كتب وفنون

تاريخ الأوتوماتون

يقول ستيفن كيف وكانتا ديال إن صدى استجاباتنا للروبوتات يتردد على مدار آلاف السنين.

ستيفن كيف وكانتا ديال
  • Published online:
أوتوماتون على هيئة ماري أنطوانيت وهي تعزف آلة القانون على سطح طاولة في القرن الثامن عشر، من صنع صانع الخزانات الألماني ديفيد رونتجن.

أوتوماتون على هيئة ماري أنطوانيت وهي تعزف آلة القانون على سطح طاولة في القرن الثامن عشر، من صنع صانع الخزانات الألماني ديفيد رونتجن. 

PHILIPPE HURLIN/MUSEE DES ARTS ET METIERS-CNAM, PARIS

ذاع عن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت ولعه بالآلات ذاتية التشغيل، وكانت ما أوحى إليه برؤيته القائلة إن الكائنات الحية آلات بيولوجية تعمل ذاتيًا مثل الساعة. أما الأقل شهرة فقصة غريبة بدأت في الرواج بعد وفاته عام 1650. تركزت حول ابنة ديكارت، فرانسين، التي توفيت جراء الإصابة بالحمى القرمزية وهي في الخامسة من عمرها.

وفقًا لهذه الرواية، صنع ديكارت، بينما كان في حالة اضطراب شديد، إنسانًا آليًا على هيئة فرانسين يعمل ذاتيًا؛ فكان صورة محاكية لها تمشي وتتكلم. وحين دعت الملكة كريستينا الفيلسوف لزيارة السويد عام 1649، أبحر ومعه الأوتوماتون مخبًأ في صندوق. وفي الطريق، فتح بعض البحارة المرتابون الصندوق بالقوة، وعندما انتصبت الطفلة الميكانيكية جالسة لتحيتهم، ألقى طاقم البحارة المذعور بها في الماء.

هذه القصة مُلفَّقة على الأرجح، لكنها تلخّص الآمال والمخاوف التي اقترنت بالآلات الشبيهة بالإنسان على مدار نحو ثلاثة آلاف سنة. فأولئك الذين يصنعون مثل تلك الآلات إنما يفعلون ذلك على أمل أنهم سيتجاوزون الحدود التي تفرضها الطبيعة؛ وفي حالة ديكارت، كان يأمل في تجاوز الموت ذاته. غير أن انعدام صفة الطبيعية هو ذاته ما يفزع وينفّر الآخرين. وفي عصر علم الروبوتات المتقدم والذكاء الاصطناعي الذي نعيش فيه، لا تزال ردود الفعل المُستقطَبة تلك قائمة، فنجد الخبراء والجمهور إما يهللون لكل تقدم يجري إحرازه وإما يحذّرون منه. وبالتنقيب في أعماق تاريخ الآلات الذكية -الحقيقي منها والخيالي- نرى كيف تطورت تلك التوجهات: من الحلم بوجود مساعدين ميكانيكيين أوفياء إلى مخاوف من أن تؤدي أشكال التقدم التكنولوجي الجامحة إلى إيجاد مخلوقات تحل محل البشرية ذاتها.

يمكن القول إنه يمكن العثور على أقدم قصة معروفة لشيء يقارب الذكاء الاصطناعي في قصيدة هوميروس الملحمية عن حرب طروادة، «الإلياذة» Iliad، والتي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وفيها يصنع هيفيستوس، إله الحدادة ذو الإعاقة، خادماتٍ ذهبيات كي تعاونّه في تشكيل المعادن: "فيهن قلوب متفهمة، وفيهن القدرة على الكلام والقوة، ويمارسن العمل اليدوي بمهارة". ومن المفترض أن هيفيستوس كان مسؤولًا كذلك عن تالوس، أول «روبوت قاتل». ويظهر عملاق آلي من البرونز في ملحمة «أرجونوتيكا» Argonautica، في القرن الثالث قبل الميلاد يجوب شواطئ كريت في دوريات راشقًا الغزاة بجلاميد من الصخر.

بالأسفل: نقش من القرن التاسع عشر لمسرح عرائس إغريقي قديم.

بالأسفل: نقش من القرن التاسع عشر لمسرح عرائس إغريقي قديم.

INTERFOTO/Alamy

كان لتلك الحكايات أساس من الواقع؛ فالتقنيون الإغريق القدماء تمتَّعوا بمهارة مثيرة للدهشة في الميكانيكا وتشكيل المعادن. وتصف أدريان مايور -المتخصصة في دراسة العصر الكلاسيكي- في كتابها القادم «آلهة وروبوتات» Gods and Robots، عددًا من الآلات ذاتية التشغيل البرونزية التي ظهرت في الألعاب الأوليمبية قبل قرنين من تأليف «أرجونوتيكا»؛ مثل دولفين يقفز ونسر في حالة أشبه بالطيران. وفي رسالته التي حملت عنوان «عن صنع الأوتوماتون» On Automaton-Making -التي تعود إلى القرن الأول الميلادي- يصف المهندس وعالِم الرياضيات هيرو السكندري مسرحًا للعرائس آليًّا بالكامل يمكنه تمثيل مسرحية تراجيدية كاملة، باستخدام بلورات منقولة ومحاور ورافعات وبكرات وعجلات.

تكشف تلك القصص الكلاسيكية كيف أن تلك الآلات التي تتخذ هيئة البشر كان يُنظَر إليها -آنذاك مثلما هو الحال الآن أيضًا– على أنها تمثّل آمالًا واضحة: الخادم المثالي المطيع دائمًا، والجندي الكامل الذي لا يكلُّ أبدًا. ولكن مع تراجع تأثير اليونان خلال القرون الأولى الميلادية، دخل الغرب ألفية فُقِدت فيها مهارات صنع الإنسان الآلي (أو «الأوتوماتون») إلى جانب كل التطلعات المقترنة به. وكما يصف المؤرخ إي. آر. ترويت في كتابه «روبوتات القرون الوسطى» Medieval Robots، (2015)، فقد كانت الإمبراطورية البيزنطية والعالم العربي هما من حفظا الفنون الميكانيكية على مرّ تلك القرون. فعلى سبيل المثال، في نحو عام 850 ميلاديًا، نشر الإخوة بنو موسى -فيما يعرف الآن باسم العراق- «كتاب الحيل» Book of Ingenious Devices، الذي احتوى على آلات ذاتية التشغيل، من قبيل أطراف تعمل بواسطة المياه. وهكذا تفاقمت في الغرب سمة «الغرابة» الخاصة بالصور الميكانيكية الشبيهة بالإنسان. ونظرًا لاقترانها بالغرابة وبفكرة الشرق «الكافر»، بات يُنظَر إلى الأوتوماتونات بقدر من الرهبة والريبة لبعض الوقت.

نقش خشبي يعود لعام 1630 يصور قصة الرأس المتكلم البرونزي للعالم روجر بيكون.

نقش خشبي يعود لعام 1630 يصور قصة الرأس المتكلم البرونزي للعالم روجر بيكون.

Anon./Wikimedia Commons

وشهد القرن الثالث عشر تجدّد الاهتمام الغربي؛ فبدأ عدد من الأوتوماتونات يظهر في البلاطات الملكية كنماذج رائعة مصمَّمة لإبهار الزوار. وقد أمر كونت أرتوا بقلعة هيسدين، فيما يُعرف الآن بشمال فرنسا، بصناعة مجموعة من الوحوش الميكانيكية وأشباه البشر الآليين لتتفاعل مع الزوار فتوبخهم أو تُغرقهم بالمياه أو الأمرين معًا. وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر أفكار أكثر قتامة، فأُشيع عن عدد من علماء القرون الوسطى العظماء، مثل روجر بيكون وألبرتوس ماجنوس، أن كليهما صنع رأسًا من البرونز يمكنه الإجابة عن أي سؤال، وكان هذا نموذجًا أوليًا لـ«سيري». تنتهي تلك القصص على نحو سيئ، بتدمير الوسيط الروحي، وأحيانًا كان يحدث ذلك على يد أشخاص لا يثقون به. وفي مثل تلك الروايات التحذيرية، يعتبر صنع الذكاء الاصطناعي فعلًا من أفعال غطرسة الإبداع الجريء، أو قوة شبه إلهية يجب ألا يمتلكها أي بشري فانٍ، وهي صور مبكّرة من قصة ابنة ديكارت ورواية «فرانكنشتاين» Frankenstein، لماري شيلي (انظر R. Holmes Nature 535, 490–492; 2016).

بيد أن مسيرة أشباه البشر الميكانيكيين استمرّت وصولًا إلى الازدهار التكنولوجي والثقافي العظيم لعصر النهضة. وعلى نحو أثار الدهشة والاستغراب على نطاق واسع، انتشرت الأوتوماتونات العاملة بالطاقة الهيدروليكية وآلية الساعة والزنبرك في أوروبا، بدءًا من الملائكة الميكانيكيين في الكنائس إلى عديد من الأوتوماتونات التي تأخذ هيئة نبتون في الكهوف. وبدأت الإيحاءات الروحانية التي تستثيرها الأوتوماتونات تتوارى، وصار يُنظَر إليها بوصفها انعكاسات لتطورات علمية متقدمة: فقد وضع ليوناردو دافينشي، على سبيل المثال، مخططات لفارس آلي يعمل داخليًّا بالبكرات والأثقال.

وعبر القرون اللاحقة، ألهمت نظرة ديكارت للكائنات الحية بوصفها آلات معقدة مستويات جديدة من التصنيع، ووصلت أوروبا إلى ذروة صناعة الأوتوماتونات في القرون من السابع عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر، فصنع أمهر الحرفيين عجائب من قطع فنية تحاكي الحياة، مثل البطة الهاضمة التي صنعها جاك دي فوكانسون عام 1739. بدت البطة وكأنها تأكل، وتشرب، وتتبرز، بفضل 400 قطعة متحركة في كل جناح وأنابيب مطاطية داخلية.

بالأعلى: الرجل التركي الآلي من القرن الثامن عشر.

بالأعلى: الرجل التركي الآلي من القرن الثامن عشر.

INTERFOTO/Alamy

غير أن البطّة لم تكن لديها آلية «هضم»؛ ففي الواقع، كانت «فضلاتها» عبارة عن كرات سابقة التجهيز يجري طردها من حجيرة خفية. وبعد مرور بضعة عقود، في عام 1770، ظهر لأول مرة الرجل التركي الآلي الشهير لاعب الشطرنج، للمخترع فولفجانج فون كيمبلين. وعلى الرغم من أن الكثيرين اشتبهوا في كونه خدعة، لم يتمكن أحد من استنباط كيفية خداعهم، إلى أن نُشرت مقالة كاشفة في عام 1857 تعلن أن تشغيله كان يجري بواسطة شخص مختبئ بالداخل. بدأت الرهبة والدهشة من الطبيعة الغريبة لمثل تلك الآليات في الاختلاط بالخوف من الخديعة، كما ينعكس في أدب تلك الفترة. فعلى سبيل المثال، في القصة القصيرة «رجل الرمل» The Sandman، للكاتب البروسي الرومانسي إرنست هوفمان عام 1816، فُتِن ناثانيال، بطل القصة، بجمال امرأة تُدعى أوليمبيا، وأدى اكتشافه أنها أوتوماتون إلى الانتحار.

بدأ الصدى الإبداعي للآلات الذكية في بلوغ أقصى مدى له في القرن العشرين، عندما أدى التصنيع إلى أن تحلّ إيقاعات خط الإنتاج محل الإيقاعات الطبيعية. كان ذلك الوقت أيضًا هو وقت الثورة والحرب الميكانيكية. وعلى هذه الخلفية، ظهرت كلمة «روبوت» في مسرحية «روبوتات روسوم الشاملة» Rossum’s Universal Robots، للكاتب التشيكي كارل تشابيك عام 1920. وفي العمل ذاته الذي صُك فيه هذا المصطلح، تتمرد الروبوتات على صانعيها وتدمّرهم. وقد تبيَّن أن قصة التمرد والثورة تلك هي أكثر مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي شدة؛ إذ يُعاد سردها مرارًا وتكرارًا مع تطور التكنولوجيا.

وإبان سباق الفضاء في سنوات الحرب الباردة، قدم لنا فيلم «2001: أوديسا الفضاء» 2001: A Space Odyssey (1986) الكمبيوتر «هال 9000»، كمبيوتر السفينة الفضائية العملاق القاتل. ومع بزوع فجر شبكة الإنترنت، رأينا شبكة «سكاي نت» -شبكة الدفاع التي تكتسب الوعي الذاتي في سلسلة أفلام «المدمر» Terminator (التي بدأت عام 1984)- ورأينا فيلم «ذا ماتريكس» The Matrix (1999)، حيث «تزرع» آلات ذكية بشرًا تهيم عقولهم داخل واقع افتراضي دون علم منهم. والآن، بينما تهيمن أخبار الذكاء الاصطناعي على عناوين الصحف، أصبح لدينا روبوتات متطورة تطيح بأسيادها من البشر مرة أخرى، بدءًا من «إيفا» في فيلم «إكس ماكينا»، Ex Machina الذي عُرِض عام 2015، وصولًا إلى مضيفي حديقة الملاهي الروبوتيين في مسلسل «وست وورلد» Westworld التليفزيوني.

ويكشف الاستخدام المتواصل لمجاز ثورات الروبوتات المفارقة الكامنة في صلب علاقتنا بالآلات الذكية. فنحن نريد أن نخلق أدوات ذكية يمكنها عمل كل ما نفعله وأكثر؛ فتلعب دور العرافين، والخدم، والجنود، وحتى الأحبّاء المثاليين. ولتحقيق آمالنا تلك، لا بدَّ أن تكون لديها صفات من قبيل الذكاء والقدرة على الفعل؛ أي تكون لديها عقولها الخاصة، المتفوقة على عقولنا. ولكن المفارقة أن ذلك تحديدًا هو السبب وراء خوفنا من «هال» و«سكاي نت»، إذ يكمن التوتر في رغبتنا المتعارضة في صنع مخلوقات ذات قدرات خارقة للقدرات البشرية، ولكنها تظل في مكانة دون البشر.

ثمة تهديد متواصل بأن تنهار آمالنا وتتحقق تلك المخاوف، ولكننا مستمرون في بناء الآمال رغم ذلك. فكل روبوت ثائر له نظير خَيِّر مثل «سي 3 بي أو» في سلسلة أفلام «حرب النجوم»، أو الطفل الآلي ديفيد في فيلم «إيه. آي.: الذكاء الاصطناعي» A.I. Artificial Intelligence، لستيفن سبيلبرج. ويكشف كلا النوعين من القصص، المتفائل والمتخوف، عن استجاباتنا العاطفية المركبة نحو الذكاء الاصطناعي. ويعد فهم تلك الاستجابات وتاريخها العميق أمرًا جوهريًّا لتحقيق الاستفادة القصوى من الحياة مع الآلات الذكية.

ستيفن كيف المدير التنفيذي لمركز ليفرهيولم لمستقبل الذكاء (CFI) بجامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة. كانتا ديال باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في مشروع «سرديات الذكاء الاصطناعي» بمركز ليفرهيولم لمستقبل الذكاء. وهما مؤلفا الكتاب الذي سيصدر قريبًا بعنوان «ميثولوجيا الذكاء الاصطناعي»،  AI: A Mythology

بريد إلكتروني: sjc53@cam.ac.uk; ksd38@cam.ac.uk