أنباء وآراء

علم الأحياء الدقيقة: الميكروبات المعوية تساعد الفئران على تبديد خوفها

تؤثّر الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء على التعلم المرتبط بالخوف. وهناك دراسة جديدة، تكشف بعض الآليات الأساسية وراء هذه الظاهرة، ومن المتوقع أن تعزز نتائجها فهْمنا لهذا الارتباط بين الأمعاء والمخ. 

درو دي. كيرالي

  • Published online:

يمكن للبكتيريا التي تعيش في الأمعاء، التي تُعرف مجتمِعةً باسم «مجهريات البقعة المعوية»، أن يكون لها تأثيراتٍ واضحة على وظائف المخ، وعلى السلوك أيضًا، بيد أن الآليات الكامنة وراء عملية التفاعُل تلك ما تزال مجهولة إلى حد كبير. وفي هذا البحث المنشور مؤخرًا بدورية Nature، توضح الباحثة كوكو تشو وزملاؤها1 هذه الآليات بصورة غير مسبوقة في تناوُل نطاق الموضوع وتفاصيله. ويفيد الباحثون بأنَّ الفئران التي تفتقر إلى مجموعةٍ معقدة من مجهريات البقعة تُظهِر تغيراتٍ في السلوك المرتبط بالخوف، وفي التعبير الجيني داخل بعض خلايا المخ، بالإضافة إلى تغييراتٍ في أنماط إطلاق الإشارات بالخلايا العصبية، وفي قدرة هذه الخلايا على تغيير الوصلات بينها. ويمثل هذا العمل خطوة كبيرة إلى الأمام في فهْمنا للتأثيرات المتبادلة بين الأمعاء والمخ.

تُجَدِّد الحيوانات استجاباتها للمثيرات البيئية على مدار حياتها. وعملية التكيُّف السلوكي هذه تحرِّكها تغيراتٍ خلوية وجزيئية تطرأ على المخ. وقد حلَّلت تشو وزملاؤها كيفية تأثير التغيرات في مجهريات البقعة المعوية على واحدةٍ من صور هذا التكيف السلوكي، وهي عملية تكييف الخوف.

في البداية، درَّب الباحثون الفئران على الربط بين نغمةٍ معينة، وتلقِّي صدمةٍ كهربية، وقاموا بقياس قوة ربط الفئران بين النغمة، والصدمة الكهربية. وتبيَّن أنَّه جرى الربط بين كليهما بصورةٍ طبيعية لدى كلٍّ من حيوانات المجموعة المُضبطة، وأيضًا الحيوانات التي عُولجت بمضاداتٍ حيوية لاستنزاف مجهريات البقعة المعوية داخل أجسامها. ثم عمل الباحثون على تبديد ذلك الارتباط بتشغيل النغمة بصورة متكررة، دون أن تصاحبها صدمةٌ كهربية. بعد ذلك.. قاموا بقياس معدل تحديث الحيوانات لسلوكها (هذا التحديث يعني تبديد الاستجابة المرتبطة بالخوف). وتبيَّن أنَّ الفئران التي تعاني نقصًا في مجهريات البقعة عجزت عن تحديث استجابتها، وأظهرت سلوك خوفٍ مستمرًّا بعد مرور وقتٍ طويل على تكيُّف حيوانات المجموعة المُضبطة. وقد اكتشفت تشو وزملاؤها الظاهرة نفسها في الفئران التي رُبِّيت في بيئةٍ خالية من الجراثيم داخل عوازل معقمة، ومن ثم لم تَنْمُ أي مجهريات بقعة في أمعائها.

والدراسة الحالية ليست الأولى التي تتناول تأثيرات مجهريات البقعة على عملية تكييف الخوف، إذ كشفت أبحاثٌ سابقة تَرَاجُع تعلُّم تبديد الاستجابة المرتبطة بالخوف في الفئران الخالية من الجراثيم، مقارنةً بفئران المجموعات المُضبطة، لكنَّ تشو وزملاءها هم أول مَن اكتشف خللًا معينًا في عملية تبديد استجابات الخوف (شكل 1)، بيْد أنَّ أهم ما يميز بحثهم هو النطاق الشاسع، والعمق اللذان اتسمت بهما النتائج التي توصلوا إليها لاحقًا عن الآليات المسبِّبة لتلك الظاهرة.

شكل (1) التأثيرات المتعددة لمجهريات البقعة المعوية على المخ. يمكن للبكتيريا التي تعيش في الأمعاء، التي تُعرف مجتمعة باسم «مجهريات البقعة المعوية»، أن تؤثر تأثيرًا ملحوظًا على المخ والسلوك. وتقدم تشو وزملاؤها1 أدلةً على أنَّ الفئران تحتاج إلى مجهريات البقعة؛ لتحديث استجابتها للتغييرات التي تطرأ على المثيرات البيئية؛ كأنْ تتوقف مثلًا عن الاستجابة لمثيرٍ كان مخيفًا، لكنَّه لم يَعُد يُشكِّل تهديدًا (وهي ظاهرة تُعرف باسم «تبديد استجابات الخوف»). ويفترض مؤلفو الدراسة أنَّ هذا الدور في عملية التكيف السلوكي يدخل في أدائه جزيئاتٍ أيضية تُنتجها مجهريات البقعة، وتسري في الدورة الدموية. ويقترحون أنَّ نواتج الأيض هذه تنظم قدرة الخلايا المناعية في المخ - المعروفة باسم الخلايا الدبقية الصغيرة - على تحليل وابتلاع البِنَى المعروفة بالشوكات العصبية المتغصنة، التي تُشكِّل الوصلات المشبكية بين الخلايا العصبية. وإضافةً إلى ذلك.. يمكن أن تؤثر الخلايا الدبقية الصغيرة على النشاط العصبي مباشرةً. وهذه الأنشطة مجتمعةً يمكن أن تعزز التكيف السلوكي. ودعمًا لهذه الفكرة، يبين الباحثون أنَّ التغيرات في مجهريات البقعة تؤدي إلى تغييراتٍ في التعبير الجيني بالخلايا الدبقية الصغيرة، والخلايا العصبية، وأيضًا في القدرة على الحفاظ على الشوكات العصبية المتغصنة.

شكل (1) التأثيرات المتعددة لمجهريات البقعة المعوية على المخ. يمكن للبكتيريا التي تعيش في الأمعاء، التي تُعرف مجتمعة باسم «مجهريات البقعة المعوية»، أن تؤثر تأثيرًا ملحوظًا على المخ والسلوك. وتقدم تشو وزملاؤها1 أدلةً على أنَّ الفئران تحتاج إلى مجهريات البقعة؛ لتحديث استجابتها للتغييرات التي تطرأ على المثيرات البيئية؛ كأنْ تتوقف مثلًا عن الاستجابة لمثيرٍ كان مخيفًا، لكنَّه لم يَعُد يُشكِّل تهديدًا (وهي ظاهرة تُعرف باسم «تبديد استجابات الخوف»). ويفترض مؤلفو الدراسة أنَّ هذا الدور في عملية التكيف السلوكي يدخل في أدائه جزيئاتٍ أيضية تُنتجها مجهريات البقعة، وتسري في الدورة الدموية. ويقترحون أنَّ نواتج الأيض هذه تنظم قدرة الخلايا المناعية في المخ - المعروفة باسم الخلايا الدبقية الصغيرة - على تحليل وابتلاع البِنَى المعروفة بالشوكات العصبية المتغصنة، التي تُشكِّل الوصلات المشبكية بين الخلايا العصبية. وإضافةً إلى ذلك.. يمكن أن تؤثر الخلايا الدبقية الصغيرة على النشاط العصبي مباشرةً. وهذه الأنشطة مجتمعةً يمكن أن تعزز التكيف السلوكي. ودعمًا لهذه الفكرة، يبين الباحثون أنَّ التغيرات في مجهريات البقعة تؤدي إلى تغييراتٍ في التعبير الجيني بالخلايا الدبقية الصغيرة، والخلايا العصبية، وأيضًا في القدرة على الحفاظ على الشوكات العصبية المتغصنة.

كبر الصورة

يَعتمِد تبديد استجابات الخوف بشدة على وظيفة القشرة أمام الجبهية في الدماغ4. وقد أجرت تشو وزملاؤها تصويرًا مجهريًّا لهذه المنطقة من الدماغ داخل الأجسام الحية للحيوانات التي أجروا عليها التجارب، لتحليل أنماط النشاط العصبي، ودراسة تكوين وإزالة البِنَى المعروفة باسم «الشوكات المتغصنة»، التي تُسهِم في تكوين الوصلات المشبكية بين الخلايا العصبية. وخلال اختبار تبديد استجابات الخوف، تبيَّن أنَّ معدل إزالة الشوكات المتغصنة لدى حيوانات المجموعة المضبطة أقل من معدل إزالتها لدى الحيوانات التي تعاني نقصًا في مجهريات البقعة، بينما كان معدل تكوين تلك الشوكات أعلى في المجموعة المضبطة. والقدرة على تكوين الوصلات المشبكية والاحتفاظ باللازم منها هي جزءٌ جوهري مما يُعرف باسم «المرونة المشبكية»، وهي عملية بالغة الأهمية لعمليات التعلم والتذكر، تتغير فيها قوة الوصلات المشبكية؛ استجابةً للتغيرات في النشاط العصبي. وبالتالي، فإنَّ ارتفاع النسبة بين معدل تكوين الشوكات، ومعدل إزالتها ربما يُفسر - جزئيًّا - القدرة الأكبر لدى حيوانات المجموعة المُضبطة على تبديد استجاباتها للمثير المخيف.

ولتنظيم التعبير الجيني بدقة أيضًا أهمية بالغة في تنظيم المرونة المشبكية والسلوكية بصورة سليمة. وقد أشارت جهودٌ بحثية سابقة إلى أنَّ التغيرات في مجهريات البقعة تؤدي إلى تغيُّر أنماط التعبير الجيني في القشرة أمام الجبهية عامةً5، لكنَّ تشو وزملاءها عيَّنوا تسلسل الحمض النووي الريبي لخلايا مفردة في شتى أنحاء تلك المنطقة، وهو ما مكَّنهم من تحديد التغيرات في التعبير الجيني في أنواع الخلايا المفردة. وتدل البيانات الناتجة على أنَّ استنزاف مجهريات البقعة له تأثيرٌ أكثر وضوحًا على الخلايا العصبية الاستثارية، مقارنةً بالخلايا المثبِّطة، وهو ما يمهد الطريق أمام إجراء أبحاثٍ مستقبلية تُستهدَف فيها مجهريات البقعة، لتغيير خصائص مجموعاتٍ محددة من الخلايا العصبية.

وتكشف أيضًا تسلسلات الحمض النووي للخلايا المفردة التي عَيَّنها الباحثون تغيراتٍ في التعبير الجيني بالخلايا الدبقية الصغيرة، وهي الخلايا المناعية الموجودة بالمخ. وقد أثبتت دراساتٌ سابقة7،6 أنَّ تغيير تركيب مجهريات البقعة يؤدي إلى تغيراتٍ في كلٍّ من التعبير الجيني بالخلايا الدبقية الصغيرة، ووظيفتها. وقد وجدت تشو وزملاؤها ارتفاعًا في معدل التعبير عن جيناتٍ اقترنت بحالةٍ غير ناضجة من الخلايا الدبقية الصغيرة لدى الحيوانات التي تعاني نقصًا في مجهريات البقعة؛ وهو تغييرٌ ربما يؤثِّر على قدرة هذه الخلايا على أداء وظيفتها بطريقة طبيعية.

وكان قد اتضح في العقد الماضي أنَّ الخلايا الدبقية الصغيرة تؤدي دورًا جوهريًّا في الاتصال المشبكي بين الخلايا العصبية. فمِن خلال ابتلاع الوصلات المشبكية العصبية غير المرغوب فيها، وتحليلها، تضمن الخلايا تقليل الوصلات العصبية أو الحفاظ عليها حسب الحاجة8. ويمكن للتغييرات في هذه العملية أن تتسبب في تغيراتٍ في النمو العصبي9، كما تلعب دورًا في الإصابة بأمراضٍ نفسية10. وقد كشفت تسلسلات الحمض النووي الريبي التي عيَّنها الباحثون عن وجود تغيرات في الجينات المرتبطة بدور الخلايا الدبقية الصغيرة في تنظيم الوصلات المشبكية العصبية، وتوصيلها ببعضها البعض. ورغم أنَّ تشو وزملاءها لم يدرسوا مباشرةً التغيرات في عملية ابتلاع الوصلات المشبكية العصبية، إلا أن النتائج التي توصلوا إليها تؤسس لإجراء أبحاثٍ في المستقبل عن كيفية تأثير التفاعلات بين مجهريات البقعة والخلايا الدبقية الصغيرة على كثافة الوصلات المشبكية العصبية في المخ.

وأخيرًا، عيَّنت تشو وزملاؤها أنماط نواتج الأيض في أمعاء الفئران (وهي الجزيئات التي تنتج عن العمليات الأيضية)، لتحديد الجزيئات التي ربما تحفِّز التفاعلات التي لاحظوها بين الأمعاء والمخ. واكتشف المؤلفون أربعة نواتج أيض، تقلّ كمياتها بصورة ملحوظة في الفئران التي تعاني نقصًا في مجهريات البقعة، مقارنةً بفئران المجموعة المُضبطة. ولهذا.. يقترح هؤلاء الباحثون أنَّ مجهريات البقعة تؤثر على الخلايا العصبية والخلايا الدبقية الصغيرة في المخ من خلال نواتج الأيض التي تُفرز في الدورة الدموية.

ومن المعروف أنَّ مجهريات البقعة المعوية نشطة أيضيًّا بدرجةٍ كبيرة، ونظرية أنَّ الأمعاء والمخ يتواصلان من خلال نواتج الأيض التي تفرزها مجهريات البقعة في الدورة الدموية تُعَد نظريةً شائعة11. وقد ثبت أنَّ تغيير نواتج الأيض الميكروبية يؤثر على مجموعةٍ من السلوكيات، بدءًا من السلوكيات الشبيهة بسلوكيات مرض التوحد12، ووصولًا إلى تلك التي تتضمن اللجوء إلى العقاقير رغبةً في بلوغ المتعة الحسية13. ويمكن للتجارب التي تعمل على تغيير مستوى نواتج الأيض التي حدَّدتها تشو وزملاؤها أن تُحسِّن فهْمنا لذلك التواصل بين الأمعاء والمخ.

ويمكن لتلك الأبحاث أيضًا أن تَكشِف وسائل لتحويل النتائج الحالية إلى خطوات للأمام على الصعيد الإكلينيكي. فالتطبيقات الممكنة لتلك النتائج واسعة النطاق، لأنَّ التغييرات في الإدراك والمرونة المشبكية يمكن ملاحظتها في جميع الاضطرابات النفسية العصبية تقريبًا. ولعل أكثر التطبيقات ارتباطًا بهذه الدراسة هو علاج اضطراب ما بعد الصدمة، الذي يعجز فيه الأشخاص عن تبديد ذكريات تجارب مخيفة أو صادمة. ويطرح عمل تشو وزملائها إمكانية استهداف مجهريات البقعة المعوية، ونواتج الأيض الخاصة بها، كاستراتيجية لمساعدة هؤلاء الأشخاص. وما زلنا في حاجةٍ إلى الكثير من البحث، لكنَّ هذه الدراسة خطوةٌ مهمة في فهْمنا للآليات التي ينبني عليها التأشير الكيميائي الحيوي بين الأمعاء، والجهاز العصبي المركزي.

References

  1. Chu, C. et al. Nature 574, 543–548 (2019). | article
  2. Hoban, A. E. et al. Mol. Psychiatry 23, 1134–1144 (2018).| article
  3. Lu, J. et al. PLoS ONE 13, e0201829 (2018).| article
  4. Maren, S., Phan, K. L. & Liberzon, I. Nature Rev. Neurosci.14, 417–428 (2013).| article
  5. Hoban, A. E. et al. Transl. Psychiatry 6, e774 (2016). | article
  6. Erny, D. et al. Nature Neurosci. 18, 965–977 (2015).| article
  7. Thion, M. S. et al. Cell 172, 500–516 (2018).| article
  8. Schafer, D. P. et al. Neuron 74, 691–705 (2012).| article
  9. Zhan, Y. et al. Nature Neurosci. 17, 400–406 (2014). | article
  10. Sekar, A. et al. Nature 530, 177–183 (2016).| article
  11. Cryan, J. F. & Dinan, T. G. Nature Rev. Neurosci. 13, 701–712(2012).| article
  12. Hsiao, E. Y. et al. Cell 155, 1451–1463 (2013).| article
  13. Kiraly, D. D. et al. Sci. Rep. 6, 35455 (2016). | article

درو دي. كيرالي يعمل في قسم الطب النفسي وقسم ناش فاميلي للعلوم العصبية بكلية طب إيكان في مستشفى ماونت سايناي بنيويورك، نيويورك 10029، الولايات المتحدة.

البريد الإلكتروني: drew.kiraly@mssm.edu