افتتاحيات

استهداف السرطان

يجب عدم الإفراط في بيع علاجات السرطان المخصصة لأورام معينة. 

  • Published online:

تلقّى اختصاصي السرطان، ليونارد سولتز، خطابًا في وقت مبكر من عام 2018 من شخص شاهد برنامجًا تليفزيونيًا عن الإمكانيات الواعدة لـ«علم الأورام الدقيق» precision oncology. جاء في الخطاب أن مريضًا تناول عددًا قليلًا من حبوب الدواء، ووجد أن ورمه يختفي. فهل يمكن أن يحدث الشيء نفسه مع والده المريض؟

شعر سولتز -الذي يعمل في مركز ميموريال سلون كيترينج لعلاج السرطان بمدينة نيويورك سيتي- بالأسى. يقول: "هذا ما يظنّه الناس بشأن علم الأورام الدقيق. رباه، ليت الأمر كان كذلك".

ليس من الغريب أن يُنظر إلى الوعد بتقديم علاجات جديدة للسرطان، وتصور فاعلية هذه العلاجات، على نحو يتجاوز حدود الواقع. صحيح أن علم الأورام الدقيق علم واعد؛ فممارسته -التي تعتمد على العثور على نقاط ضعف في التكوين الجيني لورم بعينه حتى يمكن استهدافها بالعقاقير- آخذة في النمو والتوسّع. وتبرز نتائج جديدة بقوة في الاجتماع السنوي للرابطة الأمريكية لعلم الأورام الإكلينيكي في شيكاجو بولاية إلينوي لعام 2018، وهو الاجتماع السنوي الأكبر في مجال طبّ السرطان. غير أن الحديث عن الفوائد المحتملة لا بدَّ أن يكون مدعومًا بالواقع الإكلينيكي.

على مدار العقد الماضي، أسفرت التطورات في سلسلة الجينوم وتحليله عن فيض متدفق مستمر من المعلومات عن الطفرات الجينية التي قد تؤدّي للإصابة بالسرطان. وكشفت الدراسات أنه حتى السرطانات التي تنتمي إلى النوع نفسه، مثل أورام الثدي، قد تكون مختلفة جينيًا إلى حد كبير. ومن هنا انبثق الأمل في إمكانية تصميم العقاقير لتتوافق مع الشذوذات الجينية لورم معين، وهو ما يؤدّي إلى توافر علاجات ذات آثار جانبية أقل –في الوضع المثالي- وفاعلية أكبر من العلاجات التقليدية. وقد طُرحت في الأسواق بالفعل مجموعة من هذه العقاقير، ونجح أحدها -وهو عقار هِرسِبتين Herceptin (تراستوزوماب trastuzumab)- فعليًا في زيادة معدلات البقاء لدى النساء المصابات بأنواع معينة من سرطان الثدي.

وفي الوقت الراهن، يقف هذا النموذج لعلم الأورام الدقيق عند مفترق طرق، مع انتقال بعض التغيرات التي طال انتظارها في مجال رعاية مرضى السرطان من المختبرات إلى أَسِرّة المرضى؛ وهي تغيرات من شأنها أن تسمح لعلم الأورام الدقيق بالتوسع والانتشار. ففي عام 2017، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية موافقتها الأولى على إجراء اختبار جيني يمكنه اكتشاف الطفرات في مئات الجينات المرتبطة بالسرطان. وللمرة الأولى أيضًا، وافقت الإدارة على عقار لعلاج أي ورم صلب يحمل بصمة جينية معينة، بغضّ النظر عن النسيج الذي نشأ فيه الورم.

إن الهيئات الصحيّة في جميع أنحاء العالم تتحدّث بإيجابية عن دور الحمض النووي وعلم الجينوم في حقبة جديدة للطبّ الشخصي. إلا أن جدوى اختبارات وعلاجات السرطان باهظة الثمن التي لن تفيد إلا عددًا قليلًا من المرضى تثير أيضًا جدلًا محتدمًا. فقد جرى ربط نحو 30 علاجًا للسرطان حتى الآن ببصمة جينية معينة. ورغم استفادة كثير من المرضى، فإن بعضهم سوف ينتكس لاحقًا عندما تصبح أورامهم مقاومة للعلاج.

وفي ضوء ذلك، يُترك الأطباء في مواجهة المرضى وهم يحاولون معرفة ما يتعين عليهم فعله. مَن المرضى الذين يجب سلسلة أورامهم، ومتى؟ كم مرة يجب سلسلة ورم المريض الواحد؟ ما نوع السلسلة الذي يجب إجراؤها: 50 جينًا، 400 جين، أم الجينوم بالكامل؟ كيف يجب أن يفسر الأطباء المتغيرات الجينية والبيانات المتناقضة؟

وفوق ذلك كله، يبقى السؤال المؤلم الذي ينبغي لهيئات الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم أن تسعى لإيجاد إجابة له، وهو: عند أي مرحلة يفوق احتمال تحقيق الاستفادة تكلفة إجراء السلسلة والعلاج الذي يليها؟

يستطيع الباحثون المساعدة على تمهيد طريق علم الأورام الدقيق ليصل إلى العيادات. فإجراء مزيد من الأبحاث على علم وراثة السرطان قد يكشف عن أدوار لمتغيّرات جينيّة لم يتضح دورها بعد. ويمكن لهذه الدراسات أن تساعد أيضًا الباحثين على فرز وفحص تأثيرات مجموعات من المتغيرات الجينية، وهو أمر من المرجّح أن تزداد أهميته عندما يقوم الأطباء بسلسلة مجموعات أكبر من جينات الأورام. ومن المفيد أيضًا التأكيد المتزايد في بحوث السرطان على اختبار العلاجات المستهدفة مع بعضها، وكذلك مع العقاقير التي تثير استجابات مناعية ضد السرطان. ومن منظور إكلينيكي، فإن الفحص الأفضل والأكثر شمولًا من شأنه أن يحدّد الأفراد الأكثر قابلية للاستفادة.

يزيد علم الأورام الدقيق من اتساع نطاق خيارات العلاج، ولكن لعدد قليل نسبيًا فقط من المرضى، حتى الآن. ورغم ذلك يقول الأطباء إن التقارير الإعلامية عن العلاجات الخارقة قد رسمت صورة أكثر بهاءً، تُغذّيها حكاياتٌ عن مرضى استثنائيين يستجيبون للعلاج بصورة مذهلة، ولكنها غير معتادة. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تتفاقم المشكلة بسبب الدعايا والإعلانات -التي تطلقها شركات الأدوية ومراكز العلاج- والموجّهة مباشرة لمرضى السرطان. وقد أدّى الحماس لإمكانات علم الأورام الدقيق إلى تورّط الكثيرين في عرض هذا الخيار بتفاؤل مُفرط للغاية. إنَّ كل علاج دقيق للسرطان موجّه بطبيعته لمساعدة مجموعة صغيرة فقط من المرضى. ومن المفهوم تمامًا أن كل مريض بالسرطان يودّ أن يكون ضمن هذه المجموعة. لا شكَّ أن الأمل مهمّ، ولكن يجب على جميع الأطراف أن تكون حذرة بشأن كيفية توصيل الاحتمالات الواعدة للطب الدقيق إلى المرضى، وإلى أطبائهم.