رؤية كونية

القائمون بمراجعة الأقران يحتاجون إلى مزيد من الرعاية

يشرح ريتشارد كاتلو لماذا تطالب ثلاث جمعيات علمية قومية بمنح مقيِّمي البحوث تقديرًا مرتفعًا وتدريبًا قويًّا.

ريتشارد كاتلو
  • Published online:

ROYAL SOCIETY

إذا تعثَّرتْ مراجعات الأقران تعثَّر العلم.

ولهذا السبب أصدرت ثلاث أكاديميات علمية قومية هذا الشهر -الأكاديمية الفرنسية للعلوم وجمعية ليوبولدينا الألمانية والجمعية الملكية البريطانية- بيانًا مشتركًا عن كيفية ضمان إجراء تقييمات البحوث بشكل جيد (انظر go.nature.com/2ayvlsf).

هذه أول مرة تتحدَّث فيها الجمعيات عن هذه القضية علنًا، وهي تقوم بذلك بناء على طلب من كارلوس موداس، مفوّض الاتحاد الأوروبي للبحوث والعلوم والابتكار. وبصفتي أمين الشؤون الخارجية بالجمعية الملكية، فقد ساعدتُ على وضع هذا البيان. وأتمنَّى أن يؤثر في كل القائمين على تقييم العلماء الساعين للحصول على الترقية والتثبيت والمِنَح.

توصيتنا الرئيسية أن تبقى مراجعات الأقران حجر الزاوية في عملية التقييم. ويجب أن يقوم بها أشخاص يعتبرون أقرانا أكْفَاء، وأن يُعترَف بكونهم كذلك. يحتاج هؤلاء المراجعون الوقت والتدريب الكافي لبحث المساهمات العلمية بدقة دون الاعتماد على ملخَّصات الاستشهادات المرجعية. وكي يحدث ذلك، يجب أن نتعامل مع خبرات التقييم باعتبارها موردًا قيمًا.

إذا ما أردنا نجاح عملية التقييم، فمن المهم ألا نبالغ في التقييم. يُستهلَك قدر أكبر مما ينبغي من الوقت في المراجعة وإعادة المراجعة.

على سبيل المثال، رأينا في المملكة المتحدة نموًّا في المراجعات النصفية للمشروعات الكبيرة. بالتأكيد نحتاج للتأكد من أن هذه المشروعات تسير في المسار الصحيح، غير أن المراجعات المكثفة تستنزف وقت كبار العلماء وتجعلهم غير متاحين للمشاركة في تقييمات أكثر أهمية. إننا بحاجة إلى التحلِّي بثقة أكبر في الأشخاص الذين يُختَارون لقيادة المشروعات الكبيرة. ومن الممكن لمراجعات متواضعة أن تقيِّم ما إذا كان العمل يسير بشكل جيد أم لا، وأن تستحث استقصاءات أكثر دقة إذا ما ظهرت بالفعل علامات على وجود مشكلات.

كما أن الثقة في المراجعين مهمة. ويجب أن يحظى أولئك الذين يُختارون للقيام بمراجعة الأقران بالاحترام من جانب الأفراد والجمعيات التي يقيِّمونها، وينبغي أن تكون الخبرات ذات الصلة هي المعيار الرئيسي؛ إذ من المفترض أن يشعر العلماء بأن اقتراحاتهم وإسهاماتهم قد قُيِّمت بدقة، لأن المراجعين لديهم خلفية علمية من التخصص الصحيح. كما أن الخبراء الذين استُدعوا للقيام بالمراجعات لا ينبغي أن يكونوا ناديًا مغلقًا يميل أعضاؤه لاختيار أشخاص مماثلين لهم. فالتميز هو المؤهل الرئيسي، لذا فإن صفات مثل النوع والعرق والإثنية والإعاقة والتوجه الجنسي والسن وغيرها، يجب ألا تكون عائقا للانضمام للجنة المقيِّمين. وسوف تضمن زيادة عدد الأشخاص الذين يُطلَب منهم القيام بالمراجعة كذلك ألا يكون المراجعون مضغوطين بشكل مفرط.

ينبغي أن تتخذ الجمعيات والمؤسسات إجراءات لبناء الخبرات في عملية المراجعة. إن نظامنا الحاليّ يفترض أن العلماء سيلتقطون المهارات اللازمة من تلقاء أنفسهم. غير أن المراجعين بحاجة إلى أن يُدَرَّبوا على كيفية التفكير في المدخلات المتعارضة من المحكمين، ومقارنة المشروعات والاقتراحات عبر المجالات المختلفة.

ويجب أيضا أن يُحذَّروا من الموضوعات شديدة الجاذبية والرواج. ويجب تعريفهم بالتحيز اللاواعي وتقنيات الحماية منه. بعض البرامج الخاصة بذلك موجودة بالفعل: على سبيل المثال يُجري مجلس البحوث الهندسية وبحوث العلوم الطبيعية في المملكة المتحدة لجان محاكاة، ويطلبون من المراجعين المبتدئين تقييم مشروعاتٍ، مستخدمين عروضًا ومعلومات من لجان مراجعة سابقة.

من شأن اتباع هذه التوصيات أن يُعِدّنا للتعامل مع ما أعتبره الجانب الأكثر إثارة للقلق في تقييم البحوث: الاعتماد الزائد على المقاييس، وهو الأمر الذي يشوّه البرامج البحثية للعلماء في بداية مسارهم المهني. ولقد رأيت زملاء أصغر، في مرحلة من المفترض أنها بالغة الإبداع من مسيرتهم المهنية، يُحرِّفون بحوثهم باتجاه موضوعات يعتقدون أنها ستحصل على أعداد كبيرة من الاستشهاد وتظهر في دوريات علمية ذات معدل تأثير عالٍ. وتشير الأدلة إلى إهمال أسئلة مهمة نتيجة لذلك.

لقد كنتُ محظوظًا. فعندما بدأتُ مسيرتي المهنية في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن لدي إدراك حقيقي لكيفية الاستشهاد بأعمالي. وكان تخصصي -كيمياء المواد الحاسوبية- معترفًا به بالكاد من جانب علماء الكيمياء الرئيسيين. لو كنتُ مدفوعًا بالاستشهادات، لتخلّيتُ عن مجال بات الآن محوريًّا في تطوير مواد معقدة من بينها المحفِّزات المسامية والسيراميك الإلكتروني والمواد الموصلة أيونيًّا. وبحلول التسعينيات، عندما أصبحت معدلات الاستشهاد شديدة الأهمية، كنت قد أصبحتُ بالفعل أستاذًا.

لا يمكن للمقاييس أن تنوب عن الخبرات. لقد ترأّست لجنة الكيمياء داخل "إطار عمل التميز البحثي لعام 2014"، والتي كانت تقيِّم وحدات البحوث بالجامعات البريطانية. كان المراجعون يقرأون الأوراق البحثية ذاتها إلى جانب النظر إلى بيانات الاستشهاد. ينبغي أن تشكل تحليلات الاستشهادات المرجعية جانبًا واحدًا من الأدلة وحسب.

وبالمثل، يُنبئ معامل التأثير بمستوى المجلة العلمية، لكن لا يمكن استخدامه كمقياس لجودة مقالة منفردة منشورة فيها. يشهد هذا الشهر مرور خمس سنوات على إطلاق أعضاء المجتمع العلمي ما يعرف بـ"إعلان سان فرانسيسكو لتقييم البحوث"، الذي يحتج على استخدام المقاييس القائمة على النشر للدلالة على جودة أفراد العلماء. وقد وقَع على الإعلان حتى الآن نحو 900 منظمة، غير أن التغير الحقيقي في السلوك يتحقق ببطء. وقد رأيت مؤخرًا حالات ألزمت فيها جامعات المتقدمين للترقيات بذكر معامل التأثير للمجلات التي نشروا فيها أبحاثهم.

إن المراجعين المضغوطين أو غير الواثقين يستخدمون الاستشهادات المرجعية لأنها سهلة وكميَّة. ولن تأتي دوافع التغيير بالمزيد من الحديث ضدها، وإنما من تحرير المزيد من القدرات البشرية وخلق المزيد منها لتقييم البحوث. وأتمنَّى أن يؤدي بيان الأكاديميات الثلاث الصادر هذا الشهر إلى تشجيع كبرى الجهات الأكاديمية وممولي العلوم على القيام بذلك.

ريتشارد كاتلو هو أستاذ كيمياء المواد والحفز في جامعة لندن كوليدج وجامعة الكارديف، بريطانيا.

البريدي الإلكتروني: richard.catlow@royalsociety.org