تحقيق إخباري

أدوية عند الطلب

ربما تتمثل الثورة الكبيرة القادمة في مجال الصناعات الدوائية في أنظمة إنتاج مُصغَّرة؛ ضئيلة الحجم بما يكفي لحَمْلها في حقيبة يد.

كاري أرنولد

  • Published online:
يتطلع جوفيند راو إلى إنتاج أدوية معقدة التركيب سريعًا باستخدام نظام إنتاج محمول صغير الحجم.

يتطلع جوفيند راو إلى إنتاج أدوية معقدة التركيب سريعًا باستخدام نظام إنتاج محمول صغير الحجم.

Rosem Morton for Nature

يلتقي جوفيند راو بزُوّار مختبره، الذي يقع خارج مقاطعة بالتيمور مباشرة، مُستقبلًا إياهم بشيئين: مصافحة حارة، ورسم بياني. وقُبيل اكتمال التعارف مباشرة، يصطحب راو الضيوف إلى داخل مكتبه الذي لا يحوى أيّ نوافذ في جامعة ميريلاند بمقاطعة بالتيمور(UMBC)، ويعرض رسمًا بيانيًّا على حاسبه المحمول المُتهالِك. وفي ذلك الرسم، يَظهر خط مائل شديد الانحدار، يتتبع معدلات الإنفاق على الصحة في الولايات المتحدة على مدار السنوات الأربعين الماضية.

ويتساءل راو: "إن الخط يرتفع أكثر فأكثر.. فكم من الأرواح يُكلِّفنا ذلك؟"

يكمن الحل الذي يطرحه راو في حقيبة أنيقة من الفولاذ المقاوِم للصدأ، مستقرة فوق طاولة موجودة في الجهة المقابلة لمكتبه. يدفع راو مزلاج الحقيبة، ويفتح غطاءها؛ ليكشف لنا عن سلسلة من الصناديق السوداء، كلّ منها في حجم قبضة اليد، متصلة جميعها ببعضها بعضًا. وتمتلئ الصناديق بِقَنانٍ، كلّ منها في حجم مشبك الورق، وتُغذيها محاقن، وتصل بينها أنابيب بلاستيكية شفافة، لا يزيد سُمك الواحدة منها كثيرًا عن سُمك شعرة آدمية، فإذا أضفنا مصدرًا للكهرباء، وبعض أجزاء الخلايا المجففة بالتجميد، وقليلًا من الحمض النووي، فإن هذه الأجهزة المحمولة تُتيح لأي شخص أن يبدأ في صنع أدوية متطورة، مقابل بضعة دولارات فقط. ويحمل هذا النظام اسم "أدوية حيوية عند الطلب" Bio-MOD. ويقول راو إنه نظام لديه القدرة على تغيير اتجاه المنحنى شديد الانحدار على شاشة حاسبه المحمول.

لا ينفرد راو بهذا العمل.. فهناك فِرَق بحثية عديدة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبريدج، وجامعة فيرجينيا كومنولث (VCU) في ريتشموند، ومستشفيات في أمريكا اللاتينية وأوروبا تعكف منذ فترة على إجراء تجارب لإنتاج أدوية عند الطلب. وتُمثِّل النُّظم الأولية التي تستخدمها تلك الفِرَق ثورة شاملة في مجال صناعة الأدوية.

اعتمدت صناعة المستحضرات الصيدلانية - على مدار تاريخها - على اقتصادات الحجم، حيث تُمزج مئات اللترات من الكواشف في غُرَف تفاعل ضخمة؛ لإنتاج ملايين الجرعات من عقار واحد. وعلى صعيد آخر..  يعمل نظام "أدوية حيوية عند الطلب"، والأنظمة ذات الصلة على تمرير كميات صغيرة من المواد الكيميائية عبر سلسلة من الغُرَف، كل منها في حجم إصبع الإبهام، يُمكنها أن تُنتِج مئات أو آلاف الجرعات من العديد من الأدوية، ويحدث كل هذا في أقل من 24 ساعة. وقد حظيت عدة فِرَق بحثية بدعم من الجيش الأمريكي لهذه الرؤية، إذ ضخّت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة  (DARPA)أكثر من 15 مليون دولار أمريكي لدعم صانعي الأدوية الذين ينتهجون مبدأ "صَمِّم بنفسك".

"المسألة تبدو جنونية، لكنها - في الوقت ذاته - منطقية"، حسبما يقول جيف لينج، مدير مشروعاتٍ سابق بوكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة، الذي أسهم في تدشين بعض المِنح، ويرى أن هذه الأنظمة ضرورية للأطباء الذين يعملون في بعض البيئات الأكثر صعوبة في العالم. ويُشبِّه لينج هذه الأنظمة بالطابعات ثلاثية الأبعاد، التي تعمل على تجميع الأدوية - مثل المضادات الحيوية، أو الأجسام المضادة لعلاج أمراض المناعة الذاتية - أو الإنسولين اللازم لمرضى السُّكَّري. ويُفترض أنْ تعزز سهولة حمل تلك الأجهزة وسهولة نقلها القدرةَ على توصيل الأدوية المطلوبة بشدة إلى من أُضيروا بسبب حروب، أو كوارث.

ويقول المتشككون إن نظام "أدوية حيوية عند الطلب" فكرة مثيرة للاهتمام، لكنه سوف يتطلب إصلاحًا شاملًا للبيروقراطية التنظيمية الخاصة بالعقاقير. وقد كافح فريق راو وفريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كلاهما من أجل تنقية منتجاتهما النهائية، بحيث تضاهي الأدوية المُنتَجة على دُفعات. وإضافة إلى ذلك.. تتكلف هذه الآلات نفسها ملايين الدولارات، ولذا.. فهي ليست في متناول كثيرين ممن يحتاجون إليها، على الأقل في الوقت الراهن. والسؤال المطروح هو: هل بإمكان المهندسين - من أمثال راو - التغلب على هذه العقبات؟

تأمل كلوديا فاكا جونزاليس - اختصاصية علم الأدوية بجامعة كولومبيا الوطنية في بوجوتا - أن يتمكنوا من ذلك. وتقول جونزاليس: "إن الأدوية العشرة الأكثر تكلفة في بلادنا هي العلاجات الحيوية للسرطان. وقد كانت هذه الأدوية دائمًا باهظة التكلفة على نحوٍ لا تُطيقه البلدان النامية، أما الآن، فقد أصبحت فوق قدرة الدول الغنية أيضًا".

العبقرية، وترشيد الإنفاق

يصف راو نفسه بأنه مهندس ومخترع، لكنْ يروق له أيضًا أن ينعت نفسه قائلًا: "إنني أقل أسعارًا". هكذا يعرِّف نفسه وهو يضحك بشعور من الكبرياء المختلط بالخجل، كشخص تمكَّن من الاحتفاظ بشاحنته الصغيرة القديمة من طراز «تويوتا»، حتى قطع بها حوالي 300 ألف كيلومتر على الطريق.

ويبدو أن العبقرية والاقتصاد ضاربان بجذورهما في أسرة راو، فقد ظل جدُّه يقتصد ويدخر المال على مدار عدة سنوات؛ للقيام برحلة طويلة إلى لندن من بلدته التي كانت تُعرَف في ذلك الحين باسم «مِدراس» في الهند، وذلك من أجل خوض امتحان الخدمة المدنية البريطاني في عام 1927. وعلى الرغم من نجاحه في ذلك الامتحان، إلا أن المملكة المتحدة كانت قد استوفت حصّتها من الموظفين الهنود؛ ولذا.. تم استبعاده. وعوضًا عن ذلك.. التحق الجدُّ بكلية لندن الجامعية؛ من أجل دراسة الهندسة. وكان يملك القليل من المال، وقد اعتاد أن يُسجِّل دخله ونفقاته في دفتر يوميات صغير، لا يزال راو يحتفظ به في دُرج مكتبه العلوي. وقد فتح راو بعناية هذا الدفتر، الذي فقد غلافه الجلدي الأسود، ليكشف عن صفحات قديمة اصفَّر لونها، تتضمن نصًّا مكتوبًا بخط أنيق. وتشمل البنود المُدرَجة كل شيء، بدءًا بتكلفة الكتب (5 جنيهات إسترلينية)، وانتهاءً بتكلفة الحصول على حمام ساخن، وهي (شِلِنان).

عاد الجدَّ في النهاية إلى الهند، ونقل إلى ذُريته ذلك الحرص والوعي بالتكاليف المالية، وكذلك شغفه بالهندسة. فعندما كان راو لا يزال في سن المراهقة في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، صنع أول مذياع من ابتكاره، عن طريق تجميع القطع المكونة للمذياع من متاجر الإلكترونيات، وقد تبيَّن أن ذلك الجهاز كان أقل سعرًا وأكثر ثقةً فيه من الأنواع التجارية السائدة حينذاك. وعندما التحق راو بالمعهد الهندي للتكنولوجيا(IIT)  في مدراس (المعروفة حاليًّا باسم تشيناي)، بدا أمرًا مفروغًا منه أنه سوف يصبح مهندسًا.

وسواء في المعهد الهندي للتكنولوجيا، أو أثناء السعي للحصول على درجة الدكتوراة في الهندسة الكيميائية من جامعة دريكسل في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، ازدهر راو في ظل بيئة هيّأت له أسباب النجاح، وامتلك فيها الموارد اللازمة لتصميم مُستشعِراتٍ؛ من أجل إجراء التفاعلات الكيميائية، لكنه وجد أيضًا أن عمله لم ينطو على أيّ محاولة للتعامل مع مسألة تكلفة تلك الأجهزة. فلما عاد بذاكرته إلى حياة الفقر المدقع، التي شهدها في الهند، أدرك أنه لا طائل من التكنولوجيا، إنْ لم يكن بمقدور المرء أن يتحمل تكلفتها. وبعد حصوله على درجة الدكتوراة في عام 1987، عُيِّن في مركز تكنولوجيا الاستشعار المتطورة(CAST) ، التابع لجامعة ميريلاند بمقاطعة بالتيمور (UMBC)، الذي لا يزال يعمل به منذ ذلك الحين. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، وهب راو نفسه لقضية ابتكار مستشعرات كيميائية منخفضة التكلفة، واستخدام تلك الأجهزة وغيرها من الإبداعات البسيطة في حل مشكلات الحياة الواقعية. ومن بين اختراعات راو: ابتكار حضَّانة للأطفال المبتسرين، مصنوعة من الورق المُقوَّى، تُستخدم لمرة واحدة، وهو يختبرها حاليًّا في تجربة إكلينيكية في الهند، وكذلك ابتكار مُستشعِر تألقي؛ لقياس سُكر الدم، يمكن لمريض السُكَّري ارتداؤه في الفلبين.

وحول ذلك.. تقول لياه تولوسا، زميلة راو، والمدير المساعد لمركز تكنولوجيا الاستشعار المتطورة: "يمتلك راو في جعبته كل هذه الأفكار المجنونة. ولذا.. فالعمل معه مليء بالمفاجآت، لكنه أيضًا مريح للغاية".

وحتى فيما يخص مساحة مختبر المركز، نجدها تعكس روح ترشيد الإنفاق به، إذ يقع في حي سكني يضمُّ مجموعة من البيوت الخفيضة المبنية من الطوب، التي تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية، ويشغل المركز سرداب مبنى صغير، كان يُستخدم كمقر لاحتجاز الأحداث في أوائل القرن العشرين. ويقع مختبر راو في المطبخ السابق للمبنى، ويكتظ بمعدات عتيقة، وتصميمات غير مكتملة. وفي هذه المساحة الصغيرة، نجح راو في اختراع الجهاز الذي يزهو به أكثر من أي ابتكار آخر له، وهو اختراع كان ثمرة محادثاته مع لينج، الذي التقى به للمرة الأولى في عام 2012.

ففي عام 2003، وبحكم عمل لينج طبيبًا لدى الجيش الأمريكي في باجرام في أفغانستان، كان كثيرًا ما يواجه مشكلة تتعلق بتوفير الأدوية للجنود والمدنيين الذين كان يعالجهم. ويذكر - على وجه الخصوص - جنديًّا أمريكيًّا كان قد أصيب بجرح في الرأس، وعانى ضغط دم ونبضًا غير مستقرَّيْن. وكانت حالته - في الواقع - بسيطة، يمكن علاجها بسهولة باستخدام عقار متداوَل يُسمَّى «بروموكريبتين»، لكنّ ذلك العقار لم يكن متوفرًا في المستشفى. ولكي ينقذ لينج مريضه، طلب من سلاح الجو الأمريكي جلب العقار جوًّا من لاندشتول في ألمانيا.

ويقول لينج: "كان الدواء رخيص الثمن، لكنه تكلَّف مبلغًا باهظًا، بالنظر إلى تكلفة وقود الطائرة التي حملته".

وكان لينج - الحاصل على درجة الدكتوراة في علم الصيدلة - على اقتناع بأنه لا شك أن هناك طريقة أفضل لتوصيل الأدوية إلى جبهات القتال. وأدرك أنه لو توفرت الوصفة الطبية السليمة والمكونات، فلربما أمكنه تحضير عقار البروموكريبتين بنفسه. وظلت الفكرة عالقة في ذهنه، حتى عندما انتقل إلى وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة في عام 2004. وفي عام 2012، عندما كُلِّف برئاسة قسم التكنولوجيا الحيوية الجديد بالوكالة، قرَّر أن ينفذ تلك الفكرة على أرض الواقع؛ فشرع في التواصل مع المختبرات؛ بهدف استيفاء طلب  بالغ الصعوبة، هو: إنشاء صيدلية محمولة، يمكنها إنتاج ألف جرعة من الأدوية عالية الجودة في غضون 24 ساعة.

كبر الصورة

وقسَّم لينج التحدي إلى قسمين: أحدهما يتعلق بالعقاقير القائمة على جزيئات صغيرة، يتم إنتاجها باستخدام الكيمياء العضوية التقليدية، والآخر يتعلق بالأدوية الحيوية التي تُصنَع في المعتاد باستخدام خلايا حية. وتولَّى فريق من المهندسين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا زمام المبادرة على الفور بابتكاره نظامًا لتصنيع الأدوية القائمة على جزيئات صغيرة، وهو نظام جرى تسليمه لاحقًا إلى مختبر توماس روبر، عالِم الكيمياء العضوية التخليقية في جامعة فيرجينيا كومنولث. ووجد روبر، الذي انتقل إلى ذلك المختبر بعد 22 عامًا أمضاها في شركة «جلاكسو سميثكلاين» لصناعة الأدوية، أن العقد المطروح من وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة يُعَد فرصة لإحداث تغيير جذري في صناعة تتميز في العادة بطابعها المحافظ.

فيقول روبر: "كان هذا تحديًا كبيرًا. فقد تعيَّن علينا معرفة ما إذا كان النظام مناسبًا لصناعة أدوية للبشر، أم لا."

وكان لذلك المسعي بُعد شخصي فيما يخص راو، الذي كان قد شهد مؤخرًا زميلًا له يواجه خطر الإفلاس في سعيه لدفع ثمن دواء تتلقاه زوجته المصابة بالسرطان، وكان الدواء من عامل بيولوجي يُعرَف بعامل تحفيز مُستعمرات الخلايا المُحبَّبة (GCSF)، وهو يساعد على تجديد مخزون الجسم من خلايا الدم البيضاء.

وقد اعتقد راو - بوصفه مهندسًا كيميائيًّا - أنّ بإمكانه أن يجد طريقة أفضل وأقل تكلفةً لصناعة الأدوية التي تُعطى بوصفة طبية. لذا.. بعدما علم من قراءاته باهتمام وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة بفكرة الأدوية الحيوية عند الطلب، تَواصَل مع لينج؛ لمعرفة المزيد، لكنّ راو كان مترددًا أيضًا؛ فعدد الأجزاء المتحركة التي يجب أن تعمل جنبًا إلى جنب دون أدنى خلل في كل مرة، لكي ينجح مثل هذا النظام، كان كبيرًا للغاية إلى حدّ أصابه بالحيرة. ولما استشعر لينج مخاوف راو، أشركه في رؤيته الثانوية للمشروع، ألا وهي توفير مصدر بديل منخفض التكلفة للأدوية المنقِذة للحياة.

اعتدل راو في جلسته وقد بدا عليه الاهتمام. فقد أشبع المشروع كلًّا من نزوعه إلى المثالية، وميله الفطري نحو ترشيد الإنفاق. ويذكر أن الصمت خيّم عليه آنذاك وهو يفكر في صراع زميله مع الأسعار التي حدَّدتها شركات الأدوية، ثم أردف قائلًا: "هيا بنا نزيحهم عن هذا العمل".

خطوط التجميع

تتطلب فكرة الأدوية عند الطلب إعادة النظر في مسألة صناعة الأدوية من الألف إلى الياء. فمنذ أن بدأت عمليات الإنتاج الضخم للأدوية، اعتمد المُصنِّعون على كيمياء الإنتاج على دفعات. وفيما يخص الأدوية الشائعة التي تمتاز بالثبات والاستقرار في درجة حرارة الغرفة، وذات فترة الصلاحية الطويلة، كانت تلك - وما زالت - الطريقة الأنجح من الناحية الاقتصادية في إنتاج الأدوية.

ولتلك الاستراتيجية بعض العيوب، فهي مثلًا تستهلك وقتًا طويلًا، وتتميز بالمركزية، نظرًا إلى أن الشركات تقوم بتخليق أو شراء السلائف الكيميائية، وشحنها إلى مصنع كبير، وإجراء عدد كبير من التفاعلات في أحواض ضخمة، ثم معالجة المنتَج النهائي، وتنقيته، وتحليله. وحينئذ فقط يمكن أن يفي الدواء بمعايير الجودة والنقاء التي وضعتها هيئات بعينها، مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، فضلًا عن أن إدارة التقلبات التي تتعرض لها سلاسل التوريد العابرة للقارات، واللوائح التنظيمية تعني أن الدواء قد يستغرق أكثر من 12 شهرًا للوصول إلى رفوف المتاجر. كما أن زيادة الإنتاج؛ للمساعدة خلال الأزمات قد لا تسنح على الدوام. وفوق ذلك.. يكون النظام عُرضة للاضطراب في حال عجز حلقة واحدة من السلسلة عن العمل، لكنْ على مدار العقد الماضي، ظل الكيميائيون المتخصصون في المستحضرات الصيدلانية ينفقون الجهد والمال؛ سعيًا لإيجاد بديل.

وتتضمن هذه الاستراتيجية المعروفة بتخليق الأدوية بالتدفق المستمر ضَخّ اثنين أو أكثر من الكواشف خلال سلسلة من الغرف الصغيرة المتصلة ببعضها بعضًا بواسطة أنابيب رفيعة مرنة. ويخلق هذا سلسلة متواصلة من التفاعلات مع تحرُّك المواد الكيميائية عبر النظام. وتعمل مُستشعِرات متنوعة على مراقبة سير التفاعلات ودرجة نقائها، مع إدخال تغييرات على التدفق، وكميات الكواشف؛ بهدف تهيئة الظروف المُثلى لتخليق الدواء. ويُشبِّه تيموثي لُو - اختصاصي البيولوجيا التخليقية، والمهندس بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - تلك العملية بخطوط التجميع التي أحدثت ثورة في عالَم الصناعات التحويلية قبل قرن.

وحول ذلك.. يقول لُو: "إنها محاولة لتجاوز حدود السرعة التي نفعل بها الأشياء. وتمتاز تقنية التدفق المستمر أيضًا بقدرتها على مراقبة الجودة على مدار الوقت".

وكانت معالجة التدفق المستمر هي الطريقة الوحيدة لتلبية رغبة وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة فيما يخص توفير أنظمة محمولة وقادرة على إنجاز العمل في غضون 24 ساعة.

وبحلول عام 2016، كان فريق متخصص في تخليق الجزيئات الصغيرة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد أنشأ منظومة في حجم الثلاجة، تضم وحدتين، تحتوي الوحدة الأولى على مكونات يمكن فصلها وتركيبها بسهولة، مثل حاويات البُن بماكينات القهوة، لتخليق واحد من أربعة أدوية مختلفة: «ديفينهيدرامين»، وهو مضاد للهيستامين؛ و«ليدوكايين»، وهو مُخدر موضعي؛ و«ديازيبام»، وهو مهدئ؛ و«فلوكسيتين»، وهو مضاد للاكتئاب. أما الوحدة الثانية، فمُهمتها تنقية المُركَّب، ومعالجته، وإعداده في صورة محلول يمكن إعطاؤه للأفراد. ومن الجدير بالذكر أنه في عام 2018، انضم روبر إلى الفريق، وانتقلت عملية تصنيع هذه المنظومة إلى جامعة فيرجينيا كومنولث؛ لإجراء مزيد من التحسينات. وبمجرد أن وصل الفريق البحثي إلى فرجينيا، نقل أفراده تركيزهم إلى إنتاج أقراص «سيبروفلوكساسين»، وهو من المضادات الحيوية.

ويقول روبر إن متطلبات وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة جعلت المهمة صعبة من الناحية التقنية، ويضيف قائلًا: "كان يُشترط ألا تتعدى نسبة الشوائب 0,1%، وهو شرط يصعب للغاية استيفاؤه".

أما بالنسبة إلى مشروع الأدوية الحيوية عند الطلب، فقد مَنحت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة عقودًا لكل من فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (ويرأسه لُو، والمهندس الكيميائي كريستوفر لاف)، ومختبر راو بجامعة ميريلاند بمقاطعة بالتيمور. وقد قرَّر لُو ولاف استخدام نوع من الخميرة، يُسمَّى Pichia pastoris في نظامهما. ويمكن تعديل تلك الخميرة هندسيًّا، بحيث تُفرِز كميات كبيرة من العقاقير. ونظرًا إلى أنها تتسم بالكثير من الآليات الخلوية المعقدة التي يمتلكها البشر، فبإمكانها أن تُخلِّق مبُاشرةً بروتينًا فعَّالًا شبيهًا بالبروتين البشري. وبعد عدة أشهر من الإصلاحات والتحسينات، حقَّق النظام نجاحًا؛ دفع لُو إلى أن يبدأ العمل في إنتاج العديد من الأدوية الحيوية في آنٍ واحد، وذلك لتبسيط إنتاج أنواع خلائط الأدوية المُستخدَمة في علاج فيروس نقص المناعة البشرية، أو السرطان.

أما راو، فقد قرر الاستغناء عن الخلايا الحية مؤْثِرًا الاعتماد على مُستخلصات خلوية مُجفَّفة بالتجميد، وهي: الحمض النووي الريبي، والحمض النووي، والإنزيمات، وشظايا من الشبكة الإندوبلازمية، فضلًا عن شبكة أنابيب مُرصَّعة بالريبوسومات، تُصنع فيها البروتينات ("أي كل شيء، ما عدا الغشاء، والنواة"، على حد قول راو). ويُشبِّه راو نظامه بعملية خَبز الكعك باستخدام خليط الكعك الجاهز، الذي نشتريه من المتجر (انظرالشكل: "صناعة الأدوية الحيوية في حقيبة يد"). ويقول مايكل جيويت - اختصاصي البيولوجيا التخليقية من جامعة نورث ويسترن في إيفانستون بولاية إلينوي - إن النظام الخالي من الخلايا يتمتع بمدة صلاحية تصل إلى عامين، وهذا يمنحه قدرًا من التميز، حتى على الخلايا الأسرع نموًّا. أما الميزة الرئيسة الأخرى، فتتمثل في أن مكونات الخلايا المُجففة بالتجميد تُخرِج منتَجًا أكثر اتساقًا، على حد قوله. ويضيف قائلًا: "الأنظمة الخالية من الخلايا أقرب نوعًا ما إلى الكيمياء منها إلى البيولوجيا".

ومع ذلك.. لم يكن المشروع يسير بسلاسة تامة، فالمنهجية الخالية من الخلايا تتطلب خطوات تنقية إضافية لإزالة المخلفات، كما أن الأنابيب الرقيقة في النماذج الأولية لراو قد تعرضت لفقاعات هواء تداخلت مع التفاعلات؛ وأعاقتها. فكانت زيادة الضغط في النظام إجراءً مفيدًا في ذلك الصدد. وقد ارتبط النجاح الأول الذي حقَّقه راو بتحضير عامل تحفيز مستعمرات الخلايا المُحبَّبة، وهو الدواء المعتمِد على بروتين، أوشك بسببه زميله على الإفلاس، إذ تمكَّن نظام راو من تحضير عامل تحفيز مستعمرات الخلايا المحبَّبة بدرجة النقاء نفسها، التي تتسم بها المنتجات المتاحة تجاريًّا. (R. Adiga et al. Nature Biomed. Eng.2, 675–686; 2018)، كذلك أظهرت الاختبارات اللاحقة التي اُجريت على الحيوانات، والتي لم تُنشَر بعد، أنّ عامل التحفيز الذي أنتجه كان بالفعالية نفسها.

هذه الإنجازات هي بمثابة علامات بارزة على الطريق، لها أهميتها في إحراز تقدُّم لدى الهيئات التنظيمية الفيدرالية، وفقًا لما يراه لُو، وراو، وروبر. فلا تزال المجموعات الثلاث تتحاور مع مسؤولين في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، التي أعربت عن اهتمامها وتحمُّسها للتصنيع بنظام التدفق المستمر، وللتصنيع عند الطلب. ومع ذلك.. لم تتضح بعد المعايير التي ستستخدمها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في تقييم تلك الأجهزة، وكيف ستضمن استمرارية جودة الدواء. وعلى الرغم من أن شركةً تُدعى «سوترو بيوفارما» Sutro Biopharma - يقع مقرها في جنوب سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا - قد بدأت في اتخاذ خطوات اعتماد الأدوية التي تُنتَج بعملية تصنيع خالية من الخلايا، لم تُطرح بعد في الأسواق أية أدوية صُنعت بهذه الطريقة.

ومن بين العيوب الرئيسة لمنصة راو، الخالية من الخلايا، أنها غير قادرة على إضافة جزيئات السكر وغيرها من المجموعات الكيميائية إلى البروتينات والجزيئات الحيوية بالطريقة نفسها التي تستطيع بها الخلايا المُعقَّدة فِعْل ذلك، حسبما يقول جيمس كولينز، اختصاصي الهندسة الحيوية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي أسهم في ابتكار تقنيات خالية من الخلايا في إطار عمله في مجال البيولوجيا التخليقية قبل أكثر من عقد. وإلى أن يحين الوقت الذي يتحسن فيه أداء تلك الأنظمة لهذه المهام، سيظل عدد الأدوية التي يمكن تخليقها عن طريقها محدودًا، على حد قول كولينز.

وعلى الرغم من أن وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتطورة قدَّمت التمويل لأنظمة الإنتاج عند الطلب فيما يخص الأدوية المستخدَمة في ساحات المعارك، فإنّ لينج وراو متحمّسان للغاية بشأن الاستخدامات الإنسانية المحتمَلة لتلك الأنظمة، فالنظام الذي يُنتِج أدوية عند الطلب بمقدوره أن يُقلل من الحاجة إلى سلاسل التوصيل والتخزين تحت التبريد، التي تُستخدم عند نقل  لقاحات وعقاقير معينة - مثل الإنسولين - إلى المناطق النائية، أو المناطق المتضررة بالأزمات. وإذا أمكن إتاحة نظام إنتاج في حجم حقيبة اليد، مثل نظام راو، فسوف تتمكن المستشفيات والصيادلة من تخليق ما يحتاجون إليه من أدوية بالضبط؛ لا أكثر، ولا أقل.

ويظل هناك تساؤل جوهري حول ما إذا كان بمقدور تلك الأنظمة تخليق كمية كافية من الأدوية؛ لمواجهة كارثة ما، أم لا. وحول ذلك.. يقول كولينز: "إن فرص نجاح هذه الأنظمة مختبريًّا مُبشِّرة للغاية، لكنّ الأمر ما زال يتطلب مزيدًا من العمل".

ويقرّ راو صراحةً بأن نظام «أدوية حيوية عند الطلب» وغيره من الأنظمة المشابِهة يحتاج إلى إدخال تحسينات عليه. وقد بدأ راو بالفعل إجراء تجارب؛ لتصميم وحدات إضافية، من شأنها إحداث بعض التعديلات الكيميائية التي تشترطها شركات عديدة تنتج الأدوية الحيوية. كما يحاول راو إيجاد طريقة لربط عدة وحدات تخليق «أدوية حيوية عند الطلب» معًا؛ بهدف زيادة الإنتاج، على الرغم من أن هذا سوف يستغرق شهورًا من العمل، قبل أن يصبح  أي من التعديلين جاهزًا للاختبار.

وبينما يواصل راو جهوده، لم يتزحزح عن حُلْمه بتوفير أدوية بأسعار يمكن أن يتحمّلها جميع الأفراد في أي وقت، وفي كل مكان. ويتخيل راو أن تنجح تلك الأجهزة في إضفاء الطابع الديمقراطي على عمليات تصنيع الأدوية، وجعْل المستحضرات الصيدلانية في متناول الأفراد. وحسب قوله.. فهو يريد أن يمنح الأفراد "هيمنةً على وسائل الإنتاج". ويتوقف راو عن الكلام عندما تخطر تلك الفكرة برأسه، ثم يضحك قائلًا: "أظن أنني بَدَوْتُ لِتَوِّي مثل كارل ماركس، أليس كذلك؟"

كاري أرنولد صحفية علمية تُقِيم خارج ريتشموند بولاية فيرجينيا.