كتب وفنون

دروس مستفادة من الخطوط الأمامية لمكافحة الإيبولا

ناهيد باديليا تُثني على تحليلٍ للحملة المحفوفة بالمخاطر لاحتواء أزمة تفشّي فيروس الإيبولا بين الأعوام 2013 و2016.

ناهيد باديليا

  • Published online:
عمال يُعدّون العدّة لدفن جثمان شخص توفي بفيروس الإيبولا في سيراليون عام 2014.

عمال يُعدّون العدّة لدفن جثمان شخص توفي بفيروس الإيبولا في سيراليون عام 2014.

Tommy Trenchard/Panos

عندما تعمل داخل منظومة تؤمن بها ولكنك تدرك أنه يشوبها خللٌ وظيفيٌّ، يُمسي من الصعب أن تقدّم نقدًا متوازنًا. فالمخاطر جسيمة عندما تكون المنظومة المعنيّة استجابة لحالة إنسانية طارئة حيث يحدد الرأي العام التمويل الضروري. يُحقّق كتاب «ثقافة مكافحة تفشي الأوبئة» Outbreak Culture، الذي يتناول أزمة تفشي فيروس الإيبولا خلال الفترة بين أعوام 2013 و2016، هذا التوازن الدقيق ببراعة.

الكتاب من تأليف عالمة الوراثة بارديس سابيتي والصحفية لارا سالاهي، وتدور فكرته الرئيسية عن انتشار القواسم المشتركة للخلل الوظيفي في مكافحة الأوبئة، والتي تنشأ من البنية الأساسية للمجتمعات (الناجمة عن التاريخ والسياسة والثقافة)، والمنافسة بين المنظمات الدولية، و(أحيانًا) الدوافع الشخصية للأفراد في المواقف شديدة التوتر. فنحن نعاني من انقسامات بسبب نقاط الضعف القائمة.

تعرض سابيتي -التي شاركت في جهود مكافحة وباء الإيبولا- وسالاهي أنَّ العالَم مُقَدَّرٌ له تكرار الأخطاء عينها مع كل تفشٍ لوباءٍ جديد، ما لم تتحوّل الاستجابة لتفشي الأوبئة إلى "نمط ينزع إلى التعاون بدلًا من التنافس، والتأهب بدلًا من الاستجابة المتأخرة". ويدعوني واقع خبرتي إلى الموافقة على هذا الطرح. فقد كنت ضمن فريق الاستجابة الإكلينيكية في سيراليون إبَّان تفشي وباء الإيبولا خلال عاميْ 2014 و2015. وأعمل حاليًا في أوغندا عند الحدود الفاصلة بيني وبين منطقة تفشّي الوباء في جمهورية الكونغو الديمقراطية. (إفصاح كامل: أنا أظهر ظهورًا وجيزًا في الكتاب).

يستند كتاب "ثقافة مكافحة تفشي الأوبئة" إلى القصص المُجمّعة لما يربو على 200 شخصٍ عملوا ضمن جهود الاستجابة للأوبئة في غرب أفريقيا، بدايةً من الأطباء الإكلينيكيين والباحثين، إلى العاملين في مجال الصحة العامة وحتى المديرين. ويتميّز هذا العمل عن القصص الفردية الحديثة بتضمينه آراء هؤلاء الأشخاص كافة. ومع ذلك، يحتفظ الكتاب بالطابع الشخصي للقصص التي يسردها. ويضم أيضًا التحليلات اللاحقة على تفشي الأوبئة والتي أجرتها الحكومات والمنظمات الدولية، مثل المراجعات الداخلية والخارجية لمنظمة الصحة العالمية، والتقارير المستقلة للأكاديمية الوطنية للطب بالولايات المتحدة، وغيرها من الجهات الأكاديمية المتعاونة. ويضفي طابعًا بشريًا على التحديات، إذ يقصُّ وقائع الباحثين والأطباء الإكلينيكيين والمرضى، ومن بينهم سابيتي وأعضاء مختبرها.

في الوقت الحاليّ، يتطلب كلُّ تفشٍ جديد للوباء إعادة تشكيل الهياكل الإدارية، وتجري المفاوضات لإفساح المجال لإيصال المساعدات وبدء العمليات الإنسانية في الوقت الحقيقي. وتزعم سابيتي وسالاهي أن ندرة الهياكل الإدارية الجديرة بالثقة والرقابة في منطقة غرب أفريقيا خلقت مساحة حيث أدَّت الحوافز المتنافسة والطموحات الشخصية إلى ضرر بالغ. وتُسلّط المؤلفتان الضوء على الجانب المظلم للتفاعلات على أرض الواقع والذي يعمل على إبطاء الاستجابة نفسها وإحباطها في نهاية المطاف؛ ذلك الجانب الخفي الذي تجنَّبه كثير من التقارير في السابق.

أجرت المؤلفتان مقابلات شخصية مع عدد كبير من الأشخاص، وأرسلتا استبيانًا عبر البريد الإلكتروني أجاب عنه 132 شخصًا. وكان الاستبيان غير مُحدّد للهوية وإلا لامتنع أغلبنا عن إجابة أسئلته الصعبة بخصوص المنافسة والفساد وإهدار الموارد (شاركتُ شخصيًّا في الاستبيان). وأفاد 27% من المشاركين في الاستبيان بأنهم شهدوا أساليب غير قانونية خلال فترة تفشي الوباء، في حين ذكر 37% آخرون أنهم شهدوا ترويعًا، على سبيل المثال، إما بالتعرض له شخصيًّا وإما بالشهادة عليه أو بالسماع عنه أو بالمساعدة على استمراره.

وتشارك سابيتي وسالاهي قصصًا تكشف كيف أن الباحثين والمنظمات، من بينهم أفراد من داخل عديد من هيئات الصحة العامة الدولية، استولوا على البيانات والعينات التي كان من شأنها تقديم المساعدة. وتسرد الكاتبتان بجرأة قصة عن كيفية إهدار الفساد للموارد على جميع المستويات وتوجيهها بعيدًا عن المجتمعات المحلية المحتاجة. فعلى سبيل المثال، أكَّد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن نحو 6 ملايين دولار أمريكي تقريبًا من ميزانيتيه المخصصة لمكافحة الإيبولا اختُلِست في غرب إفريقيا. وضربتْ المؤلفتان أيضًا أمثلةً ملموسة توضّح كيف أن السياسات التنظيمية والاختلافات الثقافية وانعدام الثقة أفضت كلها إلى اتصالات غير فعّالة في مراحل حاسمة في أثناء فترة تفشي الوباء.

ورغم هذه الكشوفات، ينتهي الكتاب برؤية إيجابية، إذ يربط بين الإخفاقات خلال فترات تفشي الأوبئة وثغرات محدّدة كامنة في الحوكمة (على سبيل المثال، طرق توزيع المساعدات وإعداد التقارير بشأنها سمحت لأشخاص باختلاس الأموال). ويحدد الكتاب العمليات الرئيسية الضرورية للإصلاح، والتي تتضمن: تبسيط أنظمة الاتصال بين شركاء الاستجابة لتفشي الأوبئة، وإنشاء هيكل مركزي لحوكمة البحوث يتألف من خبراء لا يوجد أي تضارب في المصالح بينهم.

كان سيبدو مثيرًا للاهتمام أن نعرف ماهية التعديلات -إن وُجِدَت- التي أقدمت عليها المنظمات المذكورة في الكتاب في أعقاب تفشي الوباء. وكان يمكن أن تدعو المؤلفتان الأفراد الذين خصّتهم بالذكر بسوء السلوك لعرض وجهة نظرهم للأمور، حتى لو كان ذلك بشكل سريّ.

في الواقع، كان الجزء المفضل لديَّ من الكتاب هو وصف المؤلفتَيْن لمنظمة «فامبول توك» Fambul Tok (وتعني بلغة كريو «التشاور الأسريّ») في سيراليون، وهي نسخة من لجان تقصّي الحقائق والمصالحة التي تعمل على مستوى القرى. وتقترح المؤلفتان تلك اللجان كمثالٍ على الممارسات المُثلى للطريقة التي تستطيع بها المنظمات الدولية استقبال الملاحظات والتعقيبات الفورية من مكافحي حالات تفشي الأوبئة.

وتكمن قوة كتاب "ثقافة مكافحة تفشي الأوبئة" في طابعه الشمولي؛ فهو يصف ديناميكيات مشتركة على مستويات متنوعة في جميع حالات الطوارئ الإنسانية. ولكن، إذا كان هذا الكتاب يتناول شخصًا بعينه بأي حال من الأحوال، فهو يتناول قصة شيخ عمر خان، فحكايته متأصلة في الحجج التي ساقتها المؤلفتَان. وُلِدَ خان وترعرع في سيراليون، ورغم العقبات الضخمة أمسى باحثًا رائدًا في مجال الحمى النزفية هناك. وكان من أوائل الأطباء الذين يتعهدون مصابي الإيبولا بالرعاية في البلد خلال النصف الأول من فترة تفشي الوباء. وفي يوليو عام 2014، مات خان متأثرًا بالوباء. ويبدأ الكتاب بتناول القضايا السياسية والأخلاقية التي تكتنف علاجه. أين كان ينبغي أن يتلقى العلاج؟ هل كان ينبغي أن يُعطى علاجات تجريبية؟ وماذا عن الإخفاق في إجلائه (أو التأخر في فعل ذلك) للحصول على رعاية داعمة أكثر تطورًا، رغم إتاحة هذه الفرصة للمكافحين الدوليين للوباء من الغرب؟

أول تكليف لي كطبيبةٍ في وحدة لعلاج الإيبولا خلال فترة تفشي الوباء كان في مدينة كينيما بسيراليون. وقد وصلتُ بعد قرابة ثلاثة أسابيع من وفاة خان؛ وكان مجتمع الرعاية الصحية هناك مصدومًا من خسارته. وتؤكّد قصة خان إحدى الحقائق الأساسية التي يعرضها الكتاب: أن محل ميلادك يحدّد إذا كنت ستنجو من وباء الإيبولا أم لا. فبسبب الرفاهية التي يكفلها مختبر أو عيادة في الغرب، من السهل أن ننسى أوجه الاختلاف في جودة العلاج (وملايين من أوجه الظلم الطفيفة الأخرى) المُقَدَّم إلى سكان المجتمعات الأفقر. وسيكون تجاهل تلك الاختلافات أصعب كثيرًا عندما تباشر عملًا ميدانيًّا وتتكاتف مع مقدمي خدمات الرعاية الصحية الذين يعرفون تمام المعرفة أنهم لن يُنقلوا جوًا لتلقي رعاية أفضل إذا أصيبوا بالمرض، ومع ذلك يتحلّون بشجاعة لا معقولة تساعدهم على المضي قدمًا في عملهم. يطلق كتاب "ثقافة مكافحة تفشي الأوبئة" دعوةً نحن في أمسِّ الحاجة إليها لتحقيق قدر أكبر من العدالة في المَرَّة المقبلة.

ناهيد باديليا: طبيبة الأمراض المُعدية ومديرة الشؤون الطبية بوحدة مسببات الأمراض الخاصة في مركز بوسطن الطبي والمختبرات الوطنية للأمراض المعدية الناشئة في بوسطن، بولاية ماساتشوستس.

البريد الإلكتروني: nbhadeli@bu.edu