افتتاحيات

تاريخ الفن

أقدم رسم معروف -مرسوم بقلم منحوت على قطعة صخرية- يشير إلى ممارسة البشر الأوائل الفن التجريدي.

  • Published online:

إذا كان بإمكان صورة أن تحكي قصةً، فإن تصميمًا متقاطع الخطوط مرسومًا على كِسرة من الصخر منذ نحو 73 ألف سنة يمكن أن يحكي أقاصيص وأقاصيص. ولكن ستكون المشكلة فهم ما يُخبرنا به التصميم الذي نُشر في دورية Nature في شهر سبتمبر 2018 (C. S. Henshilwood et al. Nature https:// doi.org/10.1038/s41586-018-0514-3; 2018). فقد عثر عالم الآثار كريستوفر هينشلوود وزملاؤه على رقاقة صخرية على شكل حبّة العدس في كهف بلومبوس، على الساحل الجنوبي بجنوب أفريقيا. ويقول مؤلفو الدراسة إن الرقاقة تحمل تصميمًا تجريديًا رُسِمَ بقلم منحوت من المُغرة الحمراء.

من الصعب الادّعاء بأن التصميم جميل أو باهر أو أخّاذ، ولكن مقدّر لهذا العمل الفني أن يكون نفيسًا ومشهورًا، إذ يبدو أنه أقدم دليل على شكل مرسوم في السجل الأثري على الإطلاق. وباستثناء بعض لوحات الكهوف في إسبانيا والتي يرجع تاريخها إلى نحو 64 ألف سنة مضت -ويفترض أنها من عمل النياندرتال (الإنسان البدائي) (D. L. Hoffmann et al. Science 359, 912–915; 2018)- كان العمل الفني التالي قبل قرابة 40 ألف سنة هو لوحات الكهوف التي عُثر عليها في أقصى طرفي أوراسيا: الفن المذهل الذي يزيّن جُدران الكهوف في إسبانيا وفرنسا، وفن الكهوف الذي اكتُشف مؤخراً في سولاويسي في إندونيسيا (M. Aubert et al. Nature 514, 223–227; 2014). وعلى الرغم من أن الموقعين يفصلهما 12 ألف كيلومتر، فإن هذه اللوحات الكهفية تحتوي صورًا نتعرَّف عليها فورًا بصفتها فنًا تشخيصيًا، بما فيها مجموعة متنوعة من الحيوانات ورواسم لأيدٍ تتحدث إلينا، بعد آلاف السنين، كأدلة على الوعي الذاتي لدى الإنسان.

لعل أبرز ما يُميّز هذه القطعة الفنية الأخيرة أنها رسمٌ -تصميم صُنِع باستخدام صبغة- وليس نقشًا صُنع عن طريق خدش أو حفر تصميم على سطح من الأسطح. وجدير بالذكر أن النقش أسبق على الفن في الوجود خلال عصور ما قبل التاريخ، إذ إن أقدم النقوش المعروفة توجد على قطع من الصدف في ترينيل بجزيرة جاوة، ويرجع تاريخها إلى نحو 540 ألف سنة مضت، أي قبل أن يتطوّر البشر المعاصرون بوقت طويل، ويفترض العلماء أنها كانت من صنع الإنسان المنتصب. علاوًة على ذلك، عُثِر على نقوش قديمة أخرى في مختلف أنحاء العالم؛ تتميز جميعها بالبساطة البالغة: مجرد خطوط، وأحيانًا ما تكون خطوطًا متقاطعة. لا يوجد نقش منها يشبه من قريب أو من بعيد ما يمكن أن نصفه بالتصوير، ولا توجد أدلة كافية تفيد ما إذا كانت تمثل وسيلة نفعية، مثل عصي الحساب أو التقاويم. إذًا، هل كان الغرض من تصميم مثل هذه الخطوط المتقاطعة التي تنتمي إلى العصر الحجري القديم تبليغ معنى معين، أم كانت مجرد نقوش لا معنى لها؟ ربما كانت بعض هذه النقوش نتيجة غير مقصودة لعمل آخر، مثل أدوات تقطيع الطعام، تمامًا مثل الخدوش المتخلّفة على لوح التقطيع بعد قطع رغيف الخبز.

على النقيض من ذلك، يُعتبر الرسم عملًا يصعب تجاهله. لا شكّ أن تصميم بلومبوس يشبه النقوش في خطوطه المتقاطعة، ولكن لا يمكن أن يكون نتيجة ثانوية عرضية لعملية أخرى. على الرغم من أن إثبات التعمد صعب للغاية، فإن المؤلفين يفحصون الأدلة المتوافرة لديهم -بما في ذلك دراسة تفصيلية لبقايا المُغرة- فحصًا دقيقًا يغطّي جميع الأسئلة المطروحة. ويتضح أن الرسم كان جزءًا من شيء أكبر لأن بعض الخطوط تبدو كما لو أنها تتواصل على قطع مفقودة منذ زمن بعيد. بالإضافة إلى ذلك، حاول المؤلفون إعادة محاكاة التاريخ بأنفسهم مستخدمين قطعًا من المُغرة لإثبات أنه يمكن صنع مثل هذه الرسومات باستخدام أقلام منحوتة من المُغرة (وليس بالفرشاة مثلًا)، وأنه لا يمكن صنع التصميم على مثل هذه القطعة الصخرية إلا عن طريق دوران التصميم عمدًا بزاوية، مثلما يدير الفنانون اللاحقون لوحاتهم القماشية.

إن اختيار الفنان القديم الرسم بالمُغرة الحمراء ليس أمرًا مفاجئًا؛ فالمعدن، الذي يتكون في أغلبه من أكسيد الحديد، استُخدِم كصبغة منذ زمن سحيق. ومن الواضح أن تدرجاته اللونية الحمراء الترابية كانت على قدر كبير من الأهمية للإنسان الحديث المبكر الذي عاش في كهف بلومبوس ومواقع أخرى مجاورة، إذ استخدمه مُكونًا في الطلاء، وربما واقيًا من أشعة الشمس. وقد أنتج سكان المنطقة قطعًا فنية منذ فترة تتراوح بين 73 ألف و100 ألف سنة تقريبًا، سابقين غيرهم من البشر في أي مكان آخر من العالم بعشرات الآلاف من السنين، وتضمَّنت هذه القطع الفنية أدواتٍ مصنوعة بمهارة من الحجارة والعظام وقطعًا محفورة بإتقان من المُغرة.

إن قدرة الإنسان العاقل الأول الذي كان يعيش هناك على إنتاج مثل هذه التصميمات إنما تشير إلى أنه امتلك نمطًا "حديثًا" نسبيًا من الإدراك والسلوك. ولكننا لا نستطيع اكتشاف السبب وراء صنعه مثل هذه العلامات، أو ماهية ما تمثّله؛ فعلى النقيض من صور الحيوانات أو الأيادي، فإن الطبيعة التجريدية للرسم لا تقدم أي مفاتيح للإجابة. وهذا يطرح تساؤلًا مثيرًا للاهتمام بشأن تاريخ الفن. ففي حين أن البشر الذين عاشوا في جنوب أفريقيا منذ 100 ألف عام كانوا يستخدمون تقنية لم يتخيّل أحد وجودها في أي مكان آخر، فإنهم لم يبتكروا الفن التشخيصي حتى ذلك الوقت. إذًا، هل لوحات الكهوف في لاسكو وسولاويسي ابتكارات مُستقلة غير مرتبطة ببعضها، أم هل ابتكر الإنسان الحديث فنًا كهفيًا في مكان آخر في غضون ذلك، نُقل معه في أثناء انتقاله عبر العالم؟ من الواضح أن الإنسان الحديث قد بدأ توجهًا ما، توجهًا قادنا في نهاية المطاف إلى بيت موندريان، وجاكسون بولوك، وبريجيت رايلي، وغيرهم كثير من عظماء الفن الذين نعرفهم اليوم.