افتتاحيات

 كيف ننسى؟

وفقًا لقانون رياضي، يفقد المجتمع الاهتمام بنجومه، من موسيقى البوب و​​حتى رياضة التنس.

  • Published online:

في مجموعته القصصية الأخلاقية الأخَّاذة الصادرة عام 2009: «خلاصة: أربعون حكاية من الحياة الآخرة» Sum: Forty Tales from the Afterlives، يصف عالم الأعصاب ديفيد إيجلمان عَالمًا لا يموت فيه الإنسان فعليًا إلا عندما يغدو منسيًا. بعد أن تنهار أجسامهم ويغادرون الدنيا، على جميع الموتى الانتظار في ردهة ما، ولا يُسمح لهم بالانصراف إلا بعد أن يذكر أحد الأحياء اسمهم للمرة الأخيرة. يكتب إيجلمان: "المكان كله يشبه صالة انتظار لا نهائية بأحد المطارات، لكن الرفقة رائعة".

يغادر معظم المنتظرين بمجرد وصول أحبائهم لأن أحباءهم وحدهم هم من لا يزالون يتذكرونهم. أما المشاهير حقًا فعليهم أن ينتظروا قرونًا؛ على الرغم من أن بعضهم كان حريصًا على المغادرة، فإنهم يترقبون "بقلب متألم انتظار فناء كل ما يذكّر الأحياء بهم". 

حكاية إيجلمان تفسير لما يطلق عليه علماء النفس وعلماء الاجتماع «الذاكرة الجمعية». فالاهتمام المتواصل والمشترك بالأشخاص والأحداث أمر مهم، لأنه قد يساعد على تشكيل الهوية -كيف يرى الأفراد أنفسهم جزءًا من مجموعة- ولأن اختيار ما نُحيي ذكراه ومن ثمَّ نستحضره يؤثر في تركيبة المجتمع وأولوياته.

في دورية «نيتشر هيومان بيهيفيور» Nature Human Behaviour، أعلن الباحثون اكتشافًا مفاجئًا عن الذاكرة الجمعية: نمط تلاشي الذاكرة الجمعية يتبع قانونًا رياضيًا.  (C. Candia et al. Nature Hum. Behav. http://doi.org/cxq2; 2018). فالاهتمام الذي نوليه للأبحاث الأكاديمية والأفلام وأغاني البوب ​​ولاعبي التنس يتلاشى على مرحلتين مختلفتين. نظريًا، يمكن أن تساعد هذه النتائج المتنافسين على اجتذاب اهتمام المجتمع المتواصل -من السياسيين والشركات وحتى أصحاب الحملات البيئية- لإيجاد طرق للوجود أمام أعين العامة، أو حتى البقاء في مخيلتهم.

تعمُد الدراسة إلى تطبيق الرياضيات ونهج البيانات الضخمة على الأسئلة التي دُرست باستفاضة في العلوم الاجتماعية. وباستخدام الاهتمام مقياسًا للذاكرة، حلّل الباحثون المشاهدات الإلكترونية لملفات التعريف على موسوعة ويكيبيديا لنحو 1,700 نجم رياضي، والاستشهادات المرجعية لنحو 500 ألف بحث فيزيائي، و1.7 مليون براءة اختراع، وعدد مرات التشغيل على الإنترنت لقائمة تضم قرابة 33 ألف أغنية و15 ألف إعلان ترويجي لأفلام.

اعتقد الباحثون في السابق أن الانخفاض في شعبية تلك الموضوعات الثقافية يتبع منحنى حادًا جدًا. لكن تحليل بيانات الدراسة الجديدة كشف عن أن أفضل الأشكال تعبيرًا عن منحنى الانخفاض هو شكل يسمى الدالة ثنائية الأسّية، ويحدث على مرحلتين. ويوضّح الشكل أن الذاكرة الجمعية انخفضت سريعًا، ولكن الانخفاض اللاحق في الاهتمام تباطأ بشكل ملحوظ، واتخذ منحنى انخفاض أقل حدة بكثير. وعلى الرغم من أن الشكل لم يختلف لكل خاصية من الخواص التي دُرِسَت، فإن الطول الفعلي لكل مرحلة كان مختلفًا. أظهرت الموسيقى أقصر الانخفاضات وأكثرها حدة في تلاشي الاهتمام الأوَّلي (خلال 6 سنوات) بينما كانت السير الذاتية لنجوم الرياضة المنشورة على الإنترنت الأطول (خلال 20-30 سنة).

كيف يحدث ذلك؟ يقترح الباحثون تفسيرًا؛ تهيمن عملية الذاكرة التواصلية على مرحلة الانخفاض الحاد الأولى، وهي عملية نقل المعلومات شفهيًا مباشرةً. بعدها تأتي المرحلة الأكثر ديمومة، والتي تعتمد أكثر على الذاكرة الثقافية المستدامة بالتوثيق المادي للمعلومات نفسها.

يتطلب ذلك، بالتأكيد، تسجيل المعلومات. وكما يشير مقال منشور في قسم أخبار وآراء بدورية Nature، في حالة الأحداث التي لا يحيي ذكراها سوى عدد قليل من الأعمال الفنية الثقافية، مثل إعصار ساندي الذي ضرب نيويورك عام 2012، بمقدور صنّاع السياسات النظر في كيفية تمديد الفترة التي تهيمن عليها الذاكرة التواصلية (A. Coman Nature Hum. Behav. http://doi.org/cxst; 2018). فلفترة قصيرة، أدت النقاشات بشأن الضرر الذي سببه الإعصار إلى زيادة الوعي بالتغيّر المناخي باعتباره تهديدًا خطيرًا. ولكن مع تلاشي الذاكرة الجمعية عن شدة الإعصار، تلاشى معها الانشغال بالقضية.

لا ينطبق هذا النموذج على جميع الحالات بالتأكيد. فكل منّا سيضرب مثالًا على أحد الأشخاص الذين يواصلون الانتظار في ردهة إيجلمان الانتقالية حتى ينساهم الجميع. لكن سيكون من الذكاء تطبيق ما تعد به البيانات الضخمة على مجال دراسة جديد، مجال من شأنه أن يحظى بالكثير من التطبيقات في العالم الواقعي. ويعطينا ذلك مثالًا آخر على كيف أن ما تبدو أحداثًا فردية عشوائية، يمكن أن تكشف عن نسق ضمني عندما تُدرَس على نطاق أكبر. ويشبّه الباحثون الدالة ثنائية الأسّية التي تمثّل تلاشي الذاكرة الجمعية بمنظومة المرحلتين في شعر الكاتب التشيلي بابلو نيرودا: "كم هو قصير الحب! وكم هو طويل النسيان!". إنه التعبير الذي من شأنه أن يبقي نيرودا محلقًا بين الذاكرة والنسيان لفترة أطول أمدًا.