أنباء وآراء

سرطان: تعيين تسلسل جينومات كاملة في أثناء الانتشار النقيلي 

من الأهمية بمكان أن نصل إلى فهم أفضل للتغيرات الجينية التي تتيح للسرطان بأنواعه المختلفة الانتشار. وسوف تساعد الباحثين على تحقيق هذا الهدف دراسةٌ شاملة لتسلسل الجينوم الكامل في حالات السرطان النقيلي. 

جيليان إف. وايز، ومايكل إس. لورانس

  • Published online:

يرجع سبب الوفاة الرئيس في الحالات المصابة بمرض السرطان إلى انتشار الخلايا السرطانية من موقعها الأصلي إلى أجزاء أخرى من الجسم1. وتنطوي عادةً عملية الانتشار هذه – التي تُعرف بالانتشار النقيلي (هجرة الخلايا السرطانية) – على عوامل إجهاد خلوي، واضطرابات مفاجئة في البيئة الخلوية، تحفز حدوث تغيرات حادة في الخلايا السرطانية. ومن بين هذه التغيرات.. المقاوَمة الشرسة للعلاجات الحالية، وهو ما يعني أن هناك حاجة ماسة إلى التوصل إلى أساليب جديدة لمكافحة الأمراض النقيلية. وقد استخدم بريستلي وزملاؤه2 «تسلسل الجينوم الكامل» WGS، لتسليط الضوء على التغيرات الجينوميّة التي يرتكز عليها الانتشار النقيلي في 22 نوعًا من الأورام الصلبة. ورغم أن الدراسات السابقة3-4 كشفت بعض اللمحات عن تلك التغيرات، فربما تكون هذه الدراسة التي تحاول الاستفادة من إمكانات تسلسل الجينوم الكامل الأولى بهذا الحجم من بين الدراسات الشاملة للانتشار النقيلي السرطاني.

وقد وضع بريستلي وزملاؤه تصنيفًا لـ2520 عيّنة أورام نقيلية، أُخذت من مصابين بالسرطان (شكل رقم 1). وفي كل من هذه الحالات.. أجرى العلماء أيضًا تحليلًا لعينةٍ من خلايا الدم غير المصابة بالسرطان للشخص نفسه. واستطاعوا – اعتمادًا على تسلسل الجينوم الكامل – وضع قائمة كبيرة للطفرات الجينية التي عثروا عليها في كل انتشار نقيلي. وتُتَمِّم هذه القائمة القوائم الحالية، التي أمكن الحصول عليها من دراسات تسلسل الجينوم الكامل، وقواعد بيانات الجينوم الخاصة بالأورام الأولية، كما تطرح العديد من الرؤى المتعمقة المثيرة للاهتمام. فقد كشف مؤلفو الدراسة - على سبيل المثال - عن حدوث طفرات متكررة في جين MLK4، وهو ما يتسق مع دراسة سابقة ربطت بين تزايد عدد نسخ جين ـMLK4، وحدوث الانتشار النقيلي5.

وأكدت غالبية نتائج مؤلفي الدراسة ما توصلت إليه دراسات سابقة حول السرطانات النقيلية3-4. فعلى سبيل المثال.. لم تكتشف أي دراسات أخرى طفراتٍ متكررة بعينها مُسبِّبة للسرطان، لا توجد إلا في الأورام النقيلية (أي تكون غير موجودة في الورم الأوّلي)، ومن ثم قد تكون مسؤولة عن حدوث الانتشار النقيلي. وهو ما أدى إلى التكهّن بأن الطفرات التي لا توجد إلا في الانتشار النقيلي ليست هي السبب الأكبر لانتشار السرطان1، على الأقل في الأورام الصلبة. وتوصّل بريستلي وزملاؤه بدورهم إلى وجود أدلة محدودة على وجود طفرات كتلك.

شكل 1: الخصائص الشائعة في السرطانات النقيلية. عادةً ما تحدث لخلايا الورم الأوّلِي طفرات مسببة للسرطان (جين الورم). ومع تطوُّر السرطان، يكتسب طفرات أكثر، تتيح له الانتشار في مواقع أخرى من الجسد من خلال الدم، وهي عملية يُطلق عليها الانتشار النقيلي. وقد استطاع بريستلي وزملاؤه2 وضْع تسلسل جينومات كاملة لـ2520 ورمًا نقيليًّا في 22 نوعًا من أنواع السرطان. واكتشف الباحثون تكرار الطفرات في جين MLK4. وفضلًا عن ذلك.. أوردوا في تقريرهم حدوث تغيرات بنيوية على نطاق واسع، مثل تَضاعُف الجينوم بالكامل (الذي وجدوه شائعًا بشدة)، وحذف مناطق كروموسومية كبيرة.

شكل 1: الخصائص الشائعة في السرطانات النقيلية. عادةً ما تحدث لخلايا الورم الأوّلِي طفرات مسببة للسرطان (جين الورم). ومع تطوُّر السرطان، يكتسب طفرات أكثر، تتيح له الانتشار في مواقع أخرى من الجسد من خلال الدم، وهي عملية يُطلق عليها الانتشار النقيلي. وقد استطاع بريستلي وزملاؤه2 وضْع تسلسل جينومات كاملة لـ2520 ورمًا نقيليًّا في 22 نوعًا من أنواع السرطان. واكتشف الباحثون تكرار الطفرات في جين MLK4. وفضلًا عن ذلك.. أوردوا في تقريرهم حدوث تغيرات بنيوية على نطاق واسع، مثل تَضاعُف الجينوم بالكامل (الذي وجدوه شائعًا بشدة)، وحذف مناطق كروموسومية كبيرة.

كبر الصورة

ولم يحلل الباحثون الطفرات أحادية النيوكليوتيد (الطفرات النقطية) فحسب، بل حللوا كذلك التغيرات البنيوية الكبيرة، بما فيها حذف تسلسل الحمض النووي، أو تغيير موقع الحمض النووي من منطقة كروموسومية إلى أخرى. ومن الجدير بالذكر أنه من الصعب كشف التغيرات البنيوية من خلال استخدام تقنيات التسلسل التي تغطي أجزاء صغيرة من الجينوم، مثل وضع تسلسل لمناطق التشفير البروتيني فقط، أو حتى استهداف تعيين التسلسلات الأصغر، بيد أن تلك التقنيات تُستخدم بوتيرة أكبر من استخدام تسلسل الجينوم الكامل في الدراسات الإكلينيكية، نظرًا إلى يُسْر تكلفتها. ومن هنا، كان توثيق المتغيرات البنيوية الكبيرة ميزة قيّمة في دراسة بريستلي وزملائه، التي اعتمدت على تسلسل الجينوم الكامل.

وقد كشف تقرير الباحثين - على وجه الخصوص - عن انتشار «تضاعُف الجينوم الكامل» WGD، الذي يُستنسخ فيه المخزون الكروموسومي بالكامل. وقد استطاع بريستلي وزملاؤه تمييز حالات تضاعف الجينوم الكامل في ما يصل إلى 80 % من الحالات المصابة بأنواع مُعيّنة من السرطان النقيلي، بينما لم يُبلغ عن هذه الظاهرة في الأورام الأوّلية، إلا في 30 % تقريبًا من الحالات6. ويمكن لتضاعف الجينوم الكامل، عند اقترانه بعدم الاستقرار الكروموسومي، أن يُكسِب الأورام مقاوَمة لأدوية متعددة أثناء العلاج الكيماوي، فضلًا عن أنه قد يوفر عازلًا للخلايا السرطانية، يقيها من الآثار الضارة ببقائها، التي تَنْتُج عن عدم استقرار الجينوم، مثل الطفرات المُدمّرة لها، وفقدان مقاطع كروموسومية7.

وعلى الرغم من أن بريستلي وزملاءه قدّموا دراسة رائدة، إلا أن الأبحاث المستقبلية يمكنها أن تستفيد من باحثين يضعون أيضًا تسلسلات الورم الأولي لكل شخص. فتعيين هذا التسلسل كان ليسمح لبريستلي وزملائه بوضع نموذج مفصل لكيفية تطور كل جينوم سرطاني على امتداد رحلته، وصولًا إلى الانتشار النقيلي. ولمعالجة هذا القصور، استعان المؤلفون بدراسة ضخمة لتسلسل الجينوم الكامل في الأورام الأولية (تحليل الجينوم الكامل في عموم الأنواع السرطانية، الذي أجراه الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية8). وقارن الباحثون الطفرات النقطية، وطفرات الغرز والحذف الصغيرة في كلٍّ من الدراستين. وأكدت تلك التحليلات - إلى حد بعيد - تقريرًا سابقًا ذهب إلى وجود نسبة تَواؤم جينومي مرتفعة بين الورم الأولي، والورم النقيلي9، غير أن المقارنة كشفت كذلك عن أن الجينات العشرة الطافرة الأكثر تسببًا في السرطان، التي تظهر في الأورام الأوّلية، تكون معدلات حدوث طفرات فيها أكثر في الأورام النقيلية. وفضلاً عن ذلك.. فقد توصلوا إلى أن الانحرافات الواسعة في الحمض النووي، مثل التغيرات البنيوية، وتَضَاعُف الجينوم الكامل، تكون أكثر شيوعًا - بشكل ملحوظ - في الانتشار النقيلي في معظم أنواع السرطان. وتدل هذه النتائج على أن السمة المميزة لتطوُّر الانتشار النقيلي هي عدم الاستقرار الجينومي المستمر والمتسارِع.

ومن التحفظات الأخرى على هذه الدراسة - التي أقر بها مؤلفو الدراسة أنفسهم - استخدام إبرة دقيقة لأخْذ الخزعات، كطريقة أساسية لجمع العينات، إذ تَجمَع هذه الخزعات خلايا من منطقة فرعية صغيرة للغاية في موضع الانتشار النقيلي فحسب. وقد أبلغ المؤلفون عن أنه – في المتوسط – كان أكثر من حوالي 93% من الطفرات التي اكتُشفت في أي عينة موجودًا في كل خلية من خلايا تلك العينة، وهو ما يتعارض تمامًا مع دراسات سابقة10 أوردت مستويات أعلى بكثير من التباين. وهذا التجانس الشديد الذي لاحظه بريستلي وزملاؤه ربما يعكس - من حيث المبدأ - حقيقية أن عددًا قليلًا من الخلايا السرطانية المؤسِّسة فحسب قد استعمر كل انتشار نقيلي، غير أنه ربما يعكس - بدلًا من ذلك - اقتصار عملية أخذ العينات باستخدام أسلوب الخزعة بالإبرة الدقيقة على منطقة محدودة.

ومن المرجح أن تتناول دراسات الانتشار النقيلي الإكلينيكية في المستقبَل الخزعات السائلة، بوصفها وسيلة جمْع عينات بديلة. تتضمن الخزعات السائلة جمع عينات من دم الشخص، ثم تطبيق تقنيات معملية متخصصة، لعزل المكونات الناجمة عن السرطان، مثل خلايا الورم المنتشرة في الدم، والحمض النووي المُسرطَن المنتشر في الدم، والحويصلات دون الخلوية المُفرزة. ويتميز هذا الأسلوب بكونه باضعًا بصورة أقل من خزعات الإبرة الدقيقة، أو الخزعات الجراحية، إضافة إلى أنه يوفر ميزات أخرى، تشمل إمكانية جمع الخلايا بشكل متزامن من جميع المواضع المصابة بسرطان نقيلي بالجسم (بدلاً من موقع واحد فقط)، وتكرار عملية أخْذ العينات أكثر من مرة أثناء العلاج، وبالتالي توفير معلومات آنية ديناميكية عن السرطان، ومدى استجابته للعلاج. وتتيح الخزعات السائلة كذلك للباحثين توثيق تطور الانتشار النقيلي على مستوى الحمض النووي، والحمض النووي الريبي والبروتينات بالتوازي11،12.

إنّ القيمة الحقيقية لأي بحث - في نهاية المطاف - تأتي مما يقدمه من تحسين للعلاج. ولتعزيز إمكانية تحقيق تأثير إكلينيكي إلى أقصى حد، أتاح بريستلي وزملاؤه إمكانية الوصول المفتوح إلى مجموعة بياناتهم. وتلقّى المؤلفون بالفعل أكثر من 80 طلبًا بالتعاوُن معهم؛ لدراسة مسائل تتنوع ما بين بحث احتمال وجود مواد جينية فيروسية في العينات، إلى بحث العلاقة بين تسلسلات الحمض النووي، واستجابة المريض للأدوية (go.nature.com/2ommmn2). واستُخدمت مجموعة البيانات كذلك لدراسة ما إذا كان هناك وجود لأي متغيرات مسبِّبة للطفرات في المناطق المنظِّمة للحمض النووي، تلعب دورًا في إحداث الانتشار النقيلي، أم لا. كما استُخدمت مجموعة البيانات لتفعيل جهود الاستدلال على الأصل التشريحي للسرطانات النقيلية التي شُخِّصَت دون معرفة منطقة الورم الأولية. وتعزز هذه البيانات بالفعل استكشاف تلك القضايا. كذلك تُستخدم مستودعات البيانات المتاحة للجمهور هذه في بروتوكولات إعادة اكتشاف الدواء13، التي يَجري فيها وَصْف علاج واعد غير معتمَد رسميًّا بعد (دواء من مضادات السرطان لم يُصرّح بعد باستخدامه لعلاج نوع السرطان المصاب به الشخص المعنِيّ على وجه الخصوص) لمرضى السرطانات النقيلية الذين استنفدوا العلاجات القياسية، وذلك على أساس نتائج تسلسل الجينوم الكامل.

إنّ أخْذ خزعات من الانتشار النقيلي في أجزاء متعددة لا يخلو من المخاطر بالنسبة إلى المريض، مثل الإصابة بنزيف، أو عدوى. وتعود محدودية جمْع العينات حتى الآن - في جزء منها - إلى هذا السبب.

ومن هنا، فقد قَدَّم مَن تبرعوا بالعينات لهذه الدراسة هديةً قَيِّمةً للباحثين. ومن المأمول أن توفر قاعدة بيانات الدراسة – بدورها - نظرات جديدة أكثر عمقًا، واستراتيجيات علاجيةً نحن في حاجة ماسّة إليها.

References

  1. Lambert, A. W., Pattabiraman, D. R. & Weinberg, R. A. Cell

    168, 670–691 (2017) | article
  2. Priestley, P. et al.Nature575, 210–216 (2019).| article
  3. Robinson, D. R. et al. Nature548, 297–303 (2017).| article
  4. Zehir, A. et al. Nature Med.23, 703–713 (2017).| article
  5. Marusiak, A. A. et al. Oncogene38, 2860–2875 (2019).| article
  6. Bielski, C. M. et al. Nature Genet.50, 1189–1195 (2018). | article
  7. Dewhurst, S. M. et al. Cancer Discov.4, 175–185 (2014).| article
  8. Campbell, P. J., Getz, G., Stuart, J. M., Korbel, J. O. &

    Stein, L. D. Preprint at https://doi.org/10.1101/162784 (2019).| article
  9. Reiter, J. G. et al. Science361, 1033–1037 (2018).| article
  10. Granahan, N. & Swanton, C. Cell168, 613–628 (2017).| article
  11. Yu, M. et al. Science345, 216–220 (2014).| article
  12. . Medford, A. J. et al. NPJ Precis. Oncol.3, 18 (2019). | article
  13. van der Velden, D. L. et al. Nature 574, 127–131 (2019). | article

جيليان إف. وايز، ومايكل إس. لورانس يعملان في مركز السرطان بمستشفى ماساتشوستس العام، وبقسم الباثولوجيا به، وكذلك مدرسة طب هارفارد في تشارلزتاون بماساتشوستس، 0219، الولايات المتحدة. ويعملان كذلك في معهد برود، التابع لجامعة هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ماساتشوستس.

تعمل جيليان كذلك في قسم مناعة السرطان بمعهد بحوث السرطان في جامعة أوسلو بأوسلو في النرويج.

البريد الإلكتروني: mslawrence@mgh.harvard.edu