أخبار

«جوجل» تزعم إحراز تفوق كَمِّي يشكل لحظة فارقة 

تقول الشركة إن حاسوبها الكَمِّي هو أول حاسوب يجري عملية حسابية تُعتبر مستحيلة عمليًّا بالنسبة إلى حاسوب كلاسيكي.

إليزابيث جيبني

  • Published online:
تتكون رقاقة «سيكامور» من 54 كيوبتًا، يتكون كل منها من حلقات فائقة التوصيل.

تتكون رقاقة «سيكامور» من 54 كيوبتًا، يتكون كل منها من حلقات فائقة التوصيل.

ERIK LUCERO

صرّح علماء من شركة «جوجل» بأنهم أحرزوا تفوقًا كميًّا؛ وهو إنجاز بارز، طال انتظاره في مجال الحوسبة الكمية. وهذا الإعلان - المنشور في عدد من دورية Nature، صدر في الثالث والعشرين من أكتوبر - جاء عقب تسريب لنسخة مبكرة من ورقة بحثية تفيد بهذا الإنجاز قبل خمسة أسابيع، وهو تسريب لم تعلِّق «جوجل» عليه آنذاك.

ففي السابقة الأولى من نوعها، صرَّح فريق بقيادة جون مارتينيز - عالِم الفيزياء التجريبية في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وفي شركة «جوجل» بماونتن فيو في كاليفورنيا - بأنّ حاسوبه الكَمّي قد أجرى عملية حسابية معينة، تعجز عن إجرائها الأجهزة "الكلاسيكية" المعتادة (F. Arute et al. Nature 574, 505–510; 2019). وحسب تقديرات شركة «جوجل»، فإن إجراء هذه العملية الحسابية نفسها، حتى باستخدام أفضل الحواسيب الفائقة الكلاسيكية، قد يستغرق 10 آلاف عام.

ولطالما كان يُنظر إلى التفوق الكَمّي باعتباره لحظة فارقة؛ لأنه يثبت أن الحواسيب الكمية يمكن أن تتفوق في أدائها على نظائرها الكلاسيكية، حسب ما يقوله مارتينيز. ورغم أن هذا التفوق قد ثبت في حالة محددة للغاية، إلا أنه يظهر للفيزيائيين أن ميكانيكا الكَمّ تحقِّق المتوقَّع منها حين يتم تسخيرها لحل مهمة حسابية معقدة.

يقول ميشيل سيمونز، عالِم الفيزياء الكمية من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني بأستراليا: "يبدو أن «جوجل» قد أعطتنا أول دليل تجريبي على أن التعجيل الكَمّي ممكن في الأنظمة الفعلية".

وقد تم الإفصاح عن الإنجاز - لأول مرة - في سبتمبر في جريدة «فاينانشيال تايمز» Financial Times، وفي قنوات أخرى، وذلك بعد تسريب نسخة مبكرة من الورقة البحثية التي سجّلته على الإنترنت على موقع وكالة ناسا، التي تتعاون مع شركة «جوجل» في مجال الحوسبة الكمية. ومن هنا، جرى توثيقه سريعًا. وحينئذ، لم تؤكد الشركة أنها هي التي كتبت الورقة البحثية، وكذلك لم تعلِّق على الأنباء التي جرى تداولها.

ورغم أن العملية الحسابية التي اختارتها «جوجل» – وهي التحقق من مخرجات مولِّد أرقام عشوائية كَمّي – لها تطبيقات عملية محدودة، فإن سكوت آرونسون، عالِم الحوسبة النظرية بجامعة تكساس في أوستن يقول: "إنه إنجاز علمي هائل، بافتراض صحته. وأنا أعتقد أنه صحيح".

ويحاول باحثون من خارج شركة «جوجل» بالفعل تطوير الخوارزميات الكلاسيكية المستخدَمة لحل هذه المعضلة الحسابية؛ لتقليص فترة العشرة آلاف سنة، التي قَدَّرَتها الشركة لحلها. وقد أفادت شركة «آي بي إم» IBM - وهي شركة منافِسة لـ«جوجل» في تصميم أفضل حواسيب كمية في العالم - في نسخة ما قبل النشر لورقة بحثية بتاريخ 21 أكتوبر بأنّ المهمة الحسابية يمكن حلها في يومين ونصف يوم فقط باستخدام تقنية كلاسيكية مختلفة (E. Pednault et al. preprint at  https://arxiv.org/abs/1910.09534; 2019). ويُذكر أنّ هذه الورقة البحثية لم تخضع لمراجعة الأقران، فإذا كانت مزاعم شركة «آي بي إم» صحيحة، فإنها قد تقلل من شأن إنجاز «جوجل»، المتمثل في إحراز "تفوق" كَمّي؛ وهو ما يعني إجراء عملية حسابية بشكل أسرع بكثير من حاسوب كلاسيكي، دون أن يكون هذا بمثابة إجراء يفوق إمكانيات الحاسوب الكلاسيكي، لكنْ سيظل هذا حدثًا بارزًا، حسب ما يقوله سيمونز، إذ يقول في هذا الصدد: "حسب معلوماتي، فهذه هي المرة الأولى التي تتم فيها البرهنة على هذا الإنجاز، وبالتالي فهو يمثل - بلا شك - نتيجة مهمة".

حلول سريعة

تعمل الحواسيب الكمية بطريقة مختلفة اختلافًا جذريًّا عن الأجهزة الكلاسيكية؛ فوحدة البت الكلاسيكية هي 1، أو صفر، لكن البت الكمي، أو الكيوبت، يمكن أن يوجد في حالات متعددة دفعة واحدة. وحين تكون الكيوبتات مترابطة بصورة معقدة، يمكن للفيزيائيين – نظريًّا - استغلال التداخل بين حالاتها الكمية الشبيهة بالموجات؛ لإجراء عمليات حسابية قد تستغرق ملايين السنوات إذا أُجريت بطريقة أخرى. ويعتقد الفيزيائيون أن الحواسيب الكمية ربما تستطيع يومًا ما تشغيل خوارزميات ثورية يمكنها، على سبيل المثال، البحث في قواعد بيانات معقدة، أو تحليل الأرقام الكبيرة إلى عواملها، بما في ذلك – وهذا مهم – الأرقام المستخدَمة في التشفير، لكنّ الوصول إلى تلك التطبيقات ما زال تفصلنا عنه عقود. وكلما زاد ترابط الكيوبتات، زادت صعوبة الحفاظ على حالاتها الهشة أثناء تشغيل الحاسوب الكمي. ويجري تشغيل خوارزمية «جوجل» على رقاقة كمية مكونة من 54 كيوبتًا، كل منها مكونة من حلقات فائقة التوصيل، لكنّ هذا يمثل جزءًا لا يكاد يُذكر من المليون كيوبت التي يمكن أن تكون مطلوبة لجهاز مصمَّم للاستخدام العام.

إنّ المهمة التي حددتها «جوجل» لحاسوبها الكَمّي "غريبة نوعًا ما"، حسب ما يقوله كريستوفر مونرو، وهو فيزيائي من جامعة ميريلاند في جامعة كوليج بارك، إذ ابتكرها فيزيائيو »جوجل« لأول مرة في عام 2016، وصُممت بحيث يكون حلها صعبًا للغاية بالنسبة إلى حاسوب عادي. وتحدى الفريق حاسوبه، الذي يُطلق عليه اسم «سيكامور»، أنْ يصف احتمالات النتائج المختلفة المنبثقة من نسخة كمية من مولِّد يُخرِج أرقامًا عشوائية. وينفذون هذا بتشغيل دارة تمرِّر 53 كيوبتًا خلال سلسلة من العمليات العشوائية. ويؤدي هذا إلى توليد سلسلة مؤلَّفة من الرقمين؛ واحد، وصفر، تضم 53 رقمًا، بإجمالي 253 توليفة محتملة (استُخِدمَ 53 كيوبتًا فقط؛ لأن كيوبتًا من كيوبتات «سيكامور» الأربعة والخمسين كان معطلًا). وهذه العملية الحسابية معقدة للغاية، لدرجة أن النتيجة من المستحيل حسابها باتباع المبادئ الأولية، وبالتالي تكون عشوائية فعليًّا، لكنْ نظرًا إلى التداخل بين الكيوبتات، تكون احتمالات صدور بعض تسلسلات الأرقام أعلى من غيرها. يشبه هذا رمي نَرْد مغشوش، ليظل يعطي رقمًا عشوائيًّا، حتى وإنْ كان بعض النتائج أرجح أنْ يَظهر، مقارنةً بغيره.

يتفوق حاسوب «جوجل» الكمي في إجراء عملية التحقق من مخرجات مُولِّد أرقام عشوائية.

يتفوق حاسوب «جوجل» الكمي في إجراء عملية التحقق من مخرجات مُولِّد أرقام عشوائية.

Erik Lucero

وقد حَسَب جهاز «سيكامور» توزيعَ الاحتمالات باختبار الدارة، عبر تشغيلها مليون مرة، وقياس التسلسلات المخرَجة المرصودة. وهذه الطريقة مماثلة لرمي النرد؛ لمعرفة الرقم الذي يظهره بدرجة أكبر من غيره. وكان التحقق من الحل تحديًا آخر. وللنجاح في هذا التحدي، قارن الفريق النتائج بتلك الصادرة من عمليات محاكاة لنسخ أصغر وأبسط من الدارات، أجريت على حواسيب كلاسيكية، منها الحاسوب الفائق «سوميت» Summit بمختبر أوك ريدج الوطني في تينيسي. وباستقراء هذه الأمثلة، قدَّر فريق «جوجل» أن محاكاة الدارة بالكامل يستغرق 10 آلاف عام، حتى إذ أجريت العملية على حاسوب به مليون وحدة معالجة (وهو ما يوازي حوالي 100 ألف من حواسيب سطح المكتب)، بينما استغرق «سيكامور» 3 دقائق، و20 ثانية فقط.

تطبيقات محدودة

يقول مونرو إنّ إنجاز «جوجل» ربما سيفيد الحوسبة الكمية؛ عن طريق جذب المزيد من علماء الحاسوب ومهندسيه إلى المجال، لكنه يحذر أيضًا من أن هذا النبأ يمكن أن يخلق انطباعًا بأن الحواسيب الكمية صارت أقرب إلى الاستخدام في التطبيقات العملية الشائعة، منها في الحقيقة. ويقول: "القصة المتداولة هي أن حاسوبًا عاديًّا تم أخيرًا تجاوُز إمكانياته. ومن ثم، تكون هذه هي البداية، وسيكون لدينا أحد هذه الأجهزة في المنزل بعد سنتين".

ويقول مونرو أيضًا إن العلماء - في الحقيقة - ما زال عليهم إثبات أن الحاسوب الكمي القابل للبرمجة قادر على حل مسألة حسابية مفيدة، لا يمكن إنجازها بأي طريقة أخرى، وعلى سبيل المثال، بحساب البِنْية الإلكترونية لجزيء محدد، وهي مهمة عسيرة تتطلب نمذجة تفاعلات كمية متعددة. ويقول آرونسون إنّ من الخطوات المهمة أيضًا إظهار التفوق الكمي في خوارزمية تَستخدِم عملية معروفة باسم "تصحيح الأخطاء"، وهي طريقة لتصحيح الأخطاء الناتجة عن التشويش الكمي، التي يمكن - بخلاف ذلك - أن تفسد عملية حسابية. ويعتقد الفيزيائيون أن هذا أمر أساسي لدفع الحواسيب الكمية إلى العمل على المستوى المطلوب. وتعمل «جوجل» لتحقيق هذين الإنجازين البارزين - كما يقول مارتينيز - وسوف تكشف عن نتائج تجاربها في الأشهر القادمة.

ويقول آرونسون إن التجربة التي صممتها «جوجل» لإظهار التفوق الكمي قد تكون لها تطبيقات، فقد قام بوضع بروتوكول لاستخدام هذه العملية الحسابية؛ كي يُثبِت للمستخدِم أن البتات المولَّدة بواسطة مولِّد كمي يُخْرِج أرقامًا عشوائية هي عشوائية بالفعل. وقد يكون هذا مفيدًا - على سبيل المثال - في التشفير، وفي بعض العملات الرقمية المشفرة، التي يعتمد تأمينها على مفاتيح عشوائية.

كان على مهندسي «جوجل» إدخال مجموعة كبيرة من التحسينات على المكونات المادية لحاسوبهم؛ لتعمل خوارزميتهم، بما في ذلك تصميم أجهزة إلكترونية جديدة؛ للتحكم في الدارة الكمية، وابتكار طريقة جديدة لتوصيل الكيوبتات ببعضها بعضًا، حسب ما يقوله مارتينيز. ويضيف قائلًا: "هذا في الحقيقة هو أساس ما نقوم به لتوسيع نطاق استخدام هذه الأجهزة في المستقبل. ونعتقد أن هذه البِنْية الأساسية هي الطريق نحو تحقيق ذلك".