أنباء وآراء

الأحياء البنيوية: آلية لتوجيه المناعة

يلعب مركَّب تحميل الببتيد دورًا محوريًّا في بدء الاستجابة المناعية التي تستثير الخلايا التائية القاتلة في الفقاريات. وقد جرى مؤخرًا تحديد بنيته، ومن الممكن أن يوفِّر معلومات تحسِّن الحماية المناعية.

هايد بلوج

  • Published online:

يستخدم الجهاز المناعي في الفقاريات بروتينات سكرية غشائية كنظام توجيه لـ "صواريخه". وهذه البروتينات السكرية، المُخلَّقَة عبر آلية خلوية تسمى مركَّب التوافق النسيجي الكبير، تقدم أجزاءًا بروتينية (ببتيدات) مأخوذة من الفيروسات والبكتيريا الغازية إلى الخلايا المناعية التي تسمى الخلايا الليمفاوية التائية القاتلة.

وهذه الخلايا، إلى جانب أنواع أخرى من الخلايا، يمكنها بعد ذلك أن تشتبك مع الكائنات الغازية وتدشِّن استجابة مناعية لحماية المضيف. ووفي بحثٍ نشر في دورية Nature، يستعرض بليس وزملاؤه 1، بنية مركَّب تحميل الببتيد البشري، وهو الآلة الجزيئية التي تُحَمِّل نواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير بشحنة الببتيد الخاصة بها، الضرورية لبدء استجابة الخلايا التائية القاتلة.

هناك نكهتان لناتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير، وتُعرَف باسم جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى والفئة الثانية. تظهر جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى على سطح الخلية، لكنها تستمد شحنة الببتيدات الخاصة بها في الغالب من البروتينات الموجودة في العصارة الخلوية. لذلك توجد حاجة إلى جهاز متخصص لنقل الببتيدات من العصارة الخلوية إلى عضية خلوية تسمى الشبكة الإندوبلازمية، وهناك تُحمَّل بواسطة مركَّب تحميل الببتيد على جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى.

وبمجرد اكتمال التحميل، يترك جزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير المحمَّل بالبتيد الشبكة الإندوبلازمية وينتقل إلى سطح الخلية2. هذه العملية ليست مثالية: إذ يمكن لأجزاء صغيرة من جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى "الفارغة" الهروب من مركَّب تحميل الببتيد والظهور على سطح الخلية كجزيئات مستقبلة للببتيد، وهي سمة يستغلها اختصاصيو المناعة عند اختبار الببتيدات من حيث قدرتها على أن تُحمَل بواسطة نواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير3.

يتكون مركَّب تحميل الببتيد من وحدتين فرعيتين لجزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى، بالترافق مع مجموعة من ملحقات البروتين2. وتشمل هذه: الوحدتين TAP1 وTAP2، وهما تشكلان دايمر متغايرًا يُعرَف ببساطة بالاسم TAP، والذي ينقل الببتيدات ذات الطول والتسلسل المفضل في الشبكة الإندوبلازمية، وكذلك التاباسين، الذي يتفاعل بدوره مع المركب TAP، والوحدة الفرعية ERp57، والمطلوبة لعمل التاباسين في تجميع نواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى. أيضًا يشكل الكالريتيكولين، وهو بروتين مشارك في استشعار البروتينات السكرية الوليدة4، جزءًا من مركَّب تحميل الببتيد، إذ يمد المركَّب بجزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى.

تتضح أهمية مركَّب تحميل الببتيد من حقيقة أن التطور قد وهب مجموعة متنوعة من الفيروسات بوسائل تعطيله. على سبيل المثال، فيروس الهربس البسيط 1 ينتج البروتين ICP47، والذي يرتبط بإحكام بالمركب TAP، ومن ثم يعطل إزفاء الببتيد5. وقد استخدم بليس وزملاؤه نسخة موسومة من البروتين ICP47 كمقبض يمكنهم به سحب مركَّب تحميل الببتيد من مستخلصات مأخوذة مما لا يقل عن 250 لترًا من الخلايا الليمفاوية المستزرعة. بعد ذلك استخدم الباحثون تقنية تسمى الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة للجسيمات المفردة لإنتاج مجموعة صور لمركَّب تحميل الببتيد المُنقَّى (الشكل 1)، ظهرت من خلالها بنية المركَّب.

الشكل 1 | مركَّب تحميل الببتيد البشري. نشر بليس وزملاؤه1بنية مركَّب تحميل الببتيد البشري، تلك الآلات الخلوية التي تؤدي خطوة حاسمة في تدشين الاستجابة المناعية. وقد أنتج الباحثون معرضًا للصور (بعضها تخيلي) لجزيئات مفردة من مركَّب تحميل الببتيد مرشحة باستخدام الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة، وحلَّلوا هذه الصور للحصول على البنية التقريبية لها. شريط القياس، 10 نانومتر

الشكل 1 | مركَّب تحميل الببتيد البشري. نشر بليس وزملاؤه1بنية مركَّب تحميل الببتيد البشري، تلك الآلات الخلوية التي تؤدي خطوة حاسمة في تدشين الاستجابة المناعية. وقد أنتج الباحثون معرضًا للصور (بعضها تخيلي) لجزيئات مفردة من مركَّب تحميل الببتيد مرشحة باستخدام الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة، وحلَّلوا هذه الصور للحصول على البنية التقريبية لها. شريط القياس، 10 نانومتر

ومن أجل التعرف إلى البنية الكاملة، قيَّد بليس وزملاؤه المدى الممكن للمسافات بين وحدات البروتين الفرعية من خلال تحليل أجزاء من مركَّب تحميل الببتيد والتي يمكن ربطها معًا بواسطة روابط كيميائية. كما استخدموا معلومات من البِنى التي حصلوا عليها سابقًا من مكونات مركَّب تحميل الببتيد المعزولة، بما في ذلك: ِبنى بالأشعة السينية لجزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى، وبنية الأشعة السينية6 للمركب المؤلَّف من التاباسين والوحدة ERp57، وبنية7 جزء من الكالريتيكولين، والتي حصلوا عليها بواسطة مطيافية الرنين المغناطيسي النووي؛ والبنية الناتجة عن الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة للجسيمات المفردة التي نُشرَت مؤخرا للمركَّب8 ICP47-TAP1-TAP2.

وقدَّمت بيانات الباحثين المأخوذة من الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة للجسيمات المفردة مخططًا ثلاثي الأبعاد لمركَّب تحميل الببتيد، الذي يمكن أن تتوافق بداخله البِنى التي حصلوا عليها سابقًا من أجل الوصول إلى بنية تفصيلية لمركَّب تحميل الببتيد.

لا يمكن تصوير جميع مكونات مركَّب تحميل الببتيد بالدقة نفسها في بنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة للجسيمات المفردة، مما يشير إلى حدوث تغييرات ديناميكية عندما يقوم مركَّب تحميل الببتيد بوظائفه. هذا متوقع لمركَّب بروتين لا يستجيب فقط لإشْغال ناقلات الببتيد TAP9، ولكن أيضًا يميّز بين حالات امتثالية لنواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى.

وجد بليس وزملاؤه أن واحدًا من مُرَكَّبي التحرير -وحدتي مركَّب تحميل الببتيد التي تسمح بتحميل الببتيدات على جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى- أو تكون كلتاهما مشغولة بجزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى في مركَّب الكالريتيكولين. وهذا يشير إلى أن واحدًا من مُرَكَّبي التحرير يمكنه أن يتبنَّى حالة "غير مكتملة" تفتقر إلى جزيء الفئة الأولى (إما مع الكالوريتيكولين وإما دونه)، مما يؤدي إلى مركَّب تحميل ببتيد غير متماثل.

وتشير بنية الفحص المجهري الإلكتروني فائق البرودة للجسيمات المفردة عمومًا الى أن الببتيدات القادمة إلى الشبكة الإندوبلازمية من خلال الوحدة TAP يمكنها الهروب من مركَّب تحميل الببتيد لتعالجها إنزيمات الببتيداز الكامنة في الشبكة الإندوبلازمية، وبذلك يمكن ربط الببتيدات المُعالَجة بجزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى. يعني الترتيب غير المتماثل المذكور سلفًا وجود آلية ربط، يؤدي بموجبها إخلاء موقع مركَّب تحميل الببتيد من قِبل أحد نواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير المحمل بالببتيدات، إلى السماح بإدراج جزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير الفارغ التالي في الطابور.

يبدو أن بنية مركَّب تحميل الببتيد الجديدة لا تخبرنا القصة الكاملة المتعلقة بكيفية حصول مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى على الببتيدات. وقد وثَّقت ورقتان بحثيتان10,11 مؤخرًا بنية جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى في مركَّب مع بروتين يسمى TAPBPR. البروتين TAPBPR تجمعه صلة قرابة بعيدة مع التاباسين (والذي يتشارك معه في 22% من تسلسل حمضه الأميني)، ويُشكِّل أيضًا مركَّبًا مؤقتًا مع جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى الفارغة. ومع ذلك، يرتبط البروتين TAPBPR والتاباسين بشكل تفضيلي بصور أليلية مختلفة لتلك الجزيئات (والتي تنتجها نسخ مختلفة من الجين الذي يشفرها).

وظيفة البروتين TAPBPR هو التحقق من جودة مركبات جزيئات الببتيد، مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى التي تشكلت حديثًا من خلال التفاعل مع العناصر البنيوية التي تثبِّت نهاية كربوكسى الببتيد في جيب من أخدود رابطة جزيء ببتيد مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى.

وتبيِّن بنية10,11 جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى المرتبطة بالبروتين TAPBPR أن جزيء الأخير لا يتفاعل بشكل قابل للاكتشاف مع الوحدة ERp57، وأن موقع ارتباطه بجزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى يتداخل مع موقع ارتباط التاباسين.

وتوجد سمة بنيوية للبروتين TAPBPR يُطلَق عليها اسم حلقة الغَرْف10 تساعد على إزاحة الببتيدات التي لها انجذاب متوسط لجزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير، من خلال التنافس على التفاعل مع بقايا الأحماض الأمينية في الأخدود الذي من شأنه في غير هذه الحالة أن يثبِّت التفاعلات بين جزيء مركَّب التوافق النسيجي الكبير والببتيد.

وخلافًا للتاباسين، عُثِر على البروتين TAPBPR في مواقع أخرى من الشبكة الإندوبلازمية، بل وقد يعمل في اتجاه مركَّب تحميل الببتيد باعتباره الحكَم النهائي على الجودة الكلية لمركبات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى، الببتيد التي تشكلت حديثًا.

وفي الشبكة الإندوبلازمية، يرتبط البروتين TAPBPR بإنزيم يدعى يو دي بي جلوكوز جليكوبروتين جليكوسيلترانزفيريز، والذي، جنبًا إلى جنب مع غيره من الإنزيمات المستقرة في الشبكة الإندوبلازمية، يعمل بمنزلة ميقاتي للمشاركة وإطلاق جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى بواسطة دورة كالنيكسين-كالريتيكولين (التي تتحكم في نضج البروتينات السكرية في الشبكة الإندوبلازمية؛ انظر المرجع 4)

ومن الممكن الآن أن نعالج بمزيد من التفصيل التناقضات المحتملة بين الطريقة التي تتحكم بها دورة الكالنيكسين-الكالريتيكولين داخل الشبكة الإندوبلازمية في طي وتجميع جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى، ومراقبة الجودة التي يفرضها البروتين TAPBPR في الأماكن الأخرى من الخلية.

لماذا يكون من المفيد أن نحصل على فهم أفضل لظهور الببتيدات عن طريق جزيئات مركَّب التوافق النسيجي الكبير من الفئة الأولى؟

لأن تصوير مركَّب تحميل الببتيد بتفاصيل تقارب المستوى الذري قد يسفر عن معلومات تترتَّب عليها أفعال، مثلًا عن طريق اقتراح طرق يمكن بها اعتراض المعطلات الفيروسية لظهور الببتيدات12، أو استراتيجيات لتحسين ظهور الببتيدات التي يجري التعرف عليها في الخلايا السرطانية. يحوِّل اختصاصيو علم المناعة السرطاني أعينهم على نحو متزايد إلى المستضدات المستحدثة (نسخ مختلفة من الببتيدات العادية تتكون فقط في الخلايا السرطانية، والتي يمكن أن تستثير استجابة مناعية عندما ترتبط بنواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير) كأهداف للعلاج المناعي13. لذلك، كلما زاد فهمنا التفصيلي لكيفية تراص نواتج مركَّب التوافق النسيجي الكبير معًا، صارت تنبؤاتنا أفضل بشأن الكيفية التي نستغل بها العمليات المناعية ونؤثر بها على النتائج. 

References

  1. Blees, A. et al. Nature 551, 525–528 (2017). | article
  2. Rock, K. L., Reits, E. & Neefjes, J. Trends Immunol. 37, 724–737 (2016). | article

  3. Ljunggren, H.-G. et al. Nature 346, 476–480 (1990). | article
  4. Ellgaard, L., McCaul, N., Chatsisvili, A. & Braakman, I. Traffic 17, 615–638 (2016). | article
  5. Hill, A. et al. Nature 375, 411–415 (1995). | article
  6. Dong, G., Wearsch, P. A., Peaper, D. R. & Cresswell, P. & Reinisch, K. M. Immunity 30, 21–32 (2009). | article
  7. Frickel, E.-M. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 99, 1954–1959 (2002) | article
  8. Oldham, M. L et al. Nature 529, 537–540 (2016). | article
  9. Reits, E. A. J., Vos, J. C., Grommé, M & Neefjes, J. Nature 404, 774–778 (2000). | article
  10. Thomas, C. & Tampé, R. Science http://dx.doi.org/10.1126/science.aao6001 (2017).
  11. Jiang, J. et al. Science http://dx.doi.org/10.1126/science.aao5154 (2017). 
  12. Schuren, A. B. C., Costa, A. I. & Wiertz, E. J. H. J. Curr. Opin. Immunol. 40, 43–50 (2016). | article
  13. Yarchoan, M., Johnson. B. A. III, Lutz, E. R., Laheru, D. A. & Jaffee, E. M. Nature Rev. Cancer 17, 209–222 (2017). | article

هايد بلوج، يعمل في برنامج الطب الخلوي والجزيئي بمستشفى بوسطن للأطفال في بوسطن، ماساتشوستس 02115، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: hidde.ploegh@childrens.harvard.edu