كتب وفنون

تأملات في الماضي: كتاب "ما الحياة؟"

فيليب بول يُعيد النظر إلى كتاب إرفين شرودنجر المؤثر، الذي أسهم في بلورة مفاهيم أساسية في علم الأحياء الحديث.

فيليب بول

  • Published online:
عالم الفيزياء إرفين شرودنجر بحث أيضًا في مسائل تخص علم الأحياء الجزيئي.

عالم الفيزياء إرفين شرودنجر بحث أيضًا في مسائل تخص علم الأحياء الجزيئي.

Bettmann/Getty

في كتاب «ما الحياة؟» What Is Life؟ (1944)، استخدم إرفين شرودنجر -عالم الفيزياء النمساوي الفائز بجائزة نوبل- ذلك السؤال (الذي لم نتوصَّل إلى إجابة له بعد) لصياغة سؤال آخر أكثر تحديدًا، ولكنه مثير بالقدر ذاته؛ فقد تساءل: ما الخاصية التي تتمتَّع بها الأنظمة الحيَّة وتجعلها فيما يبدو تتناقض مع قوانين الفيزياء المعروفة؟ ويبدو لنا الآن أن إجابة شرودنجر عن ذلك السؤال تنم عن فطنته وتبصره؛ فالحياة من وجهة نظره تتميز بـ«نصّ مشفر» يوجه عملية تنظيم الخلايا والوراثة، ويُمكِّن الكائنات الحية من تعليق عمل القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

ألهمت تلك الأفكار عامة الناس وعددًا من الشخصيات العلمية البارزة، ولكنها في الوقت ذاته أثارت غضب آخرين. ورغم أن عناصر تلك الأفكار لم تكن أصلية ومبتكرة، فإن صياغتها تنبَّأت ببراعة بالاكتشاف الذي توصَّل إليه فرانسيس كريك وجيمس واتسون عام 1953 بشأن كيفية تشفير لولب الحمض النووي المزدوج للجينات. وكتب كريك إلى شرودنجر في ذلك العام قائلًا: "لقد تأثرت أنا وواتسون بكتابك الصغير".

انبثق كتاب «ما الحياة؟» -الذي يتميّز بفخامة الأسلوب وسهولة الفهم في الوقت نفسه- من سلسلة محاضرات عامة شهيرة ألقاها شرودنجر في كلية ترنيتي كوليدج في دبلن عام 1943، في خضم الحرب العالمية الثانية. فبعدما نُفي شرودنجر من النمسا عندما ضمتها ألمانيا النازية، تلقى دعوة من أيرلندا للمساعدة على إنشاء معهد دبلن للدراسات المتقدمة

منذ ثلاثينيات القرن العشرين، بدأ علم الأحياء في التحول من علم وصفي بدرجة كبيرة إلى علم مهتم بالآليات. وبفضل دراسات مثل تلك التي أجراها عالم الوراثة توماس هانت مورجان على ذبابة الفاكهة، بدأ الباحثون يفهمون الوراثة من منظور انتقال الجينات، التي تخيلوا أنها جزيئات كبيرة تصطف فوق الكروموسومات. وتصوّر كثيرون أن الجينات عبارة عن بروتينات. إلا أنه حتى بينما كان شرودنجر يُعدّ محاضراته، كان عالم الأحياء المجهرية أوزوولد آفري يضع يديه على أدلة تُبيّن أن الجينات أحماض نووية. وهكذا، ظهر كتاب «ما الحياة؟» في وقت عاصف سيطر على المشهد العلمي وكذلك الاجتماعي السياسي.

يخطو شرودنجر بحذر في تلك المياه متعددة التخصصات، فنجده يُعرّف نفسه على أنه "فيزيائي بسيط" يتفكر في الكيفية التي تحافظ بها الحياة على أسباب بقائها، وتنقل الطفرات الوراثية على نحو ثابت ومستمر عبر الأجيال. كانت أبحاث شرودنجر في مجال ميكانيكا الكمّ قد قادته إلى الفوز بجائزة نوبل عام 1933، لكن هذا لم يكن يؤهله بأي حال لإبداء تعليقاته وملاحظاته على علم الأحياء، وهو العلم الذي لم يُبدِ شرودنجر في السابق أي اهتمام به، سوى بعض المحاولات في مجال فسيولوجيا الإبصار. ويمكن القول إن تلك البساطة مصدر قوة الكتاب، وهي كذلك مصدر ضعفه.

ينبع اللغز الذي يعبّر عنه عنوان الكتاب من طريقة تفكير علماء الفيزياء والكيمياء آنذاك في عالم الجزيئات باعتباره عالمًا تحكمه بالكامل السلوكيات الإحصائية. ففي الفيزياء الجزيئية الكلاسيكية لجيمس كلارك ماكسويل ولودفيج بولتزمان، تتسم الحركات الذرية بالعشوائية (انظر E. Schrödinger Nature 153, 704-705; 1944). وتنبثق القوانين الفيزيائية الدقيقة والمُحكَمة -مثل تلك التي تربط بين درجة حرارة غاز معين وضغطه وحجمه- من متوسط سلوك ذرات لا حصر لها.

كيف يمكن في تلك الحالة لنتيجة عيانية محددة -أي نمط ظاهري، أو سمات موروثة قابلة للملاحظة لكائن حي- أن تنشأ من طفرة وراثية فردية على المستوى الجزيئي؟ ربما نلمح هاهنا طيف «قطة شرودنجر»، التي تتوقف حياتها أو موتها العياني على حدث كمي واحد، وفقًا لتجربة فكرية صاغها شرودنجر عام 1935. (قال عالم الرياضيات روجر بينروز عن تلك التجربة الفكرية: "لن أتفاجأ لو علمت أن شرودنجر كان يضع تلك المسألة في اعتباره ولو جزئيًا" عند تأليف كتاب «ما الحياة؟»). فعند النظر في سمة موروثة (مثل بروز الفك السفلي الشائع في أفراد سلالة هابسبورج الأوروبية)، يتساءل شرودنجر كيف ظل الأليل المسؤول عن تلك السمة "صامدًا ولم يتأثر بالنزعة المثيرة للاضطراب الناتجة عن الحركة الحرارية طوال قرون عديدة؟".

وهنا يُورد شرودنجر تجارب أجراها عالم آخر سابق في فيزياء الكم هو ماكس ديلبروك، الذي استخدم الإشعاع عالي الطاقة لاستحثاث طفرات وراثية على نحو أتاح له تقدير حجم الجين بنحو 1000 ذرة. وزعم شرودنجر أن هذا الحجم يبدو ضئيلًا جدًا بحيث لا يسمح بوقوع «نشاط مقبول» -أي وراثة ثابتة صامدة- في مواجهة التقلبات الإحصائية. لكنه يؤكّد أن ميكانيكا الكم يمكنها تفسير ذلك. فالذرات في الجزيئات يمكن عادةً أن تُرتب بعدة طرق مستقرة، وتكون لكل نسق طاقة مرتبطة به؛ وهكذا تصور شرودنجر أليلات مختلفة للجين. لكن «القفزات الكمية» بينها عادة ما تُكبح بواسطة حواجز الطاقة العالية.

ويمضي شرودنجر ليقترح أن تلك الجزيئات المُشفِرة للجينات (وكان شرودنجر أحد الذين اعتقدوا أنها عبارة عن بروتينات كبيرة الحجم) لها تنوع محتمل كافٍ في تكويناتها لتشفير كميات ضخمة من المعلومات، وأن ذلك التنوع يمكن أن يوفر «نصًا مشفرًا» لخلية ما. ولموقع كل ذرة أهمية، ولكن النمط لا يتكرر؛ ومن ثم وصف شرودنجر الجزيئات بأنها مركبات صلبة لا دورية (غير منتظمة). ولم تكن هذه الفكرة جديدة كليًا، فقد سبق لديلبروك أن اقترح شيئًا مشابهًا لذلك عام 1935. وكان عالما الأحياء هيرمان مولر وجيه. بي. إس. هالدين قد اقترحا على نحو مستقل أن الكروموسومات قد تسلك سلوك القوالب لمضاعفة أنفسها، بالطريقة ذاتها التي تتراكب بها طبقات بلورية جديدة فوق الطبقات الموجودة من قبل.

ويقرّ شرودنجر أن أيًا من ذلك لا يجيب عن السؤال الأكثر عمقًا: "كيف تعمل المادة الوراثية؟"؛ أي كيف تُستخدَم في التطور والأيض، على نحو يُمكِّن الكائن الحي من أن يبني نفسه ويحافظ على بقائه في كل لحظة فيما يدعوه شرودنجر «النمط الرباعي الأبعاد» في المكان والزمان. لكن شرودنجر يستهل تلك المسألة بطرح السؤال من منظور الديناميكا الحرارية.

المسألة ليست متعلقة بالطاقة (لا بدَّ من وجود توازن بين مدخلات ومخرجات الطاقة للكائنات الحية وإلا فإنها سوف تحترق)، ولكنها مسألة إنتروبيا entropy، والإنتروبيا مقياس الاضطراب الذري. وينصُّ القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الإنتروبيا لا بدَّ أن تزيد في جميع عمليات التغير. لكن الكائنات الحية تدرأ عن نفسها الانحلال الإنتروبي بطريقة ما. وقد عبَّر شرودنجر عن ذلك بأن الكائنات الحية تتغذَّى على «إنتروبيا سلبية»، إذ تستخدمها للحفاظ على التنظيم الظاهر في بنى الخلايا ووظائفها، بينما تفي تلك الكائنات بالتزاماتها الديناميكية الحرارية عن طريق تسخين البيئة.

ولم يستطع شرودنجر تقديم إجابة عن السؤال: كيف تُنقِّب الكائنات الحية عن الإنتروبيا السلبية؟ واضطر العالم الكبير إلى أن يقترح أنه عندما يتعلّق الأمر بالأنظمة الحيَّة، "علينا أن نكون مستعدين لإيجاد نوع جديد من قوانين الفيزياء". لكن في زمننا الحاضر، لا يبدو أن ثمة حاجة إلى حل جذري من هذا القبيل.

أما المفهوم المُفتقَد في تحليل شرودنجر فيتمثل في المعلومات. بدأت نظرية المعلومات لكلود شانون والسيبرنطيقا (علم التحكم) لنوربرت وينر في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين تسدّ تلك الثغرة، رغم أن الباحثين لم يدركوا حقًا الدور الفعلي للمعلومات في علم الأحياء إلا في الآونة الأخيرة. وكما ألمح شرودنجر عند حديثه عن الإنتروبيا السلبية، فإن الحياة جيب من نظام فاقد للتوازن في نظام مفتوح، وشفرة الحمض النووي مجرّد جزء مما يحافظ على بقائها. ومن المؤسف أن شرودنجر لم يتطرق إلى عمل زميله الفيزيائي ليو زيلارد بشأن شيطان ماكسويل، وهي تجربة فكرية كشفت كيف يمكن إبطال الاضطراب الإنتروبي عن طريق استغلال معلومات المستوى الجزيئي التي تبدو أشبه بضوضاء إحصائية على المستوى العياني.

والأكثر من ذلك أن شرودنجر منح نصه المشفر قدرًا كبيرًا من القوة والفاعلية عن طريق تخيل أن المعلومات التي يحملها تنطبع مباشرة على النمط الظاهري. لكن الأمور لا تسير على هذا النحو، فليس بإمكاننا قراءة ترتيب أعضاء الجسم في الجينوم. فالمعلومات تعمل كأحد الموارد، وليس كدليل إرشادي يحتوي على الخطوات خطوة بخطوة. ولكي تكتسب المعلومات معنى فلا بدَّ لها من سياق، ألا وهو تاريخ الخلية وبيئتها. إن تتبع كيفية نشوء النمط الظاهري من تفاعلات الجينات مع بعضها ومع بيئتها هو اللغز الرئيسي الذي يواجه علم الجينوم الحديث.

لقد أسهم كتاب «ما الحياة؟» في تحويل عدد من علماء الفيزياء -مثل فرانسيس كريك، وسيمور بينزر، وموريس ويلكنز، وغيرهم- إلى علماء أحياء مؤثرين. لكن لا يوجد ما يشير في عمليات المراجعة المعاصرة إلى أن كثيرًا من علماء الأحياء قد استوعبوا الأهمية الحقيقية لنص شرودنجر المشفر بوصفه برنامجًا فعالًا للكائن الحي. وقد انتقد بعض العلماء في مجال علم الأحياء الجزيئية الناشئ كتاب شرودنجر. فمثلًا، أدان لينوس بولينج وماكس بيروتس الكتاب بطريقة لاذعة عام 1987، بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد شرودنجر. اعتبر بولينج الإنتروبيا السلبية "مساهمة سلبية" في علم الأحياء، وانتقد معالجة شرودنجر "الغامضة والسطحية" للديناميكا الحرارية للحياة. أما بيروتس فقد تذمَّر قائلًا إن "ما كان صحيحًا في الكتاب لم يكن جديدًا، ومعظم ما كان جديدًا كان من المعروف أنه غير صحيح، حتى في وقت تأليف الكتاب".

وعلى الرغم من أن تلك الأحكام تبدو مجحفة، فإنها ليست عارية تمامًا من الصحة. لماذا إذًا كان الكتاب مؤثرًا للغاية؟ ترى المُنظِّرة البلاغية ليا تشيكاريلي أن السر في ذلك يتمثل في أسلوب كتابة شرودنجر؛ إذ تمكن من التقريب بين الفيزياء والأحياء دون تمييز أحدهما على الآخر. ولكننا نستطيع أن نجد أسبابًا أخرى بخلاف ذلك في وقتنا الراهن؛ إذ يمكن اعتبار أفكار شرودنجر بشأن التوازن الإنتروبي للحياة تمهيدًا للدراسات التي رأت ضرورة فهم المزايا البيولوجية مثل التكاثر، والذاكرة، والشيخوخة، والتعديل التخليقي المتوالي، والتنظيم الذاتي، بوصفها عمليات مرتبطة بالتعقيد غير المتوازن الذي لا يمكنه تجاهل البيئة. ومن المثير أنه يُنظَر حاليًا إلى اعتبارات مماثلة بخصوص البيئة والاحتمالات بوصفها قضايا محورية في ميكانيكا الكم، بكل ما تحتويه من أفكار عن التشابك، وإزالة الترابط، والسياقية. وليس بمقدورنا أن نقرر بعدُ ما إذا كان ذلك كله مجرد مصادفة أم أنه أكثر من ذلك.

فيليب بول كاتب مقيم في لندن. يحمل أحدث كتبه عن فيزياء الكم عنوان «ما وراء الغرابة» Beyond Weird.

بريد إلكتروني: p.ball@btinternet.com