افتتاحيات

تفوُّق محفوف بالمخاطر

سوف تتأثر الحوسبة الكمية سلبيًّا، إذا كانت هناك مبالغة في ادعاءات تفوُّقها.

  • Published online:

برهن باحثون يعملون تحت قيادة فريق شركة «جوجل للذكاء الاصطناعي الكَمِّي» على إحراز "تفوق كَمّي"، وذلك باختراع شريحة أدّت مهمة حسابية أسرع من أي جهاز كمبيوتر تقليدي. وكما أوردنا في تقرير نُشر في دورية Nature، فإن إنجازًا يزعم الباحثون أن أسرع كمبيوتر فائق في العالم يؤديه في عشرة آلاف سنة قد اكتمل في أقل من ثلاث دقائق (F. Arute et al. Nature 574, 505–510; 2019).

  وفي الوقت الذي يستوعب فيه العالَم هذا الإنجاز، بما في ذلك الادعاء بأنّ بعض المهام الحسابية الكمية لا تستطيع إنجازه الحاسبات الفائقة – فإنه من السابق لأوانه الجَزْم بما إنْ كان هذا التفوق يمثل فجرًا جديدًا لتكنولوجيا المعلومات، أم لا. ولعل ما نشهده في الوقت الراهن هو بمثابة لحظة في مجال الحوسبة الكمية، على غرار انطلاق الطائرة الأولى على الإطلاق من بلدة كيتي هوك، وهو مِثال يَستحضِر في الأذهان العقود العديدة بين رحلة الأخوين رايت الأُولَى في تلك البلدة في ولاية كارولينا الشمالية في عام 1903، وبزوغ فجر عصر الطائرات النفاثة، فتحوُّل الحواسيب الكمية إلى جزء روتيني من الحياة – على أقل تقدير - قد تفصلنا عنه عدة عقود، أو أكثر.

ومع ذلك.. فلا شك أن هذا الإنجاز في مجال العلم والهندسة لا ينبغي التقليل من شأنه. وتبذل فِرَق البحث حول العالم جهودًا مكثفة؛ لإطلاق العنان لقدرة الظواهر الكمية على معالجة البيانات. ومن بين هذه الظواهر: «التراكب الكَمّي»، الذي تتصرف فيه الجسيمات وكأنّ لها حالات متعددة، إلى أن يتم رصدها. والتشابك الكمي هو الذي يفسر كيف يمكن ربط خصائص النظم الكَمِّية ببعضها البعض. فإذا أمكن التحكم في هذه السلوكيات بصورة أكثر دقة، فسوف تولِّد مكاسب هائلة في قوة معالجة البيانات عند أداء مهام معينة، مقارنةً بالكمبيوترات الفائقة اليوم. وهذا ما حققه فريق «جوجل».

تحتوي الشريحة المعروفة باسم سيكامور "Sycamore" على 53 وحدة "بت كَمّي" فقط، تتسم بأنها فائقة التوصيل، ويمكن التحكم في كلٍّ منها على حدة. ووحدات البت الكمي هي لَبِنَات البناء الأساسية للحاسبات الكمية. وقد اختار الفريق أن يحسب مخرجات دارة كَمّية عشوائية، هي بالأحرى تشبه مولد أرقام عشوائية كمي. ويقول الباحثون إنها ليست مشكلة هينة، فالحاسوب الفائق «ساميت»، الموجود في مختبر أوك ريدج الوطني في تينيسي - وهو أقوى آلة من نوعها في العالم - كان ليستغرق عشرة آلاف سنة لإنجاز هذه المهمة، فيما احتاج «سيكامور» إلى 200 ثانية فقط.

ويمكن لحاسوب «ساميت» استخدام أكثر من تسعة آلاف وحدة من أقوى وحدات المعالَجة المركزية (في كل منها 8 مليارات ترانزستور)، وما يقرب من 28 ألف معالج رسوم (لكل منها 21 مليار ترانزستور). وفي ضوء هزيمة تلك القدرة الحاسوبية الهائلة، باستخدام 53 بتًّا كميًّا فقط، يمكننا أن نفهم لماذا تثير أجهزة الكمبيوتر الكمية مثل هذه الإثارة والتفاؤل.

إنّ إظهار "التفوق الكَمّي" بهذه الصورة يشوبه قصور كبير، فهناك فجوة كبيرة يجب سدّها، قبل أن تتمكن الحاسبات الكمية من القيام بمهام هادفة بدرجة أكبر، مثل محاكاة خصائص المواد أو التفاعلات الكيميائية، أو تعجيل اكتشاف الأدوية. وأحد الأسباب أن الحواسيب الكميِّة شديدة الحساسية للضجيج البيئي، بما في ذلك الظواهر اليومية، مثل التغيرات في درجات الحرارة والحقول الكهرومغناطيسية. ولايزال الباحثون يفصلهم شوط كبير عن ابتكار وسائل للتغلب على هذه العقبات، وغيرها.

وبدلاً من المضيّ بحذر، نجد أن هناك تهافتًا كبيرًا على الحاسبات الكمية، في حركة شبيهة بحركة حمى الذهب، إذ يشترك المستثمرون مع الحكومات والشركات في ضخ مبالغ كبيرة من المال لتطوير تقنيات الكَمّ. كما جرى تعزيز توقعات غير واقعية بأنّ أجهزة الكمبيوتر الكمية القوية ذات الأغراض العامة قد تلوح في الأفق قريبًا. وهذا التفاؤل الذي يصبّ في غير محله قد يكون خطيرًا على مستقبل هذا المجال، الذي لا يزال ناشئًا.

كما خلق هذا المشهد شبكة مزدهرة من تقنيِّي الكَمّ، بيد أن أولئك الذين يمولون جهود هؤلاء التقنيين سوف يسعون في نهاية المطاف إلى الحصول على عائد لاستثماراتهم. وهناك بالفعل مخاوف من مبالغة بعض الشركات في وعودها. ولهذا السبب.. فإن الإفراط في تقدير هذا الحدث التاريخي قد يرفع سقف التوقعات. ويخشى الباحثون من أنه إذا فشلت الحواسيب الكمية في تقديم أي نفع سريعًا، فسوف يجلب هذا ما يمكن تسميته ​​بـ"فصل الشتاء الكَمِّي". وهذا المسمى يرمي إلى فترة يتباطأ فيها تقدُّم البحوث، وتتوقف الاستثمارات، وتحلّ خيبة الأمل.

تم تطوير المعالجات القوية التي ترتكز عليها أجهزة اليوم - مثل الهواتف الذكية - عبر عقود من الاستثمار المستمر في الأبحاث، الذي كان في الغالب استثمارًا عامًّا. وسوف تتطلب الحاسبات الكمية بالمثل ما يسميه اقتصاديو الابتكار "رأس المال الصبور".ففي كثير من الأحيان، يرتفع سقف التوقعات في تاريخ العلوم والتكنولوجيا، بينما يقف الواقع كعقبة في طريق تحقيقها. ولا تزال أجهزة الكمبيوتر الكمية على مشارف بدء رحلة طويلة، لا يمكن التنبؤ بها. وعلى الباحثين إدراك أنّ بإمكانهم الوصول إلى وجهتهم عند مواجهة التحديات، وكذلك حين تبدأ التكاليف في الارتفاع.