افتتاحيات

مشاركة آخر اكتشافاتها مع علماء المصريات قد يعود بالفائدة على مصر

يتوق العلماء في كل مكان إلى المشاركة في دراسة الاكتشافات المثيرة من مصر القديمة.

  • Published online:
كانت الشهور القليلة الماضية حافلةً بالأحداث لعلماء المصريات. ففي الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر الماضي، أُعلِنَ في مقبرة ضخمة بسقارة، جنوب القاهرة، عن اكتشاف مجموعة من الحيوانات المحنطة، تتضمن بقايا أشبال أسود، ويعود تاريخها إلى الأسرة الحاكمة السادسة والعشرين في مصر القديمة (من عام 664 إلى عام 525 قبل الميلاد).

وفي شهر أكتوبر الماضي، كشف المسؤولون عن العثور على 30 تابوتًا مغلقًا ومحتوياتها البشرية المحنطة في مقبرة العساسيف بالقرب من الأقصر. ويُعتقد أنَّ هذه التوابيت ذات صلةٍ بكهنة آمون، الذين شكّلوا أحد مراكز القوة في مصر القديمة في القرن العاشر قبل الميلاد. ومن المقرر الإعلان عن اكتشافاتٍ أخرى في مصر في شهر ديسمبر الحالي، وفقًا لما ذكره وزير الآثار المصري خالد العناني.

وفي تصريحاتٍ لدورية Nature، في شهر نوفمبر الماضي، عبَّر الباحثون الذين حضروا المؤتمر السنوي للرابطة الدولية لعلماء المصريات بالجيزة عن حماسهم تجاه هذه الاكتشافات، لكنَّ بعضهم أعرب - في الوقت نفسه - عن خيبة أمله إزاء قرار الحكومة المصرية بقَصْر إتاحة دراسة المكتشَفات على الباحثين في المؤسسات المصرية، على الأقل في الوقت الحالي، إذ لن تُوجَّه دعواتٌ مفتوحة لتقديم مقترحات بحثية لدراسة هذه الاكتشافات، مثل تلك الدعوات التي تنشرها المتاحف ووكالات التمويل عادةً؛ لجذب أفضل الأفكار والخبرات.

والحكومة المصرية لديها حججٌ مقبولة تبرِّر حَذَرها من السماح بأي مشاركةٍ دولية جديدة في دراسة تراثها. ففي خلال الحقبة الاستعمارية، استُوليَ على بعضٍ من أثمن القِطَع الأثرية المصرية، وانتهى الأمر بكثيرٍ من تلك القِطَع الأثرية في أبرز المتاحف الأوروبية.

وكانت آخِر مرةٍ اكتُشِفَ فيها عددٌ كبير من التوابيت والمومياوات في عام 1891 في موقع خبيئة باب القُسوس (أو القساوسة) بالقرب من الأقصر. وبعضٌ من التوابيت الباقية من هذا الاكتشاف موجود الآن في المتحف الوطني للآثار بمدينة لايدِن الهولندية، وفي الفاتيكان. وبالإضافة إلى ذلك.. طالَب وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس - لمدةٍ طويلة - بإعادة حجر رشيد، الموجود في المتحف البريطاني بلندن منذ أكثر من مائتي عام.

إلا أنّ عِلْم المصريات اليوم يختلف كثيرًا عما كان عليه في الماضي، إذ تستضيف مصرُ المئات من فِرَق علماء الآثار من متاحف وجامعاتٍ في شتى أنحاء العالم، حيث تعمل هذه الفِرَق بالاشتراك مع جامعات مصر وحكومتها. وفي مؤتمر علماء المصريات، الذي عُقد في شهر أكتوبر الماضي، كان كلٌّ من حواس، والعناني من المتحدثين الرئيسين.وهناك أيضًا نماذج كثيرة للتعاون البحثي، فيمكن لمصر، على سبيل المثال، أن تطلق دعوةً لتقديم المقترحات البحثية، تدعو فيها الباحثين الدوليين للإسهام - كباحثين مشاركين - في اتحاداتٍ بحثية تقودها مصر.

إنّ كلّ أُمّةٍ هي الوصية على تراثها، وهذا حقٌّ ينبغي ألَّا يُسلَب مجددًا. وفي الوقت نفسه، نجد أنّ تاريخ مصر الثري، الذي يشمل حضاراتٍ عديدة، هو مِثالٌ على الكيفية التي يزدهر بها العلم والبحث عندما تُذلَّل غالبية العقبات التي تواجهها المواهب. ولهذا السبب.. فحين ترى مصرُ الوقت ملائمًا، ينبغي لحكومتها أن تنظر في دعوة المزيد من الباحثين من خارج البلاد للعمل مع باحثيها، والسماح لهم بالإسهام في دراسة أحدث الاكتشافات من ماضي البلاد الساحر.