كتب وفنون

علم الكونيات: مشكلة جائزة نوبل

رون كوين يقيم دعوة براين كيتينج إلى إصلاح الجائزة الأكثر سموًا في مجال الفيزياء.

رون كوين

  • Published online:

Illustration by Stephan Schmitz

لو أن عالم الكونيات براين كيتينج استطاع تحقيق مراده، لما تمكَّن الفريقان العلميان اللذان توصلا إلى اثنين من أكثر الاكتشافات روعة في عالم الفيزياء -وهما «بوزون هيجز»، وموجات الجاذبية- من الفوز بجائزة نوبل على الإطلاق.

ليس معنى ذلك أن كيتينج يرى أن الباحثين لا يستحقون الجائزة، وإنما يؤكّد في كتابه «خسارة جائزة نوبل» Losing the Nobel Prize أن القواعد الحالية لمنح الجائزة، وهيكلها الحاليّ، يعززان التنافس الشرس، والمدمِّر أحيانًا، على الموارد البحثية الشحيحة. ويجزم كيتينج أيضًا بأن جوائز نوبل متحيزة ضد أبحاث النساء والعلماء الشبّان، وأنها تخالف بعض المبادئ الأساسية التي وضعها مؤسّس الجائزة، ألفريد نوبل، في وصيته قبل أكثر من قرن.

يدرس كيتينج الكون في مراحل نشأته الأولى من خلال أنماط دقيقة في أشعة الخلفية الكونية الميكروية (CMB) المتخلِّفة عن الانفجار الكبير. يتمتع كيتينج ببراعة في الكتابة وقدرة على نسج العلم مع تأملاته الشخصية في كتابته عن موضوعات تتراوح بين علاقته بوالده الذي هجره في طفولته والشغف الذي يدفعه نحو استكشاف المجهول. وتطغى على ذلك كله مخاوفه بشأن جوائز نوبل.

تجلّت تلك المخاوف بعد جولة متقلبة وعلنية للغاية خاضها كيتينج كأحد أفراد فريق بحثي بدا لفترة وجيزة أن عمله مرشح للفوز بجائزة نوبل في الفيزياء. كان الفريق -وهو ثمرة مشروع تعاوني بين عدة مؤسسات من بينها مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية (CFA) في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، وجامعة كاليفورنيا في سان دييجو (UCSD)- قد صنع تليسكوبين راديويين في القطب الجنوبي بهدف البحث عن إشارات في  أشعة الخلفية الكونية الميكروية، يمكنها الكشف عن كيفية تطوّر الكون في مراحله المبكرة. كان كيتينج هو صاحب تصور التليسكوب الأول، «بايسيب-1» BICEP1، ثم طور الفريق بعد ذلك التليسكوب «بايسيب-2» BICEP2 الأكثر دقة وحساسية، والذي استُخدِم في رصد أشعة الخلفية الكونية الميكروية في الفترة بين أعوام 2010 و2012.

وفي شهر مارس 2014، راجت شائعات بأن ثمة كشفًا علميًا ثوريًا يلوح في الأفق، حتى قبل أن يُعلن مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية لوسائل الإعلام عن "اكتشاف كبير" وشيك. ولم يكن البيان الصحفي الموجز الذي أُذيع في 17 من مارس مُخيّبًا للآمال (كنتُ حاضرًا لتغطية الحدث لصالح قسم الأخبار في دورية Nature)؛ فقد أشار الباحثون الأربعة الرئيسيون في الفريق -الذين كان من بينهم عالم الفلك جون كوفاتش- إلى أنهم رصدوا انحناءً طفيفًا في استقطاب أشعة الخلفية الكونية الميكروية. وأكَّد العلماء أنه من المؤكّد تقريبًا أن مصدر ذلك الانحناء هو موجات جاذبية بدائية، ناتجة عن مرحلة التضخم الكوني؛ وهي مرحلة تضخّم وجيز حدث بسرعة أكبر من سرعة الضوء للكون الوليد. وقد كانت طفرة النمو النظرية تلك حجر الزاوية في علم الكونيات على مدار 35 عامًا تقريبًا، ولكن لم يتسنّ العثور على دليل حاسم على حدوثها.

تردَّدت أصداء الاكتشاف الذي توصَّل إليه التليسكوب بايسيب-2 عبر وسائل الإعلام. وعند إلقاء البيان الصحفي، ضجَّت القاعة بعبارات التهنئة والثناء. ويروي لنا كيتينج -الذي لم يحضر اللقاء شأنه شأن عديد من أفراد الفريق- شعوره بخليط من مشاعر الإحباط والبهجة؛ فعلى الرغم من أن كوفاتش قد أشار إلى الدور الذي قام به كيتيج، فإن البيان الصحفي لم يذكر شيئًا عنه. وعَلِّمَ كيتينج جيدًا أنه إذا كان الفريق يوشك على الفوز بجائزة نوبل، فإنه سيُستَبعَد، هو وأغلب أفراد الفريق، نظرًا إلى تسليط الضوء على الباحثين الرئيسيين، وكذلك القاعدة التي تنصّ على أن الجائزة لا يمكن أن يتقاسمها أكثر من ثلاثة أشخاص على أقصى تقدير.

إلا أن ذلك المجد المرتقب لم يتحقق على أي حال. وقد ظل كيتينج طوال شهور يراقب الأحداث عن بُعد بينما كان الاكتشاف يتحوَّل حرفيًا إلى هباء منثور. وطيلة تلك الفترة، كان القلق يساور فريق التليسكوب بايسيب-2 من أن سناج الهيدروكربون وغيره من الجسيمات الكونية يمكنها أن تدحض النتائج. (فعندما ينعكس الضوء -بما في ذلك أشعة الخلفية الكونية الميكروية- عن جسيمات غير كروية من الغبار المجري ذات المحاور المصطفة، يكتسب الضوء نمط الاستقطاب المموج ذاته المتوقع من الموجات الجاذبية التي حدثت في المراحل المبكرة من عمر الكون). إلا أن الفريق قرَّر المضي قدمًا في الإعلان عن الاكتشاف، مدعومًا ببيانات مأخوذة من شريحة عرض استُخدِمَت في محاضرة ألقاها في عام 2013 أحد العلماء المنتمين إلى المنافس الرئيسي لفريق تليسكوب بايسيب-2، وهو القمر الاصطناعي «بلانك» Planck التابع لوكالة الفضاء الأوروبية.

احتوت الشريحة على خريطة غير منشورة للغبار ذات دقة غير معلومة. وخلُص فريق بايسيب-2 من خلال استقراء الخريطة إلى أنه في رقعة السماء الواقعة في نطاق رصد التليسكوب الخاص بهم، ما كان للغبار المَجريّ أن يؤثر في النتائج بأي قدر يُذكر. ويذكر كيتينج أنه اعترض على الاعتماد على مثل ذلك الدليل لدعم اكتشاف شديد المجازفة كهذا، ولكنه اقتنع وغيَّر رأيه في نهاية المطاف. وكشفت بيانات جديدة مأخوذة من القمر الاصطناعي «بلانك» في وقت لاحق أن الغبار قاد فريق بايسيب-2 إلى الخطأ في تفسير النتائج. وحسبما يرى كيتينج، لم يكن الغبار وحده هو ما ضلّل الفريق، وإنما أسهمت في ذلك أيضًا "شهوة الفوز بجائزة نوبل"، والخوف من أن يتخلّف الفريق عن منافسيه في إعلان الكشف الجديد.

اهتم الصحفيون بإعلان فريق بايسيب-2 في البداية؛ فقد مثّل الخبر سبقًا صحفيًا مثيرًا، ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءل عما إذا كانت أهمية الاكتشاف قد أعمت بصيرتي بدوري. فقد أدلى جميع الخبراء المستقلين الذين تواصلتُ معهم، وعددهم 12 خبيرًا تقريبًا -والذين قرأوا نسخًا أولية قبل النشر من بحث كان سينشره فريق بايسيب-2 في وقت لاحق على شبكة الإنترنت- بتعليقات إيجابية بشأن البحث. ولكن من المحتمل أن الانحياز التأكيدي أثّر في بعضهم، لأنهم كانوا من أنصار نظرية تضخم الكون.

يقترح كيتينج عديدًا من الطرق لتخفيف الهوس بجائزة نوبل. فهو يحتجّ بأنه ينبغي أن يقتصر منح جوائز نوبل في الفيزياء على الاكتشافات التي تحدث بمحض المصادفة فقط، ومن أمثلة ذلك الدليل الذي اكتشفه فريقان من علماء الكونيات في عام 1998 على أن حركة توسع الكون تتسارع، ولا تتباطأ. وتتمثل وجهة نظر كيتينج التي يراها بعضهم مستفزّة في أنه إذا اكتشف فريق ما شيئًا كان قد شرع في البحث عنه تحديدًا، فإنه لا ينبغي منحه جائزة نوبل. ويؤكد كيتينج كذلك أنه لا ينبغي منح جوائز نوبل إلا لفريق بأكمله. ويود كيتينج إلغاء الشرط الذي جرى إضافته في عام 1974 والذي ينصّ على عدم منح الجائزة لشخص بعد وفاته. كما أنه كان ليسمح بمنح أكثر من جائزة للبحث ذاته إذا كان الشخص قد تعرّض في الأصل للتجاهل أو الإغفال (وهو أمر كثيرًا ما حدث على مدار التاريخ مع النساء، مثل جوسلين بيل بورنيل، الباحثة التي شاركت في اكتشاف النوابض الراديوية).

ويرى كيتينج أن هذه التغييرات قد تُحفّز علماء الفيزياء على التفكير خارج الصندوق عند إجراء أبحاثهم، كما قد تحدّ من الصراعات بين الفرق البحثية. إلا أنني أشك في أن إعادة هيكلة قواعد جائزة نوبل وشروطها سوف يحقق ما يصبو إليه كيتينج. فكما يذكر هو نفسه، فإن إجراءات تخصيص التمويل وحقوق الانتفاع المتَّبعة في الولايات المتحدة وأوروبا تحثّ على المنافسة الشرسة، ومن ثم فإن تعديل تلك المنظومات الراسخة سيكون له تأثير أكبر بكثير فيما يتعلق بإصلاح الجائزة.

يشير كيتينج إلى أنه قد بدأ يتبنَّى روح التعاون في أبحاثه الخاصة. ففي عام 2016، منحت «مؤسسة سايمونز» Simons Foundation -وهي مؤسسة خيرية خاصة في مدينة نيويورك سيتي تدعم الأبحاث في مجال الرياضيات والعلوم الأساسية- الضوء الأخضر لكيتينج لقيادة مشروع تعاون بحثي بين فريقه الذي يدرس أشعة الخلفية الكونية الميكروية في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، وفريق آخر من جامعة برينستون في نيو جيرسي. وبتوحيد جهودهما، يأمل الفريقان معًا في أن يستخلصا من الغبار إشارة حقيقية على موجات الجاذبية الأوَّلية في أشعة الخلفية الكونية الميكروية. ولكن حتى لو كُلِلَ هذا الجهد بالنجاح، فإنه لن يكون مؤهلًا للفوز بجائزة نوبل في إطار الإصلاحات التي يرغب كيتينج في إجرائها؛ وإنما سيكون علمًا من أجل العلم، وربما كان ذلك هو بيت القصيد.

رون كوين كاتب علمي حرّ يركز في كتاباته على مجالات الفيزياء وعلم الفلك وتاريخ التكنولوجيا.

 البريد الإلكتروني: roncowen@msn.com