موجزات مهنية

تحويل الشغف إلى وظيفة

الاهتمامات الخارجية ليس ضروريًا أن تقتصر على الوظائف الجانبية المؤقتة، فالعلماء يمزجون بين التخصصات كي يشكّلوا مجالات جديدة.

إميلي سون
  • Published online:
جمعت اختصاصية علم النفس السريري كيت باشير بين حبها لتسلق الجبال وخبرتها العلمية في دراسة المخاطر، والخوف، والقدرة على البقاء بين متسلقي الجبال.

  جمعت اختصاصية علم النفس السريري كيت باشير بين حبها لتسلق الجبال وخبرتها العلمية في دراسة المخاطر، والخوف، والقدرة على البقاء بين متسلقي الجبال.

CHRIS ENSOLL

التحقت إندري فيسكونتاس بدروس العزف على البيانو وهي طفلة، وعزفت للمرة الأولى في الأوبرا في سن الحادية عشرة. غير أن والدتها، وهي قائدة أوركسترا محترفة، أخبرتها أن الموسيقى لن تكفل لها راتبًا جيدًا. لذا، قررت فيسكونتاس -التي كانت كثيرًا ما تسمع مغنية الأوبرا ماريا كالاس في أثناء إتمام واجباتها المدرسية- أن تدرس العلوم بدلًا من ذلك، لتنال شهادة البكالوريوس في علم النفس والأدب الفرنسي من جامعة تورنتو بكندا، ودرجة الدكتوراه في علم الأعصاب المعرفي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. وعندما كانت تقضي عامًا في لندن، التحقت إندري بدروس للغناء، واستمرت فيها خلال مرحلة الدكتوراه، بينما كانت تغني في الأوبرا أيضًا.

رأت فيسكونتاس في علم الأعصاب خيارًا مهنيًّا مستقرًا قد يمنحها أفكارًا بخصوص كيفية تجسيد الأدوار بشكل أفضل في الأداء الأوبرالي. لكن بعد سنوات من تحويل انتباهها بين العلوم والموسيقى، اكتشفت طريقة تجمع بين الأمرين، من خلال تطبيق علم الأعصاب على التدريب الموسيقي. تعمل فيسكونتاس حاليًّا مغنية أوبرا واختصاصية في علم الأعصاب المعرفي، وتشغل منصبًا في جامعة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، وآخر في مدرسة سان فرانسيسكو للموسيقى.

يرى العلماء الذين نجحوا في تحويل شغفهم ومواهبهم غير الأكاديمية إلى مسار مهني بحثي أن المثابرة والصبر هما الأساس، لا سيِّما عند محاولة دمج مسارين مهنيين قد لا يبدو أن بينهما علاقة واضحة. إن الجمع بين التخصصات المختلفة قد يكون مزعجًا، كما يتطلب الأمر الكثير من الوقت والإبداع لإقناع الممولين والمستشارين بأن الأمر يستحق.

غير أن مَن فعلوا ذلك يشيرون إلى أن تركيز عدسة بحثية على شغفهم قد وسَّع آفاقهم الشخصية وأهدافهم العلمية في مشهد أكاديمي يغلب عليه طابع تعدّد التخصصات بصورة متزايدة. تتضمن المشاريع البحثية التي تعكف عليها فيسكونتاس تعليم الغناء للأشخاص الذين أجروا عمليات زراعة قوقعة، وتقول: "تشبه حياتي اللولب المزدوج للحمض النووي إذ تتقلّب باستمرار"، مضيفةً أنها لاحظت توجهًا نحو إيجاد حلول مبتكرة في العلوم، إضافة إلى الحاجة إلى تبنّي نهج علمي في الفنون. وتقول: "أشعر أنني جسر بين هذين العالمين. ونحن مقبلون على عصر يُحتفى فيه بمثل هذا التداخل".

رسم مسار

وتقول فانيسا إسبانيا -روميرو -اختصاصية فسيولوجيا التمرينات الرياضية بجامعة قادس في إسبانيا- إن الأمر غالبًا ما يتطلب التحلّي بالمثابرة من أجل إيجاد طرق لدراسة الاهتمامات الشخصية، لا سيَّما إذا كانت هذه الاهتمامات لا تندرج تحت أقسام بحثية قائمة. كانت فانسيا قد استهواها تسلق الجبال في أثناء الدراسة فاختارت دراسة العلوم الرياضية، وكان من بين أسباب الاختيار أن تتعلم كيفية تحسين مهاراتها في تسلق الجبال.

وعندما بدأت -في أثناء مرحلة الدكتوراه – دراسة عناصر اللياقة البدنية للتسلق، مثل قوة اليدين ونسبة الدهون في الجسم، لم يكن ثمة أي شخص آخر في إسبانيا يدرس هذه الرياضة؛ لذا كان عليها أن تبتكر الأدوات والمعادلات في أثناء شرح ما كانت تفعله لزملائها والمشرفين على دراستها. وتضيف فانيسا قائلة إن تمويل دراستها كان مستحيلًا، لأن مقدّمي المنح لم يستوعبوا دراسة التسلق أو لم يروا جدوى لدراسته. تقول فانيسا: "كانوا يرون أنني أفعل شيئًا غريبًا".

وبدلًا من الاستسلام، توصي إسبانيا-روميرو بتبني التفكير طويل الأمد والاستراتيجيات الإبداعية لبناء مسارات بحثية جديدة. وقد بحثت عن تمويل لبحث يتناول تعزيز النشاط البدني والصحة، ومن ثم طبقت أدوات البحث القائمة على دراساتها عن التسلق. ولا تزال فانيسا تنتهج تلك الاستراتيجية، رغم أن الاهتمام المتزايد بالرياضة ساعدها في الحصول على بعض التمويل للدراسات الخاصة بالتسلق. تقول: "أعتقد أن أهم شيء بالنسبة إليّ كان المثابرة؛ فإذا كنت تحب ما تفعل، فاسع لتحقيقه. لكنك تحتاج إلى بعض الوقت".

عالم الأعصاب الدنماركي بيتر فوست يترأس مختبرًا علميًّا، ويدرِّس الموسيقى، ويعزف الكونترباص في 60 حفلًا موسيقيًا سنويًّا.

عالم الأعصاب الدنماركي بيتر فوست يترأس مختبرًا علميًّا، ويدرِّس الموسيقى، ويعزف الكونترباص في 60 حفلًا موسيقيًا سنويًّا.

Mads Bjoern Christiansen

وخلال الوقت المنقضي في البحث عن طريقة للجمع بين العلم والاهتمام الخارجي، قد يكون من الضروري متابعة المسارين معًا. ويمكن للمهارات التنظيمية الجيّدة أن تساعد الباحثين على التوفيق بين هويتين في آن واحد، على حد تعبير عالِم الأعصاب بيتر فوست -الذي يعمل مديرًا لمركز معالجة الموسيقى داخل الدماغ في جامعة آرهوس بالدنمارك، ويدرِّس الموسيقى في الأكاديمية الملكية للموسيقى في آرهوس، كما يعزف الكونترباص- وتتناول أبحاثه كيفية معالجة الدماغ للموسيقى، ويعكف على مشروعات من بينها استخدام الموسيقى في الرعاية الصحية.

بدأ فوست عزف الموسيقى على نحو احترافي حين كان عمره 16 عامًا، لكنه درس اللغة الفرنسية والموسيقى في المرحلة الجامعية، ودرس الرياضيات في مرحلة الماجستير، ثم علم الأعصاب في مرحلة الدكتوراه. ورغم اشتغاله بالعلم حاليًا، فإنه يعزف الموسيقى في السادسة والنصف من صباح كل يوم لمدة قد تصل إلى ساعة ونصف. يُعدّ هذا الوقت وقت تأمل يساعده على المشاركة باستمرار في 60 حفلة سنويًّا.

وتوصي فيسكونتاس أولئك الراغبين في الحفاظ على اهتمامات جانبية إلى جانب العمل لنيل درجة علمية أن ينتهجوا طريقة استراتيجية مع المعاهد البحثية والمشرفين. فقد بحثت هي عن مشرفين يدعمون الطلاب أصحاب الاهتمامات الخارجية ويمتلكون سجلًا حافلًا من المنشورات البحثية، ولازمت مشرفًا سمح لها بالعمل في الساعات التي تريدها، كما حضر مشرف آخر حفلاتها الموسيقية، وكان يسألها عن موسيقاها قبل أن يسألها عن بياناتها البحثية.

العثور على التمويل

ترى فيسكونتاس أن النهج الاستراتيجي يجب تطبيقه أيضًا عند السعي للحصول على التمويل. فمن أجل مواصلة شغفها الموسيقي في أثناء دراستها علم الأعصاب دون اعتراض من المشرفين على برنامج الدراسات العليا، أمضت الكثير من الوقت في البحث عن منح مستقلة والتقدم للحصول عليها. تضمنت عملية البحث المؤسسات العائلية والفرص التي كانت تستهدف مجموعات متخصصة محددة، وحازت على جائزة تستهدف الباحثين الذين يمارسون أنشطة خارج نطاق المقررات الدراسية. وأتاح لها هذا النهج أن تمول بنفسها دراستها لنيل الدكتوراه، إلى جانب استقلالها المالي عن مؤسستها، والقدرة على أخذ عطلة من برنامج الدكتوراه لمدة شهر كل صيف. وفي أثناء تلك العطلة، شاركت في عروض أوبرالية في عدة أماكن منها إيطاليا وكندا. وعن هذا تقول: "كنت أتابع مئات الفرص للمنح الدراسية والإعانات المالية. ومن ثم كنت أراسل الجهات المانحة وأقول لهم: 'مرحبًا، أنا أدرس هذا الشيء الرائع'. ويمكنك توجيه خطابك بما يتناسب مع رسالة المؤسسة المعنية".

سلَك فوست نهجًا مختلفًا كي يحصل على الحرية ذاتها؛ فقد عمل يوميًّا لمدة عامين من أجل التقدم بطلب لنيل منحة كبيرة من مؤسسة الأبحاث الوطنية الدنماركية، والتي تُمنَح لنحو عشرة علماء مرة واحدة كل ثلاث سنوات. غير أنه لم يحصل عليها، لذا اضطر إلى الاعتماد على منح أصغر. وفي عام 2014، نجح في الحصول على المنحة بعد تحسين طلب التقدم، وهو ما أتاح له التركيز على أبحاثه وموسيقاه دون أن يقلق كثيرًا بشأن الحاجة إلى البحث المستمر عن مزيد من المال.

إن تحمّل الانتظار لوقت طويل قبل العثور على طريقة للجمع بين العلم والاهتمامات الأخرى لا يُعد بالضرورة أمرًا سيئًا، على حد تعبير كيت بايشر، اختصاصية علم النفس السريري وعلم نفس الأداء في سيدني بأستراليا. لقد ركَّزت أبحاثها سنوات على الصدمات النفسية التي تصيب قدامى المحاربين، مع مواصلة شغفها بتسلق الجبال في وقت الفراغ. وبدأت منذ عام أو عامين فقط في دراسة المخاطر والمخاوف والقدرة على النجاة بين متسلقي الجبال في الرحلات الاستكشافية. ولم تفلح جهودها في الجمع بين خبرتها العلمية وحبها للجبال إلا بعد أن وطَّدت أقدامها كاختصاصية نفسية وطوَّرت المهارات اللازمة لطرح الأسئلة التي كانت تحاول أن تعثر على إجابات لها. وعن هذا تقول: "لم أكن مستعدة للقيام بذلك في بداية مسيرتي، عندما كنت في مرحلة التعلم. أما الآن فقد اكتسبت النضج المهني والشخصي اللازم للقيام بذلك".

ومن أجل تجنّب الإجهاد، توصي بايشر بوضع حدود فاصلة بين ساعات العمل وساعات اللهو. وهي لا تزال تتسلق الجبال مع الأصدقاء من أجل المتعة فقط، وسافرت في رحلة لمدة شهر إلى باكستان في وقت سابق من عام 2018. وتعمل بايشر على مشاريع بحثية لا علاقة لها بتسلق الجبال، وتقول: "التوازن المهني مهم للغاية".

الجمع بين العلوم والفنون

قد يتزايد القلق خلال محاولة الجمع بين هويتين متباينتين، لكن كثيرًا ما تُجنى الثمار لاحقًا. فبعد أن جمع فوست بين الموسيقى وعلم الأعصاب، صار يشعر بثقة أكبر في موسيقاه، لأن المخاطر تضاءلت. يقول فوست: "عندما بدأت مسيرتي العملية كعالم متخصص في الدماغ، أعطاني ذلك قدرًا من الاطمئنان. وإذا لم أعزف جيدًا في حفل ما، لم يعد الأمر يزعجني كما كان يزعجني في الماضي".

ويرى بعض العلماء أن دراسة المجالات التي يحبونها يمكن أن تعزّز من أدائهم. وتستطيع إسبانيا-روميرو الآن -مستعينة بعملها البحثي- أن تطبَّق استراتيجيات الأداء المدعومة بالأدلة على التسلق، كما تساعد المتسلقين الآخرين على فعل ذلك أيضًا. فعلى سبيل المثال، عندما تتعرض عضلاتها للإجهاد في أثناء التسلق، تستطيع تقييم عدد الثواني اللازمة للراحة قبل إجراء حركة أخرى. وفي عام 2014، تلقى فوست أول ترشيح لجائزة الموسيقى الدنماركية عن ألبوم اشتمل على رؤى من بحثه في الدماغ من أجل تحقيق أقصى تأثير عاطفي لدى المستمعين. وفي لحظة بارزة في الأغنية الرئيسية، استخدم نغمة لحن مع تناغم غير متوقع ليتزامنا مع كلمة مهمة، بهدف أن تمس نظام التنبؤ الموسيقي للدماغ. ويقول عن هذا: "بالنسبة لي، الأمر يشبه فتح نافذة والشعور بالرياح التي تهب في يوم بارد من أيام نوفمبر". ويضيف قائلًا: "كانت فكرتي تتمحور حول التأكيد موسيقيًّا على المشاعر المرتبطة بقدوم فصل الشتاء".

وترى فيسكونتاس أن المواءمة بين العلوم والاهتمامات الخارجية قد تؤدي إلى اكتشافات وأفكار جديدة. فبعد أن نالت درجة الدكتوراه في علم الأعصاب، اختارت الالتحاق بالدراسات العليا في الموسيقى. وخلال دراستها وتدريبها، بدأت تتعرف إلى المفاهيم الخاطئة في أساليب التدريب التقليدية، بما في ذلك الاعتماد على الحفظ لساعات طويلة، ورأت بدلًا من ذلك أن فهمها لذاكرة الدماغ يشير إلى أن الجلسات الأقصر والأكثر تنوعًا من شأنها أن تحفّز الدماغ على التعلم أسرع. وقد فتحت هذه الفكرة مسارًا وظيفيًّا جديدًا يجمع بين العلم والموسيقى. تقول فيسكونتاس: "لقد اكتشفت بمحض المصادفة طريقة يمكن بها للتعليم الذي تلقيته في علم الأعصاب أن يفيد الموسيقيين، ويظل مثيرًا لاهتمامي". وتضيف قائلة إنها الآن تنجز في جلسة تدريب مدتها 30 دقيقة ما كان يتطلب سابقًا من 4 إلى 8 ساعات عمل. تقول: "لقد استطعت أن أقلل وقت الممارسة بفضل علم الأعصاب".

إن تسليط عدسة علمية على الاهتمامات الخارجية يساعد أحيانًا على إنشاء مجالات علمية جديدة. بدأت إيما ريدينج مسيرتها المهنية راقصة معاصرة، ثم بدأت التدريس فيما بعد، وهو الأمر الذي أدى إلى اهتمامها بكيفية الاستفادة من طرق التدريب في مساعدة الراقصين على تلبية المتطلبات الجسدية العالية للرقص. إلا أنها خلال دراستها للماجستير في علوم الرياضة، كان عليها أن تدرس الميكانيكا الحيوية وفسيولوجيا رياضات مثل الرجبي وكرة القدم، ولم يكن هناك أحد ليعلّمها الرقص. وفي عام 2000، كتبت أول رسالة ماجستير في علم الرقص.

تشغل ريدينج حاليًّا منصب رئيس قسم علم الرقص في مدرسة ترينيتي لابان للموسيقى والرقص في لندن، التي يلتحق بها سنويًا 25 طالبًا من طلاب الدراسات العليا. وقد شهدت ريدينج نمو هذا المجال حتى صار يضم 10 برامج في علوم الرقص لمرحلتي الدراسة الجامعية والدراسات العليا في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن اختيارها الجمع بين العلم والرقص كان يتطلب ثقة كبيرة، وهي لا تزال تواجه التشكيك ممن يعتقدون أن الرقص فن لا ينتمي إلى عالم العلوم. تقول: "أعتقد أنني كنت أحاول دراسة شيء لا وجود له. لذا كان عليَّ أن أبدأ الأمر باعتباره اهتمامًا أو هواية، وحين حصلت على مؤهلات في العلوم، تمكنت من البدء في تطوير هذا المجال".

تضيف فيسكونتاس أن دراسة المرء لشغفه قد يؤدي إلى فرص جديدة. وهي تستخدم المهارات الأدائية التي تمتلكها في نقل العلوم عن طريق محاضرات عبر الإنترنت، كما تقدم نشرتين صوتيتين وبرنامجًا تليفزيونيًّا. وبالإضافة إلى أبحاث علم الأعصاب، تعمل فيسكونتاس على عدة مشروعات موسيقية كل عام، من بينها أدائها المقبل لمقطوعة نفسية مثيرة ذات مسحة نسوية كُتبَت خصيصًا لتغنيها بصوتها. وفي هذه السنة أخرجت نسخة من مسرحية موسيقية تحمل اسم «الرجل الذي حسب زوجته قبعة» The Man who Mistook his Wife for a Hat، مستلهمة إياها من مقالة لعالم الأعصاب الراحل أوليفر ساكس، الذي كان معلمها في وقت من الأوقات.

ويرى فوست أن البحث في أي نوع من العلوم يتطلب عزمًا وإصرارًا بالغين، وأن أفضل العلماء هم من يدرسون ما يحبون. ويقول: "لكي تكون باحثًا جيدًا حقًّا، يجب أن يكون مجال بحثك هو شغفك، وأن تستمتع بما تفعله".

إميلي سون صحفية مستقلة تقيم في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا.