افتتاحيات

إطلاق مشروع سلسلة جينية للكائنات الحية

تحليل الحمض النووي للكائنات الحية على كوكب الأرض: جهد مشكور للحفاظ على التنوع البيولوجي.

  • Published online:

يهدف مشروع طموح أُطلق في عام 2018 إلى إبطاء التدهور في التنوّع البيولوجي بأخذ عينات من جميع أنواع النباتات والحيوانات على كوكب الأرض، وفك شفرة حمضها النووي. ويسعى ذلك المشروع -الذي يحمل اسم «مشروع الجينوم الحيوي للأرض» Earth BioGenome Project- إلى نوال التمويل اللازم للمساعدة على انطلاقه. ويطلب المشروع تمويلًا بقيمة 4.7 مليار دولار أمريكي لتحديد التسلسل الجيني لجميع الكائنات حقيقية النواة -أي تلك التي تحتوي على نواة خلية محاطة بغشاء- المعروفة والبالغ عددها 1.35 مليون نوع خلال السنوات العشر المقبلة.

وبالنظر إلى الحجم الهائل للأزمة التي تواجه الحياة على كوكب الأرض، قد يبدو أن علم الجينوم أبعد ما يكون عن لعب دور المُنقِذ. ومن المؤكد أن علم الأحياء قد تقدَّم إلى نطاق مختلف منذ أن قال الفيزيائي الشهير إرنست راذرفورد متهكمًا إن العلم هو الفيزياء والبديل هو جمع طوابع. ولكن إلى أي مدى -حقًا- يمكن أن تؤدّي سلسلة الحمض النووي للأنواع إلى إنقاذ الكائنات الحية من خطر تغيّر المناخ، أو تدمير موائلها الطبيعية، أو استغلال البشر المفرط للموارد الطبيعية من خلال الصيد والزراعة؟ إن كل مشكلة تبدو وكأنها مسمار في نظر شخص يحمل مطرقة. فهل يقع العلماء الذين يستخدمون آلات سلسلة الحمض النووي في المغالطة المنطقية نفسها؟ فهل يجري تنفيذ هذا المشروع الآن لأن التكنولوجيا تسمح بذلك، وليس لأن الحاجة الملحّة إلى الحفاظ على الكائنات الحيّة تحتّم ذلك؟

لا يزال يتعيّن على منظّمي المشروع عرض قضيتهم على نحو كامل -فعلى أي حال، لا يزال المشروع في طور الإعداد- لكن الإشارات الأوّلية توحي بأنه مشروع جدير بالاهتمام. صحيح أن تكلفة إنجاز المشروع بالكامل ستكون مرتفعة نسبيًا على الأرجح، إلا أن هذا هو حال عديد من المشروعات العلمية الحديثة واسعة النطاق. لقد بلغت تكلفة «مشروع الجينوم البشري» خمسة مليارات دولار -بالقيمة الحالية للمال- وقليل من الناس هم من يزعمون أن هذا المال أُنفق دون جدوى. كما بلغت تكلفة بناء «مصادم الهدرونات الكبير» -الذي تمكن من اكتشاف بوزون هيجز- القيمة نفسها تقريبًا. (وكما تساءل هاريس لوين -منظم فاعلية تدشين «مشروع الجينوم الحيوي للأرض» في لندن- على نحو استفزازي: "ما الذي قدمه لك بوزون هيجز في الآونة الأخيرة؟").

ما الذي يمكن أن يقدمه علم الجينوم للحفاظ على الكائنات الحية؟ الكثير، في الواقع. وقد يحجب النطاق الواسع للمشروع بسهولة الرؤى المحلية القوية التي قد تظهر. وبالإشارة إلى مثال صغير جرى الكشف عنه هذا العام، فقد خَلُصَ تحليل لنحو 3.095 تنوع للحمض النووي يسمّى «التعدد الشكلي للنوكليوتيدات المفردة" في جينوم سمندل النمر الشرقي المهدد بالانقراض (Ambystoma tigrinum)، أجري في لونج آيلاند، نيويورك، إلى وجود تفتت جيني في مجموعات هذا الحيوان، لأن الطرق أعاقت حركته بين أحواض تكاثره. (E. McCartney-Melsad et al. Preprint at bioRxiv http://doi.org/gdcd5x; 2018). وأبرزت نتيجة التحليل الحاجة إلى أن تركز جهود الحماية على تخفيف آثار هذا التطور.

ولكن العلماء حتى الآن لم يكتشفوا سوى النذر اليسير فيما يتعلق بتنوع الكائنات التي سيجري سلسلة حمضها النووي. كما أن تقنيات السلسلة الجينية لم تصبح ناضجة بما يكفي لإنتاج جينومات عالية الجودة (كاملة) تُتيح إجراء دراسات متعمّقة إلا مؤخرًا. فمن أصل 33 ألف جينوم المحفوظة في أرشيف «المركز الوطني الأمريكي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية» (والتي تمثل 0.2% فقط من تنوع الكائنات الحية حقيقية النواة)، 50% فقط منها ذو جودة عالية.

ويمكن القول إن الجينومات الأعلى جودة (والأكثر تكلفة) ليست ضرورية تمامًا لتحقيق الاستفادة المرجوَّة في مجال حماية الكائنات الحيّة، ولكنها قد تمهّد الطريق أمام اكتشاف أنواع جديدة من الوقود الحيوي، وأدوية طليعية، وسمات زراعية مفيدة. ومن المتوقع أن يؤدّي العثور على مثل هذه التطبيقات -ومن ثم عرض قضية الحفاظ على التنوع البيولوجي على أنها منحة للاقتصاديات الوطنية، والثقافات المحلية، والبيئة- إلى مساعدة الحكومات على التعامل مع قضايا التنوع البيولوجي بمزيد من الجدية.

ومن المؤكّد أن الحاجة إلى ذلك مُلِحة، كما أن الإحصائيات تُنذر بالخطر: فمن المحتمل أن نفقد نحو 50% من التنوع البيولوجي الحاليّ بحلول نهاية القرن. كما أن حدث الانقراض العظيم السادس على كوكب الأرض يقترب بخطى ثابتة، وسيتطلب إنهاء هذه الأزمة أكثر بكثير من مجرد سلسلة الحمض النووي للكائنات الحية. غير أن «مشروع الجينوم الحيوي للأرض» يمكن أن يلعب دورًا مهمًا، وتشير العلامات الأولية إلى أنه قد ينجح في ذلك.

ومن الصواب السعي للفوز بالتزامات المشاركين، من خلال مطالبتهم بالمساهمة في التمويل من المنح الخاصة بهم. والمؤشر الجيد أن المشروع لا يعدّ وحدة واحدة متكاملة؛ فعلى عكس مشروعات السلسلة الجينية النمطية، بدأ المشروع كمبادرة عامة، يقودها أشخاص يدرسون مجموعات متنوعة من الكائنات الحية، ويعملون بالفعل على سلسلة الحمض النووي للكائنات الحية. ويتضمن المشروع الجديد جهودًا أخرى جارية بالفعل مثل مشروع «آي 5 كيه» i5K (لسلسلة جينوم 5 آلاف حشرة)، ومشروع «بي 10 كيه» B10K (لسلسلة جينوم 10 آلاف طائر)، ومشروع «شجرة الحياة الداروينية» Darwin Tree of Life، الذي يهدف إلى السلسلة الجينية لجميع أنواع الكائنات حقيقية النواة التي يقدر عددها بـ66 ألف نوع في المملكة المتحدة. ويشير هذا إلى أن مردود المشروع قد يأتي بسرعة أكبر من المتوقع لأن عديدًا من الجينومات مستهدفة بالفعل من قِبَل مجموعات بحثية حريصة على معالجتها وشرحها والتعليق عليها.

وتُعدّ السهولة التي يمكن بها نقل العينات والبيانات الجينية عبر الحدود الوطنية إحدى أبرز القضايا التي تلوح في الأفق. وسينظر مؤتمر اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (CBD) المنعقد في مصر في شهر نوفمبر 2018 في ضوابط جديدة لتبادل البيانات الجينية الرقمية. ومن شأن المقترحات المطروحة توسيع نطاق «بروتوكول ناجويا» لعام 2014، الذي ينصّ على التقاسم العادل للفوائد التي تتحقق من استخدام الموارد الجينية. وإذا ما أمكن تنفيذ هذه القواعد على النحو الصحيح، فإنها ستخلق قدرًا أكبر من اليقين القانوني والشفافية للبلدان التي تقدم مثل هذه الموارد، وكذلك العلماء والشركات التي تستخدمها، كما ستساعد على تعزيز القدرات العلمية المحلية في عديد من البلدان الأكثر فقرًا والتي تضم بعضًا من أغنى التنوعات البيولوجية في العالم.

ويعدّ توسيع البروتوكول ليشمل البيانات الجينية أمرًا منطقيًا، ولكن إذا ما حدث ذلك بطريقة خرقاء غير مُتقنة، فيمكن أن يؤدّي إلى فوضى. ويُحسب لاتفاقية التنوع البيولوجي أنها قد عقدت مشاورات مكثفة مع العلماء والمؤسسات البحثية التي يحتمل أن تتأثر. ويمكن لـ«مشروع الجينوم الحيوي للأرض» أن يساعد على توحيد صوت الباحثين، فمن الأفضل أن يكون هناك جهد دولي واحد للتفاوض على حلول تبادل البيانات، بدلًا من الخليط المشوّش من الاتفاقيات الفردية والثنائية المعقّدة. وسيضمن ذلك أن يفيد «مشروع الجينوم الحيوي للأرض» كوكب الأرض بأكمله.