افتتاحيات

تقدّم بحذر

اختبار جزيئي مقترح لتحديد عمر الإنسان يطرح أسئلة صعبة على العلماء والمجتمع بأسره.

  • Published online:

ادَّعت إيفا بيرون أنها أصغر سنًا لأسباب سياسية. وتظاهر والت ديزني بأنه أكبر سنًا لتتسنى له المشاركة في الحرب. فالناس على اختلافاتهم يكذبون بشأن أعمارهم لشتى أنواع الأسباب، وقد ظلوا يفعلون ذلك فترة طويلة ولا يزالون يفعلونه. لقد أجبرت الفضائح على مدار العقد الماضي السلطات المختصة على التحرك بصدد ادّعاءات كاذبة من لاعبي كرة القدم: فالجهة الدولية المنظّمة للعبة (الفيفا) تُجري الآن فحصًا روتينيًا لعظام المعصم لدى اللاعبين المشاركين ببطولات الشباب للتحقق من أن هؤلاء الرياضيين في سن شابة حقًا للمنافسة في تلك المسابقات.

ويُعتبر فحص المعصم أحد الاختبارات التشريحية المتعددة المتاحة التي من شأنها تحديد درجة بلوغ أو رُشد الفرد. إلا أن هذه الاختبارات معقّدة وغير موثوقة، وهناك اختبارات أكثر دقة بصدد الظهور قريبًا. لكن انعكاسات ذلك ستكون عميقة، ويجب أن يناقشها الباحثون وصنّاع السياسات والجمهور بوجه عام.

أحد الأسباب التي تدفع العلماء إلى محاولة تحسين اختبارات تحديد السن، حلّ الجدل الدائر في أوروبا بشأن عمر اللاجئين. فقواعد الأمم المتّحدة تنصّ على أن الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة يجب أن يتلقوا نوعًا خاصًا من الحماية والمساعدة. ويدَّعي بعض الراشدين أنهم أصغر سنًا كي يحظوا بهذه المزايا، وقد أدّى سخط الصحافة الصفراء على هذه الحالات النادرة إلى إذكاء نيران التعصب السياسي والشعبي.

إذا كان المسؤولون القائمون على تقييم الأعمار على أساس سمات جسدية مثل الطول، والصوت، وملامح الوجه يشتبهون في أن أحد اللاجئين يُخفي عمره الحقيقي، فبإمكانهم حينها تطبيق اختبارات أخرى لتقييم درجة نُضج الأسنان أو العظام.

الخبراء محقّون في إدانة هذه الأساليب باعتبارها غير موثوقة، وفي شكواهم من أنها يمكن أن تحرم الأطفال الضعفاء من المساعدة المكفولة لهم بموجب القوانين الوطنية. فهل يمكن أن يفيد اختبار أكثر موثوقية واستنادًا إلى الأدلة؟ لن يجيب مثل هذا الاختبار جميع الأسئلة التي تطرحها أزمة اللاجئين في أوروبا؛ فقد طالب نحو أربعة ملايين شخصٍ بحق اللجوء منذ عام 2014، مما أدَّى إلى زيادة كراهية الأجانب في أجزاء من المجتمع، وتمخض عن ذلك قرارات صعبة بشأن أفضل السُبل لمساعدة المهاجرين ومَنْ يستحقون المساعدة أكثر من غيرهم. لكن الاختبارات الدقيقة يمكن أن تساعد نظريًا على جعل الأساس الذي تُبنى عليه هذه القرارات موضوعيًا وشفافًا.

كما أشرنا في إحدى مقالات قسم "أخبار في دائرة الضوء"، يقول بعض العلماء إنه يمكن تحديد العمر على نحوٍ أكثر دقة باستخدام اختبار جزيئي يسمى "الساعة فوق الجينية" والذي يبحث عن علامات كيميائية مميزة من المعروف أنها تتراكم باستمرار على الحمض النووي. نظريًا، يمكن إجراء الاختبار على مسحة بسيطة من الخد. ويثق الباحثون الذين يعملون على تطويره في أن هذا الاختبار بإمكانه التنبؤ بالعمر على نحو موثوق به، في حدود سنة أو سنتين؛ وهذا أفضل كثيرًا من الاختبارات التشريحية المستخدمة حاليًا التي لا تستطيع تقدير العمر إلا في حدود ثلاث أو أربع سنوات. لكن الباحثون يؤكدون أيضًا أن الساعة فوق الجينية ضعيفة الأداء حاليًا بالنسبة لكثير من الأشخاص. ولن يستطيع أي اختبار بيولوجي أن يجزم قطعًا إذا كان شخص يبلغ من العمر 17 عامًا أو 11 شهرًا أو 18 عامًا.

يجب أن تخضع مثل تلك المقاييس لاختبارات مكثفة ومُحكمة عبر مجموعات سكانية مختلفة، ويجب توضيح جوانب قصورها بجلاء. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي مناقشة الانعكاسات الأخلاقية بالكامل قبل استخدام الاختبارات في تحديد أعمار اللاجئين، وهو الأمر الذي يمكن أن تكون له تبعات ستغيّر من حياتهم. كما يجب أن تكون هذه الاختبارات مصحوبة دائمًا بموافقة تامة وبجميع ضمانات الخصوصية.

هناك أيضًا انعكاسات مهمة لذلك على جوانب أخرى. فعلى سبيل المثال، سيكون إيجاد وسيلة أكثر دقة لتحديد العمر مفيدًا في عمل الطب الشرعي للمساعدة على تحديد مواصفات المشتبه به استنادًا إلى عينات من الدم أو السائل المنوي. ولعلّ النجاح سيعتمد على أن تكون العينة كبيرة بما يكفي لإجراء التحليل. وعلاوةً على ذلك، تحظر بلدان مثل ألمانيا حاليًا استخراج مثل هذه المعلومات من اختبارات الحمض النووي.

تزوير السن مشكلة واسعة الانتشار في مجال الرياضة. ففي عام 2010، أجبر اكتشاف مثل هذا النوع من الخداع فريق الجمباز الصيني على إعادة الميداليات الذهبية التي كان قد فاز بها في أولمبياد سيدني قبلها بعقد من الزمان، إذ أُعلن أن عمر أحد المنافسين كان 14 عامًا فقط وقت المنافسة، أي أقل من السن المطلوبة بعامين.

وقد شهد الأسبوع الأخير من شهر أغسطس 2018 مظاهرات عنيفة ضد المهاجرين، هذه المرة في مدينة كيمنتس بشرق ألمانيا. وعلى الرغم من أن عدد اللاجئين الذين يصلون إلى أوروبا قد انخفض -فقد وصل 49,000 لاجئ بحلول شهر يوليو 2018 بالمقارنة مع 1.3 مليون في عام 2016- فإن التوترات لا تزال متأججة.

وبالنظر إلى هذاكله، لا ينبغي للباحثين أن يصمّموا أو يطالبواباختبارات تحديد العمر دون إيلاء الأمر عناية فائقةومناقشتهباستفاضة وعلى نطاق واسع. وسوف يستغرق ذلك بعض الوقت: فالمجتمع سيحتاج إلى وقت من أجل التفكير في كيفية استخدام مثل هذه الاختبارات وإذا ما كان ينبغي اللجوء إليها من الأساس. فالعمر ليس مجرد رقم إذ سيكون لتحديده تبعات كثيرة.