، والباحثة كيمبرلي ريبلي وزملاؤها3 إلى هذا الاكتشاف، لحل معضلةٍ مطروحة منذ عقود: كيف يستجيب هذا النوع من الخلايا العصبية لمواقع المَعالم بطريقةٍ ثابتة بما يكفي للاعتماد عليها، لكنّها في الوقت نفسه مرنةٌ بما يكفي لتسمح بالتكيف مع البيئات الجديدة؟

 

لكي تفهم هذه المعضلة، إليك المثال التالي: تخيل أنَّك تخرج من محطة قطار أنفاق إلى شارعٍ مزدحم. إذا كنتَ من المترددين المنتظمين على هذه المنطقة، فستكفيك نظرةٌ سريعة على ما حولك لتمضي في سبيلك، لكنْ إذا لم تكن قد أتيتَ إلى هذه المحطة من قبل قط، فقد تحتاج إلى قليلٍ من الوقت لتُوجِّه نفسك.. فتنتبه إلى لافتات الشارع المحيطة بك، والمتاجر، والمعالم. وفي خلال وقتٍ قصير تكون قد حددت مكانك، وتتجه في الاتجاه الصحيح.

يُبرز هذا المثال تحديين يواجههما نظام التوجيه في الدماغ، أولهما: أنه لا بد أن يكون قادرًا - على نحو ثابت - على تحديد الاتجاهات في البيئات المألوفة، فالعودة إلى محطة القطار نفسها مثلًا من المفترَض أن تستدعي التوجيهات نفسها إلى الذهن. ثانيهما: أنه لا بد أن يتسم بالمرونة، ليتعلم تشكيلات جديدة من المعالم، حتى لو كان قد رأى معالمَ مشابهة من قبل، أي أنَّه لا بد أن يتعلم ترتيب لافتات شوارع محيطة بمحطة قطارٍ جديدة بعينه، حتى لو كان قد رأى لافتات شوارع مماثلة في أماكنَ أخرى.

والآليات العصبية التي تقوم عليها هذه القدرات في ذباب الفاكهة هي مثالٌ رائع لمبدأ تأثُّر تصميم بِنْية الشيء بوظيفته. فالخلايا العصبية الاتجاهية لدى ذباب الفاكهة (المعروفة اختصارًا أيضًا باسم (E-PG)، أو باسم «خلايا البوصلة العصبية») مُرَتَّبة في شكل حلقة (شكل 1)، تكافئ الدائرة المتكاملة لجميع الاتجاهات المحتملة التي يمكن أن تنظر فيها الذبابة1، التي تُعرف - في بعض الأحيان - باسم «الزوايا الاتجاهية». وبسبب عمليات التثبيط بين الخلايا العصبية وبعضها، يُشار إلى زاويةٍ اتجاهية واحدة فقط في المرة، وهو ما يوفر للذبابة إشارةً واضحة. وجديرٌ بالذكر أنَّ الخلايا العصبية الاتجاهية لا تضبط دائمًا نشاطها بالنسبة إلى أحد الاتجاهات الأصلية الأربعة، مثل الشمال، وإنما تضبط نشاطها عشوائيًّا حين تدخل الذبابة إلي بيئةٍ جديدة. وتتلقى الخلايا العصبية الاتجاهية المدخلات من الخلايا العصبية الحلقية البصرية، التي تنشطها الإشارات البصرية في اتجاهاتٍ معينة بالنسبة إلى الذبابة، وكذلك تتلقاها من الإشارات الداخلية الخاصة بالحركة الذاتية للذبابة.

شكل 1| الخلايا العصبية في التجمع العصبي المركزي لدماغ ذبابة الفاكهة، موسومة ببروتيناتٍ فلورية. يشمل التجمع المركزي تركيبًا يشبه الحلقة، يُسمَّى الجسم الإهليلجي، ويحتوي على الخلايا العصبية الاتجاهية. تكافئ هذه الخلايا جميع الاتجاهات الممكنة التي يمكن أن تواجهها الذبابة. وبهذا.. تزود الحشرة بإشارةٍ تشبه إشارات البوصلة، تستخدمها الحشرة لتوجيه نفسها. وكشفت دراستان2,3الكيفية التي توجه بها الذبابة نفسها في البيئات المألوفة، وكيف تتكيف مع البيئات الجديدة، وذلك بفضل الإشارات المُرسَلة إلى الخلايا العصبية الاتجاهية من الخلايا العصبية الحلقية البصرية، التي تنشأ في العينين (غير موضحة بالصورة).

شكل 1| الخلايا العصبية في التجمع العصبي المركزي لدماغ ذبابة الفاكهة، موسومة ببروتيناتٍ فلورية. يشمل التجمع المركزي تركيبًا يشبه الحلقة، يُسمَّى الجسم الإهليلجي، ويحتوي على الخلايا العصبية الاتجاهية. تكافئ هذه الخلايا جميع الاتجاهات الممكنة التي يمكن أن تواجهها الذبابة. وبهذا.. تزود الحشرة بإشارةٍ تشبه إشارات البوصلة، تستخدمها الحشرة لتوجيه نفسها. وكشفت دراستان2,3الكيفية التي توجه بها الذبابة نفسها في البيئات المألوفة، وكيف تتكيف مع البيئات الجديدة، وذلك بفضل الإشارات المُرسَلة إلى الخلايا العصبية الاتجاهية من الخلايا العصبية الحلقية البصرية، التي تنشأ في العينين (غير موضحة بالصورة).

Tanya Wolff

شرعت فيشر وزملاؤها في اختبار ما إذا كانت الوصلات بين الخلايا الحلقية البصرية والخلايا الاتجاهية تتغير بخوض المزيد من التجارب، أم لا، وأيضًا كيفية حدوث ذلك، باستخدام مجموعةٍ من التقنيات التجريبية (كثيرٌ منها لا يمكن استخدامه سوى في حالة ذباب الفاكهة)؛ فاستخدموا نظام واقعٍ افتراضي (VR)، تسير فيه الذبابة على كرةٍ عائمة. وجعلوا مجموعةً من الأضواء محيطة بالذبابة تُومض وتُطفئ بالتناغم مع حركاتها4، بغرض توفير إشاراتٍ بصرية تُمكِّن الذبابة من توجيه نفسها، ثم قاسوا المدخلات التي تصل إلى الخلايا العصبية الاتجاهية من الخلايا العصبية الحلقية البصرية أثناء استكشاف الذباب لهذه البيئة الافتراضية. واستخدموا أيضًا تقنياتٍ جينية لتثبيط نشاط الخلايا العصبية الحلقية البصرية.

كشفت هذه التجارب أنَّ الخلايا العصبية الحلقية البصرية، التي تنشطها إشاراتٌ بصرية موجودة في زوايا معينة بالنسبة إلى الذبابة، تُثبِّط خلايا عصبية اتجاهية بعينها. وبسبب خصوصية هذا الاقتران، يعزز المدخل البصري تفضيل الخلايا العصبية الاتجاهية لاتجاهٍ بعينه. وبهذا.. تحل هذه الدراسة معضلة الكيفية التي يحول بها الدماغ المدخلات البصرية إلى إشارةٍ اتجاهية ثابتة في البيئات المألوفة، وهو أول التحديات في سيناريو قطار الأنفاق.

بعدها، درست فيشر وزملاؤها كيف يمكن للخلايا العصبية الاتجاهية التكيف عند تغيُّر بيئتها، فعرَّضوا الذباب لإشارتين بصريتين متطابقتين، تفصل بينهما زاوية تساوي 180°، لتُكوِّنا بيئةً مربكة، تواجه فيها الذبابة الإشارة البصرية ذاتها، سواءٌ أدارت نصف دورة، أم دورةً كاملة. أدّى ذلك إلى تقلُّب نشاط الخلايا العصبية الاتجاهية - التي يمكنها تمثيل زاوية اتجاهية واحدة فقط في المرة - بفعل إشارتين اتجاهيّتين متقابلتين.

وبعد أن أعاد الباحثون الذباب إلى بيئةٍ تتضمن إشارةً واحدة، تغيرت - في بعض الأحيان - العلاقة بين المدخلات البصرية، ونشاط الشبكة الاتجاهية ككل بزاوية 180°، وتغيرت أيضًا قوة المدخلات البصرية التي تصل إلى الخلايا العصبية الاتجاهية، لكنْ فقط في الخلايا العصبية التي كانت نشطةً خلال تعريض الذباب للإشارتين.

توضح تلك النتائج أنَّه من الممكن تكوُّن علاقاتٍ جديدة بين الخلايا العصبية الحلقية البصرية، والخلايا العصبية الاتجاهية في البيئات الجديدة، لكنَّ التغييرات البصرية البسيطة ليست كافيةً، وإنما لا بد من تنسيق تنشيط الخلايا العصبية الحلقية البصرية، والخلايا العصبية الاتجاهية، المتضادة الاتجاه. ويؤدي هذا الأمر إلى ضَعْف الوصلة المشبكية العصبية المُثبِّطة بين نوعي الخلايا، بحيث تصبح الخلية العصبية الاتجاهية أقل حساسيةً للتأثير المُثبِّط الناتج عن الخلية العصبية الحلقية البصرية، وهي الظاهرة المعروفة باسم «لُدُونة الترابط».

وفي تجربةٍ مُكمِّلة، عرَّضت كيم وزملاؤها الذباب لمَشاهد بتقنية الواقع الافتراضي، مبنية على صورٍ طبيعية، فخلقوا بهذا ظروفًا أقرب إلى الظروف الطبيعية التي تواجهها الذبابة. وبعدها، حفَّزوا الخلايا العصبية الاتجاهية في اتجاهاتٍ عشوائية بالنسبة إلى مواقع الإشارات البصرية التي كانت الذبابة تتلقاها. وبهذا.. غيروا الاتجاهات المفضلة للخلايا العصبية. وبعد فترة التحفيز، استمر انحراف نشاط الخلايا العصبية الاتجاهية عن اتجاه المدخلات البصرية بالقدر نفسه، وهو ما يوضح قدرة النظام على تعلُّم علاقاتٍ جديدة بين الإشارات البصرية، والخلايا الاتجاهية. وحتى حين عُرضت أجزاءٌ من مشهدٍ ما على الذبابة، مع تحفيز الخلايا العصبية الاتجاهية في الوقت نفسه، أدّى ذلك إلى تغييراتٍ كلية في نشاط شبكة الخلايا العصبية الاتجاهية. يكشف هذا أنَّ شبكة الخلايا تتسم بخاصيةٍ مفيدة في سيناريو قطار الانفاق الذي طرحناه، وهي أنَّها تُمكِّنك من توجيه نفسك حين تكون في محطةٍ جديدة، دون الحاجة إلى مسح المشهد المحيط بك من جميع الزوايا.

وهذه المرونة التي يتسم بها النظام يمكن أن يكون لها جانبٌ سلبي.. فإذا كان بإمكان الوصلات المشبكية العصبية أن تتغير، فهل يُمكن محوها أيضًا؟ لاستكشاف ذلك.. تساءلت كيم وزملاؤها عمَّا إذا كانت الشبكة الاتجاهية تستطيع "تذَكُّر" مشاهد متعددة، أم لا. وتوصلوا إلى عدة نتائج؛ أُولاها أنهم وجدوا أنَّ عرض مشاهد مختلفة للذباب أدى إلى تفضيل الخلايا العصبية الاتجاهية لاتجاهاتٍ مختلفة، وتباينت هذه الاتجاهات من ذبابةٍ إلى أخرى، لكنَّ النتيجة الأهم أنَّ الاتجاهات المفضلة لكل ذبابة لم تكن تتغير عند عرض المشهد نفسه، حتى إنْ عُرِضَ كجزءٍ من "شرائح" تتضمن عدة مشاهد مختلفة. يدل هذا على أنَّ الشبكة الاتجاهية لدى الذبابة يمكنها تخزين ذكريات عن المَشاهد، واسترجاعها. واختتم مؤلفو الدراسة ورقتهم البحثية بوضع نظرياتٍ تتوقع نوعية المَشاهد التي يمكن للنظام تخزينها في الوقت ذاته، وكذلك نوعية القواعد التي تسمح بتعلُّم المَشاهد، دون محو الذكريات الموجودة بالفعل.

تثبت هاتان الدراستان معًا بوضوحٍ قدرة الشبكة الاتجاهية في الذبابة على التعلُّم من خلال ظاهرة «لُدُونة الترابط». وجدير بالدراسات المستقبلية أن تستكشف سعة ذاكرة نظام الشبكة. وأحد الأسئلة الرئيسة المطروحة هو ما إذا كان الذباب - وكذلك الحشرات الأخرى - يستخدم ذكريات المَشاهد المعقدة لتوجيه نفسه، أم أنه يعتمد بدرجةٍ أكبر على الإشارات السماوية، مثل الشمس. وربما تضطلع أنواعٌ أخرى من المدخلات الحسية - مثل استقطاب الضوء - بدورٍ في تعزيز عملية تمثيل الاتجاهات لدى الذبابة، وهو ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار. وبالإضافة إلى ذلك.. ستكون هناك حاجة إلى دراساتٍ على المستوى الجزيئي والخلوي، لكشف تأثير قواعد لدونة الوصلات المشبكية العصبية في النظام، وتحديد ما إذا كانت تُطابِق توقعات كيم وزملائها في نظرياتهم، أم لا. وأخيرًا، يطرح هذا العمل فرضياتٍ ينبغي اختبارها على أنواعٍ أخري من الكائنات، لأنَّ الكثير من خصائص الخلايا العصبية الاتجاهية لذبابة الفاكهة مماثل لخصائص خلايا اتجاه الرأس لدى الثدييات.

وهكذا، ربما لا تستطيع ذبابة الفاكهة استقلال قطار الأنفاق، لكنَّها عمَّقت فهْمنا للآليات العصبية التي يستند إليها إحساسنا بالاتجاهات، وهو مجال خصب للأبحاث المستقبلية.

References

  1. Seelig, J. D. & Jayaraman, V. Nature 521, 186–191 (2015). | article
  2. Fisher, Y. E., Lu, J., D’Alessandro, I. & Wilson, R. I. Nature 576, 121–125 (2019).| article
  3. Kim, S. S. K., Hermundstad, A. M., Romani, S., Abbott, L. F. & Jayaraman, V. Nature 576, 126–131 (2019).| article
  4. Strauss, R., Schuster, S. & Götz, K. G. J. Exp. Biol. 200, 1281–1296 (1997).
  5. Wehner, R. Annu. Rev. Entomol. 29, 277–298 (1984).| article

مالكولم جي. كامبل، وليزا إم. جيوكومو يعملان في كلية الطب بجامعة ستانفورد، ستانفورد، كاليفورنيا 94305، الولايات المتحدة الأمريكية. ويعمل مالكولم جي. كامبل أيضًا في قسم البيولوجيا الجزيئية والخلوية بجامعة هارفارد، كامبريدج، ماساتشوستس.

عنوانا البريد الإلكتروني: