رؤية كونية

تحسين ممارسات البحث العلمي ليس كافيًا لتعويض قصور النظريات

يقول بول سمالدينو إنَّه من الممكن التخلص تدريجيًّا من كثيرٍ من المشكلات التي تواجهنا في تكرار نتائج الأبحاث، من خلال طرح تساؤلاتٍ بحثية أفضل.

بول سمالدينو
  • Published online:

كُتِبَ الكثير على الوسائط الرقمية في وصف السبل الممكنة لتحسين قابلية تكرار نتائج الأبحاث العلمية. وتناولَت تلك الكتابات أفكارًا، مثل التسجيل المسبق للأبحاث، وإتاحة بياناتها والأكواد التي تستخدمها للجميع. وهذه كلها أمورٌ ضرورية، لكنَّها ليست كافية. فما نريده ليس فقط أن تكون نتائج الأبحاث العلمية قابلةً للتكرار، وإنَّما نريد من العِلْم أن يساعدنا في فهم العالَم بصورة أفضل.

ولتحقيق هذا.. علينا أن نضع فرضياتٍ أفضل، وتلك الفرضيات تتطلَّب نماذج أفضل، وقياساتٍ أدق.

وقد تَصَدَّر نموذجٌ نظري سابق، وضعته عناوين أخبار (P. E. Smaldino and R. McElreath Soc. Open Sci. 3, 160384; 2016)، حين أوضح أنَّ الممارسات البحثية الرديئة - أو بالأحرى غير المحكمة، التي يمكنها إنتاج مزيدٍ من الأوراق البحثية في وقتٍ أقل - قد تغدو أكثر شيوعًا وانتشارًا من الممارسات المحكمة. وهذا أشار إلى أنَّ طرْح فرضياتٍ أفضل هو - على أقل تقدير - مهم لتقليل الاكتشافات الخاطئة، بقدر ما يُعَد الحدّ من الأخطاء المنهجية في الأبحاث مهمًّا.

مَن ذا الذي يبالي بما إنْ كان بمقدورك تكرار نتائج تجربة توصَّلَتْ إلى أنَّ الناس يعتقدون أنَّ جوّ الغرفة أدفأ مما هو عليه بعد قراءة قصةٍ عن أشخاصٍ يتسمون باللطف؟ هل سيساعدنا هذا في تطوير نظرياتٍ أفضل؟ بالطبع يمكنك كتابة موضوعٍ مسلٍّ عن تلك النتيجة، لكنْ هل يمكنك الخروج بتساؤلٍ علمي مهم بناءً عليها؟

كي نطرح فرضياتٍ جيدة، نحتاج إلى نظرياتٍ متماسكة. ففي دراسةٍ مهمة أُجريت لمحاولة تكرار نتائج 100 ورقة بحثية في مجال علم النفس، كان عدد دراسات علم النفس الإدراكي التي نجح الباحثون في تكرار نتائجها يصل إلى حوالي ضِعْف عدد دراسات علم النفس الاجتماعي، التي نجحوا في تكرار نتائجها (Open ScienceCollaboration. Science 349, aac4716; 2015). وأعتقد أنَّ السبب يكمن في أنَّ علم النفس الإدراكي يستند إلى نظرياتٍ أفضل.

للنظرية الجيدة شرطان لازمان على الأقل؛ أولًا: أنْ يُمكِن استخدامها لتطوير نماذج رياضية أو حوسبية، تُستَنبَط منها نتائج واضحة وقابلة لاختبار صحتها، بناءً على فرضيّاتنا. والمجالات العلمية التي اكتمل تطوُّرها لديها مثل تلك النماذج، إذ يستخدم الفيزيائيون نماذج القوة والزخم، للتنبؤ بحركة المواد. ويستخدم علماء الأوبئة نماذج العدوى، لفهم كيفية انتشار الأمراض. أما علماء الأعصاب، فيستخدمون نماذج إشارات التواصل بين الخلايا العصبية، لفهم آلية تدفُّق المعلومات في الدماغ. ويستخدم علماء الاجتماع النماذج القائمة على نظرية الألعاب، لفهم كيفية ظهور الأعراف الاجتماعية.

ثانيًا: ينبغي للنظرية الجيدة أن تتسم بالمنطق، أو أنْ تقِرّ - على الأقل - بأوجه تناقضاتها. تأمَّلْ مثلًا دراسات «الاستبصار»، التي أجراها خبير علم النفس الاجتماعي الأمريكي داريل بيم بشفافيةٍ ملحوظة (D. J. Bem J. Pers. Soc. Psychol. 100, 407–425; 2011). ويبين (الإجماع العام أنَّ هذه الدراسات لم تثبت وجود إدراكٍ حسي فائق لدى طلاب الجامعات، وإنَّما بياناتها الإحصائية كانت غير محكمة إلى حد مفرط؛ وقد دافع بيم عن إحكامها). استخفَّت دراسات بيم بأفكارٍ مدعومة بأدلةٍ قوية في مجال الفيزياء، وأخرى مرتبطة بعلاقات سببية. وكان هذا شبيهًا بما فعله علماء الفيزياء في مختبر «سيرن» لفيزياء الجسيمات في أوروبا، الواقع بالقرب من مدينة جنيف السويسرية، حين "اكتشفوا" نيوترينوات أسرع من الضوء، مقوضين بذلك نظرية النسبية الخاصة. ولأنَّ الباحثين كانوا يريدون لنتائجهم أن تتسق مع إطارٍ نظري واسع، درسوا ذلك الاكتشاف بتعمقٍ أكبر، وتبيَّن لهم أنَّ اكتشافهم كان بسبب كابل ألياف بصرية موصول دون إحكام. ولنكن واضحين.. فالفكرة هنا ليست أنَّ المزاعم المثيرة للدهشة، يتبين خطأها على الدوام، بل إنّ تلك المزاعم ينبغي أن تخضع لتدقيقٍ شديد. 

وإذا كانت النماذج المفيدة تؤدي إلى إجراء تجارب علمية أفضل، فكيف نضع نماذج أفضل إذَن؟ الإجابة تكمن في دقة القياسات. انظر مثلًا إلى جهود عالِم الفلك العظيم، تايكو براهي، في القرن السادس عشر، الذي كان يَعتقِد -رغم براعته- أنَّ الشمس تدور حول الأرض، لكنَّ قياساته التي أجراها بعناية شديدة لمواقع الكواكب أتاحت ليوهانس كيبلر اكتشاف الطبيعة الإهليليجية لمدارات هذه الكواكب. وبناءً على ذلك.. تمكَّن إسحاق نيوتن من صياغة نظريته عن الجذب العام، التي سمحت للباحثين المعاصرين بطرح أسئلةٍ لا حصر لها عن حركة الكواكب، وعلم الكون، وعلم المقذوفات، والهندسة، وغيرها من القضايا.

ومن الصعب أن نضع نظريةً حول ما لا يمكن لنا قياسه بدقة. فمن السهل نسبيًّا وضع القياسات الكمية مثلًا للموقع، والكتلة، والوقت، على الأقل في بعض النطاقات. ويمكن لعلماء الإدراك بسهولة قياس قدرة الجِلْد على توصيل الكهرباء، وزمن ردّ الفعل، وعدد الكلمات؛ وهذا يسمح بملاحظة أوجه الانتظام والاختلاف، وبالتالي بناء نماذج قابلة لتجربتها، لكنْ هناك مجالاتٍ أخرى، مثل تلك التي أعمل بها، تواجه فيها عمليات القياس صعوباتٍ شديدة، إذ يحاول علماء النفس وضْع قياسات للمشاعر،  والهويّات، والمعتقدات. ويحاول علماء الاجتماع قياس انعدام المساواة، والاستقطاب، وانتشار المعلومات المضللة. أمَّا علماء الطب الحيوي، فيحاولون قياس نتائج العلاج في شرائح صغيرة غير متجانسة من السكان.

وأَعتقِد أنَّ كثيرًا من المجالات العلمية، التي تواجه صعوبة في محاولة تكرار نتائج أبحاثها، هي نفسها التي تواجه تحديات مُلِحّة في عمليات أخْذ قياسات واضحة. ولا يكمن الحل فقط في البحث عن قياساتٍ يمكن إجراؤها بدقة، أو وصفها بشفافية، رغم أهمية ذلك، بل يجب على العلماء تحديد خواص قابلة للقياس بدقة، تساعد على وضع النظريات، ويمكن التعبير عنها كميًّا بنماذج منهجية.

في السيناريو الأمثل.. ستتفاعل النظريات المحكمة، والنماذج المنهجية، والقياسات مع بعضها في حلقة مفيدة، إذ تتيح لنا النماذج دراسة الفرضيات المطروحة بشأن العالم، واكتشاف نتائجها. ويمكن للنتائج أن توضح أيّ القياسات لازمة لاختبار صحة الفرضيات. وهذه القياسات بإمكانها أن تساعدنا على الخروج بأنماطٍ تجريبية تطرح تفسيرات، وهو ما قد توفره النماذج، وهكذا.

نحن في حاجةٍ ماسّة إلى أساليب أفضل، لاختبار صحة الفرضيات. وهذه الأساليب بدأت تُضَمَّن بالفعل في التدريبات التي يخضع لها العلماء، وفي أساليب إجراء الأبحاث العلمية.

لذا.. آن أوان التركيز على تحسين ممارسات وضْع الفرضيات. ونحتاج أيضًا إلى برامج تدريبية خاصة بتطوير النماذج وتقييمها، بالإضافة إلى برامج لتكوين الاتحادات البحثية وتمويل الأبحاث، لابتكار قياساتٍ تسهِّل التعامل مع النماذج، واختبار صحة تلك القياسات.

هذه الأساليب الأفضل ستساعدنا على التوصُّل إلى الإجابات الصحيحة، وستضمن لنا النماذجُ والقياسات طرْحَ التساؤلات الصحيحة.

بول سمالدينو أستاذ مساعد لعلوم الإدراك والمعلومات في جامعة كاليفورنيا بمدينة ميرسيد الأمريكية.

للتواصل: psmaldino@ucmerced.edu