رؤية كونية

يجب على أفريقيا أن تضع برامجها للبحوث الصحية

تقول فرانسيسكا موتابي إنه يجب على الخبراء المحليين - وليس المانحين الأثرياء - تصميم الدراسات، ومراقبتها.

فرانسيسكا موتابي

  • Published online:

GARETH POXON

في جدال، تحدثت التقارير عنه في الشهر الماضي، اتهم نقادٌ معهدًا بريطانيًّا باستخدام الحمض النووي DNA لأشخاص أفريقيين بطريقة غير سليمة، دون تَقاسُم المنافع مع المؤسسات الشريكة للمعهد في قارة أفريقيا، لكنّ الإخفاق الأكبر الذي ألاحظه في الشراكات العابرة للقارات يذهب مداه إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ ينطوي على عدم مساواة في التحكم في التمويلات، وفي برامج البحوث، وفي إدارة النتائج والتدريبات والبِنَى التحتية. ومن هنا، في اجتماع رأسته هذا العام في أكرا في غانا، اتفق الممولون، وواضعو السياسات، والباحثون على أن "المعارف الصادرة عن مغتربين يقومون بما يشبه رحلات السفاري في أفريقيا" غير فعالة. ومن غير المُرجّح أنْ تُحْدِث هذه الشراكات غير المنصفة، التي يُكلَّف فيها علماء أفريقيون بجمع البيانات لصالح برامج بحوث غربية، تغييرًا فيما يتعلق بالمشكلات الصحية الأفريقية ذات الأهمية الفعلية.

وقد رأيت هذا السيناريو يحدث منذ عقود. فلأكثر من 20 عامًا، أَدَرْتُ برنامجًا في زيمبابوي حول داء البلهارسيا الذي يصيب الانسان. وخلال معظم ذلك الوقت، ركزّت الجهات الدولية المانحة على علاج أطفال المدارس. وأدّت مثابرة فريقنا إلى توسيع نطاق العلاج والمتابعة، ليشمل الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم المدرسي، وهي سياسة صارت تَعتمِدها اليوم منظمة الصحة العالمية (WHO). وفي عام 2017، بدأتُ المشاركة في إدارة شراكة جديدة، مموّلة من المملكة المتحدة، وهي «معالجة العدوى لصالح أفريقيا»، التي تُعرف اختصارًا بـ(TIBA)، (وهي كلمة سواحيلية تعني «علاج العدوى»).

وتضم هذه الشراكة باحثين عالميين من بوتسوانا، وغانا، وكينيا، ورواندا، وجنوب أفريقيا، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، وزيمبابوي، إضافة إلى زملاءٍ من جامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة. ويدرس أحد المشروعات فيروس «الشيكونجونيا» Chikungunya، الذي يمثل مشكلة عالمية تواجه الصحة العامة، ويجري تجاهلها - إلى حد كبير - في أفريقيا، رغم أن باحثينا اكتشفوا أنها ترتبط بحوالي 30% من حالات الحُمى في أحد مستشفيات كينيا. ويدرس مشروعٌ آخر ناقلي مرض النوم، الذين لا تظهر عليهم أعراض، وهي مشكلة لم تخضع لبحوث كافية، ويمكن أن تعرقل الجهود المبذولة للقضاء على المرض في أوغندا.

وتوجد أربعة مبادئ أساسية يرتكز عليها مشروع «معالجة العدوى لصالح أفريقيا»، أولها: أننا ندير الأنشطة البحثية من أفريقيا، بحيث تعكس الأولويات المحلية، لا تلك التي تمليها هيئات خارجية. وأحد الأمثلة على ذلك، هو عملنا على مرض المناعة الذاتية «الذئبة الحمامية الجهازية»، وهو مرض يحدث بصورة أكثر شيوعًا، وبدرجة أشد وطأة عند المنحدرين من أصل أفريقي. وقد استُمدت معايير التشخيص الدولية للمرض من أشخاص غير أفريقيين، يعانون - في الأساس - من أعراض التهاب المفاصل والأغشية المخاطية، بيد أن دراسة أُجريت على أشخاص من زيمبابوي يعانون من المرض، استطاعت تحديد شكلٍ مختلفٍ منه عند الأفريقيين، يتميز في الغالب بنشوء طفح جلدي، وآفات جلدية (Sibanda, E. N. et al. BMJ Glob. Health 3, e000697; 2018).

المبدأ الثاني: هو أننا ننقل مركز ثقل صناعة القرارات المتعلقة بالبحوث الصحية الأفريقية إلى أفريقيا نفسها، حيث ينبغي له أن يكون، إذ إنّ الجانب الأكبر من عملنا – و80% من إنفاقنا – يحدثان في أفريقيا. وقد وقفتُ شاهدة على مشروعات كثيرة يُرصَد فيها معظم الأموال المخصصة للأبحاث، لمختبرات تقع في دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية، أو تنفق على رواتب الباحثين من خارج أفريقيا.

 المبدأ الثالث: هو أننا نسعى جاهدين لنكون منصفين، حيث يشكل الخبراء الأفريقيون معظم مجلس إدارتنا، ولجنة التوجيه، والفريق الاستشاري الخارجي. كما أن الباحثين المقيمين في أفريقيا هم الباحثون الرئيسون في 9 بحوث من أصل 14 بحثًا نشرناها في العامين الماضيين.

أما المبدأ الرابع، فهو أننا نسعى إلى الشمولية، إذ يقوم كل شريك في بداية كل مشروع بإشراك أصحاب المصلحة، بدءًا من المجتمعات المتضررة، إلى وزارات الصحة الوطنية. ويتمتع جميع شركائنا بالقدرة على الاستفادة من أنشطة التدريب، وبناء القدرات الخاصة بنا. وهنا، نسأل بوضوح: كيف ستوجِّه نواتج مشروع ما عملية صنع القرار المحلية، وكيف ستعود بالنفع على السكان المحليين.

هذه المبادئ تكون في الأغلب مادة للحديث، ولا تُترجَم إلى أفعال. وقد شهدتُ بنفسي لجانًا تُراجِع طلبات التمويل المتعلقة بالصحة العالمية، أو البحوث الطبية في أفريقيا، من دون أن تتضمن أي شخص من بلد متضرر. وحتى عندما يُعطَى الخبراءُ المحليون مسؤوليات ملائمة، فإن شروط التوثيق ومكافحة الفساد، غالبًا ما تتجاوز بكثير ما هو مطلوب في بلدان المُموِّلين الأصلية. والانخفاض الواضح في مستوى التوقعات من العلماء الأفريقيين، والمؤسسات البحثية الأفريقية، لهُوَ عبء يماثل بالضبط هذه البيروقراطية الزائدة عن الحد. وقد بدأ هذا النمط في التغيّر، لكن وتيرة هذا التغيير يجب أن تتسارع.

تنطبق المبادئ الأربعة أيضًا على بناء القدرات المؤسسية، لكنْ تفرض غالبية جهات التمويل نُهُجها الخاصة على قضايا مثل المراجعة الأخلاقية، والإدارة المالية، وأمن البيانات. ومن ثم، فإن معرفة الأنظمة القائمة بالفعل، وتعزيز المؤسسات البحثية حسب الحاجة، سيكونان أكثر فعالية. وتُعد أداة «الممارسات الجيدة للمنح المالية» The Good Financial Grant Practice، التي أطلقتها الأكاديمية الأفريقية للعلوم خلال العام الماضي، نموذجًا ممتازًا للشراكة المنتِجة، القائمة على الاحترام.

ومن الآن فصاعدًا، يجب على المجتمع الدولي أن يركز على ما تقدمه الجهود البحثية بقيادة أفريقية، ألا وهو ثقافة عمل مختلفة، تتمحور حول الفجوات المعرفية، وتحقيق التأثير المنشود، وهي ثقافة يجد العلماء الغربيون - في الأغلب - صعوبة في إرسائها. وتثمر هذه العقلية بطبيعة الحال عن تعاوُن، وإنتاج علوم عالية الجودة. ويتطلب مِنِّي عملي على مرض البلهارسيا - على سبيل المثال - العملَ مع علماء محليين، ومسؤولين حكوميين، وعاملين في مجال الصحة بالريف، وكذلك مع معلمين، وأمهاتٍ، وغيرهم من مقدمي الرعاية.

وبالإضافة إلى ذلك.. تؤسس البحوث ذات القيادة الأفريقية كذلك لعنصر الاستدامة. ويجب أن يفوق الدعم المحلي أي خطة مشروع أو تمويل بعينها. وقد دعمت جهات تمويل عديدة عملي في زيمبابوي. وأنا أشعر بالامتنان لها جميعًا، لكنني أدرك أن الاستمرارية، وتحقيق أفضل تأثير يتطلبان التزامًا محليًّا. ولحسن الحظ، تُعَزِّز هذه العملية نفسها بنفسها. فقد أثمر النهج التعاوني الذي تبنّيناه عن دعواتٍ للإسهام في مبادرات استراتيجية - مثل صياغة «استراتيجية البحوث والابتكار في مجال الصحة» HRISA، التابعة للاتحاد الأفريقي، للفترة ما بين عامي 2018- 2030، التي جرى إطلاقها خلال نوفمبر الماضي، فضلًا عن وضع خرائط طرق؛ لتعزيز النظم الصحية الوطنية، وسياسة اللقاحات على مستوى القارة.

إنّ الشراكات ذات القيادة المحلية مسألة ضرورية للحصول على المعارف المهمة، وكذلك للوصول إلى التغيير المستدام. وتعتمِد الصحة في قارة أفريقيا والعالَم على تحقيق ذلك.

فرانسيسكا موتابي نائبة مدير وحدة البحوث الصحية العالمية لمعالجة العدوى لصالح أفريقيا في جامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة، وهي وحدة تابعة للمعهد الوطني للبحوث الصحية.

البريد الإلكتروني: f.mutapi@ed.ac.uk