أنباء وآراء

سبر أغوار العلاقة بين المادة المضادة والمادة المظلمة

تتيح تجارب فائقة الدقة على البروتونات المضادة المحصورة فرصةً لفهم الفروق المحتملة بين المادة، والمادة المضادة. والآن، يمكنها أيضًا إلقاء الضوء على طبيعة المادة المظلمة — الكتلة «المفقودة» في الكون.

جيانباولو كاروسي
  • Published online:

مِن أكثر الألغاز المثيرة للفضول في علم الكون الحديث لُغْزان، هما الغلبة الظاهرية للمادة العادية على المادة المضادة، وطبيعة المادة المظلمة، التي تمثل حوالي 85% من الكتلة في الكون1. أفصحت المادة المظلمة عن وجودها فقط من خلال تأثيرات جاذبيتها على الأجرام الفلكية الفيزيائية. ولذلك، أيًّا ما كان نوع الجسيمات التي تتألف منها، فلا بد أن تفاعلاتها مع المادة الأخرى ضعيفة. وأحد الجسيمات المحتملة بقوة هو الأكسيون؛ وهو جسيم خفيف متعادل الشحنة، جرى افتراضه في الأصل لتفسير افتقار النيوترون إلى عزم2 كهربائي ثنائي القطب، قابل للقياس. وحتى الآن، دأب الباحثون على التفتيش عن أدلة على وجود تفاعلات ازدواج بين مادة الأكسيونات المظلمة، وجسيمات عادية فقط، مثل الفوتونات، والإلكترونات، والنوى4،3. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، استعرض سمورا وزملاؤه5 البحث عن التفاعل المزدوج بين مادة الأكسيونات المظلمة، والمادة المضادة (البروتونات المضادة على وجه التحديد).

يمكن تصنيف كل جسيم معروف إما كبُوزُون، أو كفرميون. والبوزونات لها عدد مغزلي (زخم زاويّ ذاتي) صحيح، وتتضمن الفوتون (مغزلية-1)، وبوزون هيجز (مغزلية-0). وعلى النقيض من ذلك، فالفرميونات لها عدد مغزلي نصف صحيح، وتتضمن الإلكترون (مغزلية-2/1). ومن المتوقع أن يكون الأكسيون بوزون بمغزلية-0 وتكافؤ فردي، مما يشير إلى أن دالته الموجية تغيِّر إشارتها في حال انعكاس الإحداثيات المكانية.

وعلى عكس المادة المظلمة الفرميونية (مثل المواد التي مِن المحتمَل أن تكون مواد مظلمة، والتي تسمى الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل، WIMPs)، لا يوجد حدّ لعدد الأكسيونات التي يمكن أن توجد في مساحة معينة من الفراغ. ونتيجة لذلك.. فإن مادة الأكسيونات المظلمة لها نطاق واسع للغاية من الكتل المحتملة. تضع القياسات الفيزيائية الفلكية حدًّا أقصى6 للكتلة، قيمته حوالي 10-2 إلكترون فولت (eV). يُعَبَّر عن هذه القيمة بوحدات طاقة، بحيث تبلغ كتلة الإلكترون 511 كيلو إلكترون فولت، وكتلة البروتون 938 ميجا إلكترون فولت (انظر: go.nature.com/2bwkrqz). ويأتي الحد الأدنى7 الذي تبلغ قيمته حوالي 10-22 إلكترون فولت من حقيقة أنه عند توصيف هذه الجسيمات كموجات في ميكانيكا الكَمّ، فإن أطوالها الموجية لا يمكن أن تكون أكبر من حجم مجرّة قزمة، وإلا، فإن هذه المجرّات ستبُدي انحرافات عن بِنْيتها المرصودة.

يمكن اعتبار الجسيمات المرتبطة بمادة الأكسيونات المظلمة بمثابة موجات كلاسيكية، لها تردد تذبذبي متناسب طرديًّا مع كتلة الأكسيون. وثمة العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها للبحث عن هذه االنوعية من الموجات، ويعتمد أكثرها ملاءمةً - في المقام الأول - على نطاق التردد الذي يجري النظر فيه. وبالنسبة إلى الأكسيونات التي لها كتل أقل من 10-17 إلكترون فولت (التي تتطابق مع تردد يبلغ عشرات المِلِّي هرتز)، تتذبذب الموجات المرتبطة بها ببطء شديد. وإذا حُوصرت البروتونات المضادة في المجال المغناطيسي القوي لجهاز يُعرف باسم «فخ بينينج»، فسوف تُحدِث هذه الموجات تغيرات في التردد الذي يحدث به اللف المغزلي للبروتونات المضادة.

شكل 1 | تقييد تفاعلات الأكسيونات مع البروتونات المضادة. ربما تفسر الجسيمات المعروفة بالأكسيونات طبيعة المادة المظلمة المراوِغة التي تسود الكون. يقدم سمورا وزملاؤه5حدودًا تجريبية للتفاعل المزدوج بين مادة الأكسيونات المظلمة، والبروتونات المضادة. يُعَبَّر عن هذه الحدود في ضوء مُعامِل تفاعل الأكسيون مع البروتون المضاد، وتختلف مع اختلاف كتلة الأكسيون أو تردده، إذا تم تمثيل الجسيم كموجة (إلكترون فولت، جيجا إلكترون فولت، هرتز). يمثل الحد المُركّب أقوى قيد يمكن أن تفرضه البيانات التجريبية. أَدرَج الباحثون حدًّا فيزيائيًّا فلكيًّا - حسب تقديرهم - للمقارنة. وتوضح المساحات الملونة والمقسَّمة فراغ المُعامِل المُستثنَى.

شكل 1 | تقييد تفاعلات الأكسيونات مع البروتونات المضادة. ربما تفسر الجسيمات المعروفة بالأكسيونات طبيعة المادة المظلمة المراوِغة التي تسود الكون. يقدم سمورا وزملاؤه5حدودًا تجريبية للتفاعل المزدوج بين مادة الأكسيونات المظلمة، والبروتونات المضادة. يُعَبَّر عن هذه الحدود في ضوء مُعامِل تفاعل الأكسيون مع البروتون المضاد، وتختلف مع اختلاف كتلة الأكسيون أو تردده، إذا تم تمثيل الجسيم كموجة (إلكترون فولت، جيجا إلكترون فولت، هرتز). يمثل الحد المُركّب أقوى قيد يمكن أن تفرضه البيانات التجريبية. أَدرَج الباحثون حدًّا فيزيائيًّا فلكيًّا - حسب تقديرهم - للمقارنة. وتوضح المساحات الملونة والمقسَّمة فراغ المُعامِل المُستثنَى.

كبر الصورة

تَستخدِم تجربةُ تَماثُل الباريونات والباريونات المضادة8 (BASE) بمختبر فيزياء الجسيمات الأوروبي «سيرن» بالقرب من جنيف في سويسرا هذه التقنية. ويَعتمِد عمل هذه التجربة على «فخاخ بينينج» فائقة الدقة، التي تستخدم تجهيزات مخصصة للمجالين؛ الكهربائي، والمغناطيسي؛ لحصر البروتونات المضادة في بيئة عالية التفريغ. تسهل هذه البيئة القياس المستمر للبروتونات المضادة لفترات طويلة من الزمن، ونَقْلها ذهابًا وإيابًا بين مختلف غرف القياس، دون الاصطدام بمادة عادية، وفَنائها. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسة للتجربة في تحديد العزم المغناطيسي الذاتي للبروتون المضاد. ومن الممكن حساب هذا القياس بدقة عالية للغاية باستخدام النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات؛ وهو التفسير الحالي لجسيمات الكون وظواهره.

في عام 2017، أجرى سمورا وزملاؤه قياسًا فائق الدقة للعزم المغناطيسي للبروتون المضاد (في حدود جزء واحد من المليار)9، مقيِّدين بذلك العديد من نظريات فيزيائية، باستثناء النموذج القياسي. اعتمدت فكرة طريقتهم على القياس المتزامن لحركة اللف المغزلي، وكمية تُسمَّى تردد المسرع الدوراني (سيكلوترون)، التي تصف الحركة الدورانية للبروتون المضاد داخل فخ. كانت هذه المهمة صعبة؛ لأنها تتطلب تحكمًا دقيقًا للغاية في جهاز يُعرَف باسم «الزجاجة المغناطيسية»، يتولى تحديد حالة اللف المغزلي للبروتون المضاد، دون تدميره. وفضلًا عن ذلك.. تَطَلَّب القياس الذي أجرته المجموعة مئات التجارب، التي استمرت كل منها لمدة ساعة تقريبًا، والتي أجريت على مدار عدة أشهر.

في الورقة البحثية الحالية، حلل سمورا وزملاؤه - الذين كان من بينهم أعضاء من مشروع تعاون تجربة تماثُل الباريونات والباريونات المضادة - البيانات المأخوذة من هذه التجارب، ورأوا أن الموجات المرتبطة بمادة الأكسيونات المظلمة، التي تذبذبت عند ترددات بين 10-8، و10-2 هرتز، من شأنها أن تزيح تردد حركة الغزل بدرجة صغيرة، ولكنْ قابلة للقياس، إذا كان تفاعل الأكسيونات مع البروتونات المضادة قويًّا بما يكفي. وعلى الرغم من عدم رصد أيّ إشارة أكسيونية، قيد سمورا وزملاؤه المُعامِل الذي يحدد تفاعلات الأكسيونات بالبروتونات المضادة بقِيَم أكبر من 0.1-0.6 جيجا إلكترون فولت في نطاق كتلة الأكسيون، المتراوحة بين 10-232 x ، و4 x  10-17 إلكترون فولت (شكل 1). هذه القيود أقوى بـ510 مرة من القيود الفيزيائية الفلكية (حسب تقدير الباحثين)، وهو ما يأخذ في الحسبان الطريقة المحتمَلة لتوليد الأكسيونات من البروتونات المضادة في المستعر الأعظم 1987A.

مِن المفترض أن تستهدف الأبحاث المستقبلية فَرْض المزيد من القيود على التفاعلات المزدودة بين الأكسيونات والبروتونات المضادة، والبحث عن أدلة على حدوث تفاعلات بين مادة الأكسيونات المظلمة، والصور الأخرى من المادة المضادة، مثل البوزيترونات (الجسيمات المضادة للإلكترونات). قد يكون أحد الاكتشافات الرئيسة التي توصلت إليها هذه الدراسات هي ملاحظة أن المادة المظلمة تتفاعل مع المادة المضادة بطرق مختلفة عن تفاعلها مع المادة العادية؛ وهو اكتشاف قد يساعد في تفسير غلبة المادة على المادة المضادة في الكون.

لقد سلط سمورا وزملاؤه الضوء على اتجاه آخِذ في التطور في فيزياء الطاقة العالية، يجري فيه استخدام القياسات فائقة الدقة؛ لتحديد مُعامِلات الجسيمات الأساسية، والبحث عن أدلة على فيزياء ما وراء النموذج القياسي. لقد تعرضت مادة الأكسيونات المظلمة - التي لها نطاق كتلة متوقع هائل، وتفاعلات مزدوجة من المتوقع أن تكون ضعيفة بشكل استثنائي – لقفزة هائلة فيما يتعلق بتقنيات الكشف المبتكرة. ويُعَد البحث عن تفاعل مزدوج مفضل لمادة الأكسيونات المظلمة مع المادة المضادة (كمقابل للمادة العادية) احتمالًا مثيرًا، وقد يثبت أنه مفتاح لحل العديد من الألغاز في علم الكون مع تطور التكنولوجيا.

References

  1. Planck Collaboration. Preprint at https://arxiv.org/abs/1807.06209 (2018).
  2. Kim, J. E. & Carosi, G. Rev. Mod. Phys. 82, 557–601 (2010).| article
  3. Graham, P. W., Irastorza, I. G., Lamoreaux, S. K., Lindner, A. & van Bibber, K. A. Annu. Rev. Nucl. Part. Sci. 65, 485–514 (2015).| article
  4. Stadnik, Y. V. & Flambaum, V. V. Preprint at https://arxiv.org/abs/1806.03115 (2018).
  5. Smorra, C. et al. Nature 575, 310–314 (2019).  | article
  6. Raffelt, G. G. in Axions: Lecture Notes in Physics Vol. 741 (eds Kuster, M., Raffelt, G. & Beltrán, B.) 51–71 (Springer, 2008).| article
  7. Hui, L., Ostriker, J. P., Tremaine, S. & Witten, E. Phys. Rev. D 95, 043541 (2017).| article
  8. Smorra, C. et al. Eur. Phys. J. Spec. Top. 224, 3055–3108 (2015).| article
  9. Smorra, C. et al. Nature 550, 371–374 (2017). | article

جيانباولو كاروسي عضو في مجموعة الكشف عن الأحداث النادرة بقسم العلوم الفيزيائية والحيوية بمختبر لورانس ليفرمور الوطني، ليفرمور، كاليفورنيا 94550، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: carosi2@llnl.gov