تعليقات

نطاق بصمة Nature: التأثير الواسع للأبحاث المتخصصة

أوضحت دراسة تحليلية جديدة أجريت احتفالًا بالذكرى المائة والخمسين لتأسيس دورية Nature، أن الأبحاث العلمية تتأثر اليوم بعدد كبير من التخصصات يفوق أي وقتٍ مضى. 

ألِكساندر جيه. جيتس، وتشينج كي، وأونور فارول، وألبرتلازلو باراباشي
  • Published online:
شبكة الاقتباسات المشتركة لأوراق البحثية المنشورة في دورية Nature منذ تأسيسها في عام 1869.

شبكة الاقتباسات المشتركة لأوراق البحثية المنشورة في دورية Nature منذ تأسيسها في عام 1869. 

 A. J. Gates et al.

تُعَد كيفية إسهام المعارف في إثراء الفروع العلمية المختلفة وتغييرها - في حد ذاتها - مجالًا تثقيفيًّا وحيويًّا1. وهذا النوع من الأبحاث الذي يَدرُس ما وراء العلوم، ويتناول اكتشافات، ورؤى، وأطرًا مجردة، وتقنيات جديدة يُعَد مهمًّا لأطراف عدة، من بينها صانعو السياسات القائمون بتمويل الأبحاث؛ أملًا في التصدي لأكثر مشكلات المجتمع إلحاحًا، وهي مشكلات تشمل حتمًا العديد من التخصصات.

كانت دورية Nature - منذ تأسيسها في عام 1869 - بمثابة منصة لنشر الإنجازات التي مثَّلت خطوات كبرى في الكثير من المجالات. واحتفالًا بذكرى تأسيسها، نرصد في هذا المقال كيف تقتبس الورقات البحثية من غيرها، وكيف يُقتبس منها عبر مختلف التخصصات، مستخدمين بيانات حول عشرات الملايين من المقالات العلمية المُدرَجة في شبكة العلوم التي تديرها شركة «كلاريفات أناليتيكس» Clarivate Analytics. وهذه الشبكة هي بمثابة قاعدة بيانات لتحليل الاستشهادات المرجعية، تضم عدة آلاف من الدوريات البحثية منذ عام 1900. ونولي في هذا المقال اهتمامًا خاصًّا للمقالات التي ظهرت في دورية Nature. ونرى أن هذا العرض السريع يكشف - رغم غرابة تفاصيله - كيف أصبح البحث العلمي مزيجًا من تخصصات شتى، أكثر من أي وقتٍ مضى.

وثمة بعض المحاذير المهمة. إنّ تقَلُّب قياساتنا في مطلع القرن العشرين يمكن أن يُعزى - بشكل جزئي على الأقل - إلى أن المقالات في ذاك الوقت كانت تحوى عادةً مراجع واقتباسات أقل بكثير؛ فحتى منتصف عشرينيات القرن العشرين، لم تضم مقالات دورية Nature في المعتاد أيّة مراجع، أما اليوم، فقد تصل هذه المراجع إلى 50 مرجعًا. وثمة تنويه آخر، ألا وهو أن عدد التخصصات المعترَف بها في شبكة العلوم سالفة الذكر ارتفع من 57 تخصصًا في عام 1900 إلى 251 تخصصًا في عام 1993، إلا أن هذا يُعَد عاملًا واحدًا فقط من العوامل المُسْهِمة في اتجاهات المجالات العلمية التي اكتشفناها.

وقد وضع كثير من الباحثين طرقًا ومعايير؛ لقياس كيفية إسهام النشر العلمي في المعرفة، ولتقييم تأثير هذا النشر. ومن أجل الاطلاع على شرح مُفصّل لاختياراتنا في هذا الصدد، وكذلك مؤهلاتنا الأساسية، يرجى مراجعة المعلومات التكميلية (SI).

تشير دراستنا التحليلية إلى أن المقالات، من مختلف قطاعات الأدبيات العلمية إجمالًا، تستمد من - وتؤثر في - عدد كبير من التخصصات العلمية، يفوق بكثير ما كان الوضع عليه قبل مائة عام، على الرغم من أن بعض التخصصات له تأثير أوسع من غيره. وتنشُر دورية Nature - بصفتها دورية علمية - في الأغلب الأعم الأبحاث المتخصصة، أو شديدة الارتباط بفرع علمي بعينه؛ وتميل مثل هذه الأبحاث إلى الاقتباس من نطاق أضيق من التخصصات العلمية، مقارنةً بالأبحاث العادية. ورغم ذلك.. فإن أبحاث دورية Nature يقتبس منها عادةً نطاق من التخصصات العلمية أوسع من المتوسط.

فيض من البيانات

استخرجنا الإشارات إلى الورقات البحثية الموجودة في قاعدة منشورات شبكة العلوم منذ عام 1900 حتى عام 2017، راصدين ما يقرب من 700 مليون علاقة اقتباسية. وخصصنا بعد ذلك تحليلًا لاحقًا لدراسة ما يقرب من 19 مليون مقال، يحتوي كل منها على مرجع واحد، واقتباس واحد على الأقل، ونشرت قبل عام 2010 (لإعطاء وقت للاقتباسات كي تتراكم). فضمَّنت مجموعة البيانات الناتجة معلومات عن التخصص الذي ينتمي إليه 38 مليون مقال.

اعتمدت الدراسة على التصنيفات الواسعة نسبيًّا التي تعتمدها شبكة العلوم، وذلك بغرض تحديد تخصصات المقالات البحثية. وبالطبع لا تتسم تلك التصنيفات بالكمال، لكنها تكشف مجتمعةً عن الأنماط البحثية. ونظرًا إلى تخصّص معظم الدوريات، تقوم شبكة العلوم بإدراج كل مقال تحت تخصص واحد أو أكثر، طبقًا للمجلة التي تم نشر المقال بها. فعلى سبيل المثال.. يتم تصنيف المقالات المنشورة في دورية «جورنال أوف باكتيريولوجي» Journal of Bacteriology تحت فئة علم الأحياء الدقيقة.

وقد تتبعنا رحلة المفاهيم بكل ورقة بحثية من خلال التعرف على مصادر إلهام المقالات حسب مراجعها؛ أي الأبحاث التي نسب إليها المؤلفون مفاهيمهم، وأساليبهم، وتقنياتهم، وأفكارهم. وبصورة مماثلة.. قمنا بتحديد تأثير كل بحث من خلال الاقتباسات التي تلَقّاها في مجمل البيانات. ومن الضروري توخي الحذر عند استخدام القياسات القائمة على الاقتباسات؛ لتقييم أهمية كل مؤلِّف أو بحث على حدة. ومع ذلك.. فمن الجدير بالذكر أن كمية تلك البيانات وسهولة الوصول إليها يوفران رؤية واحدة - ضمن رؤى عديدة - عن كيفية تراكم المعرفة العلمية1.

وباستخدام أوسع تصنيفات للتخصصات المدرجة بشبكة العلوم، استطلعنا كيف أن مقالات دورية Nature، البالغ عددها 88,637 مقالًا، والموجودة ضمن مجموعة البيانات التي استخدمناها، تتوسط عملية تناوُل الأفكار. فيلاحَظ - على سبيل المثال - أن أي مقال منشور في دورية Nature ويضم مَراجع مأخوذة - بشكل رئيس - من البحوث الطبية الحيوية، يجمع عادةً النسبة الأكبر من اقتباساته من أبحاث أخرى في المجال نفسه (انظر: "تدفق المعرفة"). أما الأوراق البحثية التي تقتبس من مثل هذه المقالات، فسوف يتوزع حوالي نصفها على فئات أخرى من المجالات. وعلى النقيض.. فالورقة البحثية ذات المراجع المستمدة - بشكل رئيس - من مجالَي الهندسة والتكنولوجيا يرجح - بشكل أكبر - أن تقتبس منها أبحاث في مجالات أخرى (72%) على أن تقتبس منها أبحاث أخرى في المجال نفسه (28%). وإضافةً إلى ذلك.. تشكل أبحاث الهندسة والتكنولوجيا نسبة ضئيلة جدًّا من الأبحاث التي تختار دورية Nature أن تنشرها؛ وما تختار الدورية نشره منها ربما يرجع إلى ما تحظى به من قبول واسع. وفي المقابل، فالورقات البحثية المتخصصة في علوم الأرض والفضاء يرجح - بدرجة أكبر - أن تقتبس منها أبحاث من المجال نفسه (72%) على أن تقتبس منها أبحاث من تخصصات أخرى (28%).

كبر الصورة

كبر الصورة

Source data: Web of Science. Analysis by A. J. Gates et al.

يُستخدم تحليل الاقتباسات المشتركة2 كطريقة أخرى للكشف عن المجتمعات داخل التخصصات المختلفة، وفيما بينها. ووفقًا لهذا النهج.. تتمثل كل ورقة بحثية على هيئة عقدة، تظهر هنا مثل نقطة. وتُعَد كل ورقتين بحثيّتين مرتبطتين ببعضهما البعض إذا اقتُبست من كلتيهما ورقة بحثية أخرى؛ ويعكس حجم العقدة عدد الاقتباسات المشتركة للورقة البحثية. وتعامِل خوارزمية التصور المستخدَمة في الدراسة كل علاقة ارتباط بصفتها مورِدًا، وتقوم بترتيب العقد للحصول على روابط قصيرة قدر الإمكان. يخلف ذلك مجموعات من ورقات Nature البحثية التي تتنوع في درجة الترابط فيما بين تخصصاتها (انظر: go.nature.com/n150int).

تعبِّر بِنْية الشبكة ككل عن التصورات العلمية المتعلقة بكيفية ترابط المنشورات العلمية ببعضها البعض. وتميل المقالات إلى تكوين مجموعات مشتركة، حسب قِدَمها، وموضوعها، وذلك لأن المؤلفين يستخدمون عادةً مقالات حديثة ذات صلة بموضوع أبحاثهم كمَراجع3. وينتمي أكثر من نصف الورقات البحثية المنشورة في Nature - على مدار تاريخ الدورية الحديث - إلى مبحث علوم الحياة. ونتيجةً لذلك.. تظهر مجموعات الورقات البحثية المتناوِلة لأبحاث الطب الحيوي في جميع أنحاء الشبكة. ومنذ عام 1930 (حينما أصبح استخدام المراجع لإسناد الأبحاث إلى تخصصات بعينها موثوقًا به)، تقلصت نسبة الورقات البحثية المنتمية إلى علوم الفيزياء، بينما ازدادت نسبة تلك المنتمية إلى علوم الأرض والفضاء. كما تظهر أبحاث معينة - مثل اكتشاف أول كوكب خارج المجموعة الشمسية يدور حول نجم شبيه بالشمس4 - مضمَّنة بصورة وثيقة في مجموعة من أوراق بحثية تنتمي إلى المجال نفسه. وعلى النقيض.. يبدو أن اكتشاف ثقب الأوزون5 يندرج في نطاق يحوى أبحاثًا من تخصصات متعددة، مثل الكيمياء، والعلوم الاجتماعية، وعلوم الأرض (انظر: "شبكة الاقتباسات المشتركة"). ووفقًا لدراستنا التحليلية، فإن مراجع تلك الورقة البحثية أكثر تنوعًا من 95% من الأوراق البحثية المنشورة في Nature، كما أن الاقتباسات المأخوذة منها أكثر تنوعًا من 99% من أبحاث Nature.

كبر الصورة

كبر الصورة

Source data: Web of Science. Analysis by A. J. Gates et al.

وناتج تحليل شبكة الاقتباسات المشتركة الخاصة بأي دورية علمية من الدوريات الأكثر تخصصًا سيبدو - على الأرجح - مختلفًا، لكنْ تَظهر سلسلة من النقاط البارزة المستقاة من تاريخ العلوم بشكل جليّ عند إلقاء نظرة ثلاثية الأبعاد على شبكة اقتباسات Nature المشتركة (انظر: go.nature.com/2patums). وتشمل تلك النقاط دراسة العناصر المشعة في ثلاثينيات القرن العشرين، وكيف أخذت دراسات المواد فائقة التوصيل في تجربة تطبيقات متنوعة، ليجري بعدها توصيفها بصورة مكثفة ضمن فئة العلوم الفيزيائية في أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

مع مرور الزمن

تزايد عدد الورقات البحثية المنشورة في كل تخصص بصورة تصاعدية على مدار القرن الماضي1. وتتفاوت المعدلات المحددة لهذه الزيادة على مر الزمن، بيد أنه منذ عقد الستينيات تقريبًا، كان 48% من الورقات البحثية المنشورة ينتمي إلى مجال علوم الحياة (ينتمي 42 % منها إلى مجال العلوم "الصلبة"، و10% إلى مجال العلوم السلوكية).

ويستخدم الباحثون طرقًا شتى لتحديد تأثيرات الأوراق البحثية عبر التخصصات وقياسها. ويشير مصطلح تعدد التخصصات عادةً إلى تخصصات مستقلة تلتقي معًا مع بقائها متمايزة. وفيما يتعلق بالدوريات العلمية، نعرِّف هذا المصطلح بأنه تشكيلة التخصصات التي تلهم مقالات الدورية العلمية، أو تتأثر بها. وفي المقابل، يشير مصطلح تداخل التخصصات إلى التكامل، فنعرِّفه على أنه التنوع في مصادر إلهام مراجع المقال العلمي، والتنوع في كيفية انتشار تأثير المقال عبر التخصصات. وعلى الرغم من صعوبة تقييم التكامل بين الاقتباسات المأخوذة من مقال ما، فإن هذا المقياس قادر على رصد مدى تنوع البصمة المعرفية التي ينقلها المقال6. ويشير هذا التحليل إلى حجم التفاعلات التي تحدث فيما بين التخصصات، لكنه لا يكشف عن التفاصيل المحددة المتعلقة بكيفية تفاعل تلك التخصصات معًا.

أولًا: استطلعنا تشكيلة التخصصات التي تعكسها المراجع والاقتباسات في دورية علمية ما، راصدين تعدد التخصصات في الدورية (انظر: "الإلهام والتأثير"). كما صَنّفنا كل ورقة بحثية في دورية علمية ما حسب التخصص الأساسي المُسنَد إلى مَراجعها (الإلهام)، أو الاقتباسات المأخوذة منها (التأثير)، ثم قمنا بقياس تعدد التخصصات على مقياس يتراوح من صفر إلى واحد. يعني الصفر أن جميع مراجع المقال أو الاقتباسات المأخوذة منه كانت في التخصص نفسه؛ ويعني الواحد أنها كانت موزعة بالتساوي بين جميع التخصصات، مستخدمين في ذلك مقياس «الإنتروبيا» الموحد (انظر: المعلومات التكميلية). وقد اكتشفنا أن هذا المقياس لا يعتمد على عدد المقالات التي نشرتها كل دورية (انظر: المعلومات التكميلية)، لكنه - على الأرجح - يعكس خصائص أخرى للدورية، مثل مجموعة المقالات التي قدمتها، ومعايير الاختيار المعتمدة لدى المحررين.

كبر الصورة

كبر الصورة

كبر الصورة

Source data: Web of Science. Analysis by A. J. Gates et al.

ترتبط سعة التأثير والإلهام ببعضهما الآخر ارتباطًا وثيقًا في معظم الدوريات العلمية. وينطبق هذا على الدوريات المتخصصة، مثل دوريتي «سِل» Cell، و«فيزيكال ريفيو ليترز» Physical Review Letters . وتنشر الدوريات التقليدية هذه الأيام مقالات تُستوحى من حوالي ستة تخصصات، وتؤثر فيها.

وتتسم دوريتا العلوم العامة (Nature، و«ساينس» Science) بنطاق تأثير (اقتباسات)، وإلهام (مراجع) أكبر، مقارنةً بـ 99.7% من الدوريات الأخرى. وقد بلغ تعدد التخصصات في Nature ذروته في ستينيات القرن الماضي، وظل مرتفعًا نسبيًّا منذ ذلك الحين، ليعكس - على الأغلب - توليفة من الورقات البحثية التي تختارها Nature، والتي من المتوقع أن يكون لها قبول واسع، كما يعكس أيضًا تزايُد شهرة هذه الورقات البحثية في المجتمع العلمي.

ثانيًا: قمنا باستكشاف ما تتسم به مقالات مفردة من تداخل التخصصات، وذلك بقياس تنوع التخصصات في المَراجع، والاقتباسات7-10. وقد اقتُرِحت مقاييس عديدة لتقييم تداخل التخصصات. ويمكن أن يكون لها نتائج غير متسقة (انظر - على سبيل المثال - المرجعَين 11، و12). ويتفق الباحثون - رغم ذلك - على أن الاكتفاء بإحصاء عدد التخصصات الواردة في المَراجع والاقتباسات غير كافٍ. فعلى سبيل المثال.. تستند الورقة البحثية، التي تعتمد بصفة كبيرة على مَراجع من الأحياء والعلوم الإكلينيكية، إلى تنوع أقل من الورقة البحثية المستوحاة من علمَي الأحياء، والفيزياء. ونقوم بقياس تلك السمة كميًّا على مقياسٍ (من صفر إلى واحد) باستخدام مؤشر راو- ستيرلنج للتنوع، الذي يسجل عدد التخصصات الممَثلة، ومدى التوازن في توزيعها، ودرجة اختلافها13.

وتُظْهِر دراستنا التحليلية أن تنوُّع التخصصات في مَراجع المقالات العلمية واقتباساتها آخِذ في الزيادة. وإذا تحدثنا بشكل تقريبي، فإننا نجد أن المقالات العادية خلال هذا العقد تستَلهَم مِن - وتؤثر في - عدد من التخصصات يفوق ثلاث مرات ما كان الوضع عليه قبل 50 عامًا.

وفي حين أن أي مقال تقليدي منشور اليوم يَستنِد مرجعيًّا إلى مقالات تنتمي إلى ما يعادل 11 تخصصًا، تَستنِد مقالات  Nature- مرجعيًّا - إلى مقالات تنتمي إلى ما يعادل تسعة تخصصات فقط (انظر: المعلومات التكميلية، شكل S5).  ويتماشى هذا مع التحليلات السابقة، التي تشير إلى أن الأعمال البحثية شديدة التأثير عادًة ما تقوم على خبرات عميقة14. وعلى النقيض من ذلك.. نجد أنه لطالما كان التنوع التخصصي لاقتباسات المقالات في دوريات العلوم العامة أعلى من نظيره بالنسبة إلى المقالات المنشورة في المجالات الأخرى، وهو ما يشير إلى أن المحتوى في هذه الدوريات العلمية يصل إلى قطاع من المجتمع العلمي أوسع نطاقًا من القطاع المستمِد منه. وتُعَد هذه الملاحظة منطقية، بالنظر إلى أن هذه الدوريات العلمية تهدف إلى الوصول إلى قطاع واسع من القراء، وإلى نشر الإنجازات الكبرى.

وتختلف أحيانًا المجالات التي تلهم ورقة بحثية ما بشكل ملحوظ عن المجالات التي يكون لتلك الورقة تأثير عليها. على سبيل المثال.. مقال "الشفرة الرقمية للحمض النووي" - وهو مقال نُشر في Nature في عام 2003، وكَتَبه متخصصا علم أنظمة الأحياء؛ ليروي هود، وديفيد جالاس15- يستمد معظم إلهامه من البيولوجيا الجزيئية، ومع ذلك.. يُستشهد به في مقالات علوم الحاسب الآلي، والطب الإكلينيكي، والعلوم الاجتماعية. ومن الجدير بالذكر أننا نقيِّم تَقابُل التخصصات كميًّا على مقياسٍ من صفر إلى واحد. وفي هذه الحالة.. يشير الصفر إلى وجود تطابق بين جميع التخصصات التي ألهمت مقالًا ما، وكذلك تلك التخصصات التي يؤثر فيها هذا المقال. ويشير الواحد إلى أن هذه القوائم تختلف تمامًا (باستخدام تباين جينسن شانون، وهو مقياس يقيِّم التشابه بين توزيعَين احتماليَّين؛ انظر: المعلومات التكميلية).

وما يتضح من الدراسة هو أنه في العقود الأخيرة تَراجَع تَقابُل التخصصات، ويلاحَظ انخفاضه في مجلات العلوم العامة بشكل أسرع من الأدبيات العلمية بشكل كلي. ربما يكون السبب في ذلك هو أن المقالات التي تربط بين التخصصات وبعضها تؤثر في مجالات عديدة، بما في ذلك تلك التي نشأت منها. فمع اعتماد الأبحاث على مجموعة أوسع من التخصصات، تقل فرصة تأثيرها على مجموعة مختلفة كليةً من التخصصات.

ويتم تقييم المجهود العلمي بشكل أفضل عمومًا عند وضعه ضمن سياق تخصصه المحدد. فعلى سبيل المثال.. تكون عمليات إحصاء الاقتباسات أكثر فاعلية عند مقارنة الورقات البحثية في مجال الطب الحيوي بورقات بحثية أخرى في المجال نفسه، بدلًا من مقارنتها بورقات بحثية متخصصة في الفيزياء، ولكنْ إذا كانت التفاعلات بين التخصصات تتزايد، فإن الإسناد الصارم والمحكم يصبح أقل منطقية. ونحن نرى أن دراسة الكيفية التي تمتزج بها التخصصات ضمن مقالات مفردة قد تسمح بإجراء مقارنات أفضل عبر التخصصات، أو تُحَسِّن من عملية تقييم تأثير الورقة البحثية، بل إن تدشين إدارات بحثية وبرامج تمويلية صارمة الهيكلة يُعَد أقل اتساقًا مع المنطق، إذا أصبحت الحدود بين التخصصات أقل وضوحًا. وبصفتنا متخصصين في علم الشبكات، تروق لنا فكرة أن العلوم أصبحت أقل انعزالًا عن بعضها الآخر.

إنّ ما نرصده من زيادة في التفكير النابع من تخصصات متداخلة يُلاحَظ عبر التخصصات (انظر: المعلومات التكميلية)، ولا توجد أي علامات على تباطؤ وتيرته. ومع التزايد المستمر في عدد الباحثين، والأدبيات العلمية، والمعارف، يزداد تكامل المساعي العلمية عبر الحدود الفاصلة بين التخصصات. لذا.. يجدر بالمؤسسات البحثية والهيئات التمويلية أن تدرك أن تداخل التخصصات في طريقه إلى أن يصبح القاعدة، لا الاستثناء. 

References

  1. Fortunato, S. et al. Science 359, eaao0185 (2018). | article
  2. Small, H. J. Am. Soc. Inf. Sci. 24, 265–269 (1973). | article
  3. Mukherjee, S., Romero, D. M., Jones, B. & Uzzi, B. Sci. Adv. 3, e1601315 (2017). | article
  4. Mayor, M. & Queloz, D. Nature 378, 355–359 (1995). | article
  5. Farman, J. C., Gardiner, B. G. & Shanklin, J. D. Nature 315, 207–210 (1985). | article
  6. Leydesdorff, L., Wagner, C. S. & Bornmann, L. Scientometrics 114, 567–592 (2018). | article
  7. Choi, B. C. K. & Pak, A. W. P. Clin. Invest. Med. 29, 351–364 (2006). | article
  8. Porter, A. L. & Rafols, I. Scientometrics 81, 719 (2009). | article
  9. Wagner, C. S. et al. J. Informetr. 5, 14–26 (2011). | article
  10. Leydesdorff, L. & Rafols, I. J. Informetr. 5, 87–100 (2011). | article
  11. Wang, Q. & Schneider, J. W. Preprint at https://arxiv.org/abs/1810.00577 (2018). 
  12. Research Councils UK & Digital Science. Interdisciplinary Research: Methodologies for Identification and Assessment (RCUK/Digital Science, 2016). | article
  13. Stirling, A. J. R. Soc. Interface 4, 707–719 (2007). | article
  14. Uzzi, B., Mukherjee, S., Stringer, M. & Jones, B. Science 342, 468–472 (2013). | article
  15. Hood, L. & Galas D. Nature 421, 444–448 (2003). | article

ألِكساندر جيه. جيتس، وتشينج كي، وأونور فارول، وألبرت لاسلو بارباشي

هؤلاء المؤلفون باحثون في معهد علم الشبكات بجامعة نورث إيستيرن في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية.

البريد الإلكتروني: a.barabasi@northeastern.edu