افتتاحيات

تخليق الوقود

الكيمياء الذكية تُقرّبنا أكثر من إمكانية تخليق الكيروسين والبنزين.

  • Published online:

الحاجة أمُّ الاختراع. وقبل قرن من الزمان، كانت البلدان بحاجة إلى النفط. فقد كان بمقدورها تشغيل السفن بالفحم، ولكن حرق كتل صلبة من الوقود لم يكن حلًا عمليًا بالنسبة للسيارات والدبابات، كما أنه لم يكن مناسبًا للطائرات. وعلى عكس البلدان الأخرى، لم يكن لدى ألمانيا أي إمكانية للوصول إلى النفط الخام، لذلك، ابتكر كيميائيان ألمانيان -فرانز فيشر وهانز تروبش- طريقة لصُنع النفط التخليقي من الفحم في عام 1925.

الآن، أصبحتْ عملية "فيشر–تروبش" قادرة على مساعدة البلدان والشركات التي ترغب في التخلص تدريجيًا من الوقود الأحفوري؛ فإذا كان يمكن تحويل الفحم إلى وقود سائل، فنظريًا، يمكن تحويل البدائل الأكثر مراعاة للبيئة مثل الكتلة الحيوية إلى وقود سائل هي الأخرى. ولكن الجهود المبذولة لتحقيق هذا المسعى لم تنجح حتى وقتنا الحاضر، كما أنها بالتأكيد ليست رخيصة بالقدر المؤهل لمنافسة النفط.

تشير دراسة نُشرت فيدورية "نيتشر كاتاليسيس"Nature Catalysis إلى وجود حلٍّ ممكن. فقد عزَّز الكيميائيون في اليابان والصين من عملية "فيشر–تروبش"، وحسَّنوا من كيفية توجيهها حتى تُنتج أنواعًا مختلفة من الوقود السائل.  Nature CatalysisJ. Li et al. Nature Catal. http://doi.org/ctxv; 2018

وعلى الرغم من كفاءة عملية "فيشر–تروبش" في تحويل الغازات التي تُستخدم مباشرةً أو تُنتَج من مواد صلبة مثل الفحم أو حتى قشور الفول السوداني المطحونة، فإن هذه العملية لا تتحرى الدقة بشأن ما ينتج عنها. ففي الغالب، يكون الناتج مزيجًا من منتجات النفط التخليقية، بدءًا من الغازات الخفيفة مثل الميثان ووصولًا إلى الشمع الثقيل (مثل الفازلين). أما المواد الأكثر أهمية، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات (الكيروسين)، فتوجد في مكان ما بمنتصف العملية، ويجب فصلها وتنقيتها. ويؤدّي ذلك عادةً إلى إجراء التخليق المكثف لهذه الأنواع من الوقود باستخدام عملية "فيشر–تروبش" على خطوتين، مما ينتج عنه رفع التكاليف وزيادة مستويات التعقيد والتلوث.

ونتيجة لذلك، لا تُستخدم عادةً هذه العملية تجاريًا لصنع وقود سائل تخليقي إلا عندما تكون المواد الأولية رخيصة على غير المعتاد (تشغّل الصين بعض المرافق التي تعالج الفحم)، أو عندما لا يوجد بديل (طوّرت شركة "ساسول" في جنوب إفريقيا عملية "فيشر–تروبش" لتسييل الفحم عندما حالت العقوبات المفروضة في حقبة الفصل العنصري دون وصولها إلى النفط الأجنبي).

تُشير أحدث دراسة إلى إمكانية إجراء هذا التحويل بصورة أكثر انتقائية. فبإدخال تعديلات بسيطة في تركيب العامل الحفّاز المستَخدم، وهو مادة مسامية معروفة جيدًا تُسمَّى زيوليت ممزوجة بجسيمات الكوبالت النانوية، وجَّه الفريق التفاعل الكيميائي لإنتاج كميات كبيرة من الوقود السائل المطلوب. فعلى سبيل المثال، تمكَّن الكيميائيون من ضبط التفاعل الكيميائي بحيث ينتج عنه وقود نقي (جازولين) بنسبة 74% أو وقود الطائرات النفاثة النقي بنسبة 72%. وقد كان المتعارف عليه أنه من الصعب إنتاج أي مركب بنسبة تزيد على 50% باستخدام تخليق "فيشر–تروبش"، في عملية تعتمد عادةً على عوامل الحديد أو الكوبالت الحفّازة المدعومة بالسيليكا أو أكسيد الألومنيوم. وتُعتبر هذه النتيجة واحدة من سلسلة من النتائج الحديثة التي تُثبت إمكانية التغلب على هذا العائق.

لا تزال هناك حاجة إلى بذل مزيد من الجهود. فمن المعروف عن العوامل الحفّازة المعتمدة على الزيوليت أن مفعولها يتوقف بسرعة، وتصف الدراسة عملية تخليق الوقود في مفاعل بحجم الكشتبان باستخدام جرام واحد فقط من العامل الحفّاز. وللاقتصاد في التكاليف، يجب الاستمرار في تنفيذ العملية والحفاظ على استقرارها لفترة أطول بكثير وتوسيع نطاقها بحيث تُجرى في مفاعلات أكبر حجمًا بكثير باستخدام ما لا يقل عن 100 طن من العامل الحفّاز. إن الحماس والإقبال على الوقود التخليقي يتأرجح صعودًا وهبوطًا مع السوق، فقد كان يحظى بشعبية قبل عِقد من الزمان عندما بلغت أسعار النفط مستويات قياسية، ولكنه لا يتمتع بهذا القدر من الشعبية في الوقت الراهن. وليس هناك ما يضمن أن يؤدّي الطلب على هذه الأنواع من الوقود في السوق إلى التحفيز على ضخ الاستثمارات اللازمة.

يقول نوريتاتسو تسوباكى، الكيميائي في جامعة توياما في اليابان وقائد المشروع، إن إحدى المزايا الرئيسية لهذه العملية تتمثل في إمكانية استخدامها للمرّة الأولى في التخليق المباشر للكيروسين والبنزين "في خطوة واحدة" باستخدام تفاعلات "فيشر–تروبش"، مع نتائج عالية الجودة تُجنّبنا الحاجة إلى خطوة الفصل. وتتجه أنظار عديدٍ من شركات الطيران بالفعل إلى عملية "فيشر–تروبش" الكيميائية كمصدر للوقود، ويقول تسوباكى إن فريقه يُخطّط للاتصال بشركات الطيران وشركات تصنيع الطائرات لإطلاعهم على النتائج. لقد أصبحتْ الحاجة قائمة بوضوح الآن، وهناك أيضًا اختراع ممكن.