افتتاحيات

تدقيق التكاليف الغذائية

يشير تعاملنا الكارثي مع موارد الغذاء العالمية إلى وجود تكاليف خفية، قدرها 12 تريليون دولار. 

  • Published online:

تتكشّف تدريجيًّا في قلب منظومة الغذاء العالمية عناصرُ مأساة تَحْدُث، والمتسبب فيها – في الأساس - هو الحكومات، ومصنّعو الأغذية، وقطاع الأعمال التجارية الزراعية.

وقد صار الوضع مُلِحًّا؛ حيث إنّ ثلث إجمالي الغذاء يذهب هدرًا. ورغم ذلك.. تقف الحكومات والجهات الفاعلة الأخرى في منظومة الغذاء عاجزة عن الحيلولة دون معاناة 820 مليون شخص يواجهون الجوع بصفة منتظمة. ويتحمل قطاع الصناعة الغذائية - على وجه التحديد - مسؤولية معاناة 680 مليون شخص من السمنة المفرطة، بيد أن تكاليف العلاج تقع - إلى حد كبير - على عاتق الحكومات ومواطنيها.

وعندما تسحب المَزارعُ التي تدرّ المنتجات على نطاق صناعي كميات وفيرة من المياه لري المحاصيل، فإن دافعي الضرائب - للمرة الثانية - هم مَن يتحملون فاتورة ندرة المياه التي يمكن أن تترتب على ذلك. وينطبق الأمر نفسه على الكيماويات الزراعية، وتأثيرها على صحة الإنسان، والنظم البيئية؛ فتجد الحكومات نفسها مضطرة لتحمل تكاليف فقدان التنوع الحيوي، فضلًا عن النهوض بعبء القضاء على إسهام الزراعة في انبعاثات غازات الدفيئة.

وقد حان وقت مواجهة هذه التكاليف الخفية، أو العوامل الخارجية. ففي الشهر الماضي، قَدَّر تقريرٌ بارز هذه التكاليف بحوالي 12 تريليون دولار أمريكي في العام الواحد، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 16 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050. وهذا رقم مفزع، يعادل إجمالي الناتج المحلي الصيني.

ومما يثير القلق بالقَدْر ذاته هو أن هذه التكاليف لا تُحْسَب بانتظام، ويبدو أن مجالَيّ الأغذية والزراعة يفترضان أن هذه الفاتورة ستُسدد. وهذا منطق مغلوط، ويجب أن يتغير.

وهذا التقرير الصادر عن منظمةٍ تُعرف بـ«تحالف استخدام الأرض والغذاء» Food and Land Use Coalition – وهي منظمة تضم مجموعات تجارية، ومعاهد بحثية، إضافة إلى مؤسسات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة – أَجْرَى عملية حساب للتكاليف التي ستحتاج الحكومات والمشروعات التجارية إلى سدادها، بغرض التحوّل إلى منظومة غذاء أكثر استدامة. وقد تراوحت تقديرات هذه التكاليف بين 300 مليار دولار أمريكي، و350 مليار دولار أمريكي سنويًّا. وإضافة إلى ذلك.. فبعد حساب التكاليف الخفية، يمكن للمنظومة الغذائية الأكثر استدامة أن تدرّ 5.7 تريليون دولار أمريكي إضافية سنويًّا بحلول عام 2030 في ضوء فرص اقتصادية جديدة، وهو ما يعوّض قيمة الـ350 مليار دولار أمريكي بأضعاف كثيرة.

وعلى سبيل المثال.. فإن تكلفة الانتقال إلى نظم غذائية نباتية تحتوي على كميات أقل من الملح والسكر والأغذية المُعالجة، تُقدر بحوالي 30 مليار دولار أمريكي، لكنْ من المتوقع أن تبلغ المكاسب الاقتصادية الناتجة عن ذلك حوالي 1.28 تريليون دولار أمريكي. وبالمثل، تُقَدَّر تكلفة تقليل هدر المواد الغذائية بـ30 مليار دولار أمريكي، بينما تشير التقديرات إلى حوالي 455 مليار دولار أمريكي، يُتَوَقَّع أن تتدفق من الفرص التجارية الناتجة عن تقليل هذا الهدر.

وعليه، فإذا كان من المتوقع أن تتحقق هذه الأرباح، فلنا أن نتساءل عن الأسباب التي تمنع الشركات عن طَرْق هذا الباب. لماذا لا تصطفّ الشركات من أجل الفوز بقطعة من الكعكة؟ البعض - بلا شك - يفعلون ذلك، لكنْ ما زال بالإمكان إقناع – أو حتى إرغام – مزيد من الشركات على التصرف على هذا النحو. 

تمتلك الحكومات أدوات متعددة لتغيير سلوك الشركات. وإحدى هذه الوسائل هي الضرائب، التي تُستخدم في تمويل الخدمات العامة، ومنها جهود النظافة. وهناك أداة أخرى، هي سَنّ اللوائح التنظيمية، رغم أن السنوات الأخيرة شهدت توجهًا لدى بعض الحكومات – على الأقل في الدول المتقدمة – لتجنب فَرْض لوائح صارمة، واستخدام أساليب ألطف، بدلًا من ذلك؛ لتغيير الممارسات في قطاع الصناعة، من خلال الاعتماد - على سبيل المثال - على الدراسات التي يقدمها الباحثون في العلوم السلوكية.

تتوفر أيضا لدى الحكومات أداة ثالثة، هي التحفيز المالي، مثل الترويج لفكرة قدرة الشركات على تحقيق أرباح من الاستدامة. وقد حقق هذا النهج قدرًا من النجاح في أعقاب نشر التقرير المؤثر «اقتصاديات تغيُّر المناخ: تقرير ستيرن» The Economics of Climate Change: The Stern Review في عام 2006، لخبير اقتصاد التنمية، نيكولاس ستيرن، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ومن ضمن آثار هذا التقرير الأخرى أنه مهَّد - مع غيره من التقارير التي أعقبته - الطريقَ أمام العديد من المبادرات؛ لتمويل التعامل مع تغيُّر المناخ.

وأيًّا كانت الأداة المستخدمة، فمن الأرجح أن يتضمن المسار الأكثر فعالية مزيجًا من الأدوات الثلاث، إضافة إلى أدوات أخرى. ويجب أن تُقدَّر هذه التكاليف الخفية بصورة أكثر انتظامًا، وأنْ يجري نشرها. وهذه المهمة يمكن أن تضطلع بها وزارات المالية في كل دولة، أو مكاتب الإحصاء التي تعمل بصورة وثيقة مع الباحثين.

وقد أسدى «تحالف استخدام الأرض والغذاء» خدمة مهمة، لكنْ لا يجب اعتبار حساباته وتقديراته ممارسةً تحدث لمرة واحدة. كما تحتاج الحكومات بدورها إلى استخدام هذه البيانات؛ لإجبار قطاع الصناعة على اتخاذ إجراء يسير في هذا المسار.