رؤية كونية

اطردوا الجوع من الجامعات

بمناسبة يوم الغذاء العالمي، تدعو إستير جومبي مؤسسات التعليم العالي لمساعدة الطلاب في معرفة من أين تأتي وجبة طعامهم التالية. 

  • Published online:

عندما اضطررتُ إلى تفويت بعض وجبات الطعام، لتوفير ثمن الإيجار خلال فترة دراستي في جامعة كينياتا في نيروبي بكينيا، أضحت الدراسة شاقة. ففي الأسابيع الأولى من الفصل الدراسي، عندما كان لديَّ ما يكفي من المال لشراء الطعام، اعتدتُ الاستيقاظ مبكرًا لمراجعة ما دَوّنته من ملاحظات في دفتر المحاضرات قبل الذهاب إلى الصف؛ وكانت المحاضرات دائمًا مفهومة بالنسبة لي، وكان ذهني حاضرًا في الندوات، لكنْ مع تضاؤل كمية النقود التي كنتُ قد خصصْتُها لغذائي، بدأتُ أشعُر بالجوع، وبتقلص فترات تركيزي. ولم أكن أقضي وقتي في التعلم، بل في التفكير في المكان الذي سأحصل منه على وجبتي التالية. وبدلًا من التردد على المكتبة، كنت أنام، وأمكث في غرفتي، بدلًا من الخروج مع طلاب آخرين، ووجدت مشقة في بعض المقررات الدراسية. 

وبعد طول انتظار، بدأَتْ الجامعات والمعاهد البحثية في الاهتمام بقضايا التنمر، والتحرش، والصحة النفسية. والآن، صار عليها أن تدرك أن كثيرين من الطلاب في مراحل التعليم العالي يعانون الجوع، أو يقضون وقتهم في القلق بشأن تأمين مصدر لحصولهم على الطعام. وقد كشفت دراسة استقصائية أُجريت في جامعتين في نيجيريا أن 45% من الطلاب عانوا الجوع، أو قللوا من استهلاكهم للطعام؛ لتوفير المال. واكتشفت الدراسة أيضًا معدلات أعلى في جامعة في جنوب أفريقيا. وقد تعاني الدول الغنية أيضًا هذه المشكلة، إذ تُقَدِّر جامعة كاليفورنيا أن ربع طلاب الدراسات العليا لديها قد شعروا بانعدام الأمن الغذائي في نقطة ما، وهو ما يعني أنهم فَوَّتُوا بعض وجبات الطعام، أو قللوا من الكميات التي يتناولونها لتوفير المال، أو نفد طعامهم قبل أنْ يصبح بمقدورهم شراء المزيد منه. 

لقد حَلَّ يوم الغذاء العالمي في السادس عشر من شهر أكتوبر الماضي، ولذا.. أناشد مؤسسات التعليم العالي بمعالجة مشكلة انعدام الأمن الغذائي في الجامعات. وأحُثُّها على وضع استراتيجيات تقوم عليها كل من الحلول طويلة الأجل، وقصيرة الأجل. فمِن ناحية الجانب الإنسانيّ، والعمليّ أيضًا، أنْ نضمن أن يكون الطلاب حاضرين بكامل طاقتهم، وأنْ يشاركوا بجِد في عملية التعلم في الفصول الدراسية؛ وهذا مستحيل إذا كانوا يتضورون جوعًا. 

وبوصفي باحثة زراعية، فأنا أدرس ميكروبات التربة المفيدة. وهدفي النهائي هو إيجاد طرق مستدامة لزراعة المحاصيل، ووقايتها من الخسائر التي تسبِّبها الحشرات وسط مناخ متغير. وقد قمت أيضًا بتأسيس «أويسكا جرينز» Oyeska Greens، وهي شركة ناشئة، تركز على الزراعة في مدينة كوالي في كينيا، وتؤسس أنظمة زراعية تنتِج كميات كبيرة من الغذاء باستخدام موارد قليلة، مقارنةً بما تستهلكه المَزارع التقليدية، لكنني أخذتُ أدرك - بصورة متزايدة - أن إنتاج المحاصيل بكفاءة ما هو إلا جانب واحد - وإنْ كان الأبرز - لخلق عالَم آمِن غذائيًّا. وعلى سبيل تحقيق مصلحة طلاب المؤسسات التعليمية، وإنشاء نموذج لمعالجة المشكلات المهمة، ينبغي على هذه المؤسسات أن تضطلع بالمهمة الصعبة المتمثلة في التأكد من إتاحة طعام مغذ لأفرادها.         

وقد أخذ بعض المؤسسات زمام المبادرة.. فالعديد منها يضم مخازن للأطعمة، أو حدائق في الأحرام الجامعية التابعة لها. وابتكرت جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو تطبيقًا لإخطار الطلاب بالوقت الذي يتوافر فيه طعام فائض من إحدى الفعاليات التي ترعاها الجامعة. وقد  قام ما يقرب من 69% من طلابها – جميعهم من طلاب الدراسات العليا – بتسجيل اشتراكهم في هذا التطبيق. وأنشأت جامعة ويتووترسراند في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا مركزها للسيادة الغذائية، وبرامج إعانة أخرى؛ لحث الطلاب على التبرع، وتقديم وجبات الطعام والأغذية التي تُزرَع في حديقة الحرم الجامعي لطلاب الجامعة المحتاجين إلى الطعام.

 وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تتبنى المؤسسات التعليمية نظرة طويلة الأجل، وأكثر شمولاً، لكنْ كيف؟

أولًا، يجب على الجامعات أن تجمع بيانات إحصائية عن مشكلة الجوع وانعدام الأمن الغذائي داخلها. ففي عام 2018، على سبيل المثال، وجد مكتب المساءلة - التابع للحكومة الأمريكية - أدلة على أن هذه كانت مشكلة متنامية، لكنْ كانت هناك ندرة في البيانات. والطلاب يخضعون بالفعل لاستبيانات، بعد إتمام المناهج الدراسية، في نقاط زمنية مهمة خلال العام الدراسي. ويجب أن يُستغَلّ بعض هذه الاستبيانات، أو أنْ يتم عمل دراسات استقصائية جديدة؛ لمعالجة مشكلة الأمن الغذائي، بحيث تتمكن المعاهد التعليمية من تقييم عدد الطلاب، وطلاب مرحلة ما بعد الدكتوراة، وأعضاء هيئة التدريس حديثي التعيين الذين يساورهم القلق بسبب الجوع.

وحتى الخطوات البسيطة تُعتبر مفيدة؛ مثل تجميع قوائم بالموارد المتاحة للطلاب الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي، والمشكلات المرتبطة بالصحة النفسية، وغيرها من التحديات. وعلى سبيل المثال.. تقدِّم جامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك، وجامعة أوريجون في يوچين هذه المعلومات في صورة رسائل عبر الإنترنت للطلاب. ويمكن أن تساعد البيانات الدقيقة على نقل رسائل فعالة إلى الفئات الأكثر عرضة لهذا الخطر.

كما يجب أن تعمل الجامعات على ابتكار أفكار جديدة لمعالجة هذه القضايا. ولأنّ الطلاب هم الأكثر تضررًا، يجب على المعاهد أن تشرِكهم في ابتكار الحلول. وأتصورُ وجود أزمة في الحلول المبتكرة تمتد عبر بلدان العالم. ولذا.. يمكن أن تتحد الجامعات؛ لمشارَكة الخبرات حول كيفيةٍ تُمَكِّنها من حل مشكلة انعدام الأمن الغذائي، وغيرها من التحديات، أو حول كيفية تَمَكُّنها من التخفيف من حدة هذه المشكلات. كذلك يجب على قادة التعليم تسجيل ورصْد ما يجعل البرامج الجامعية التي تعالج انعدام الأمن الغذائي مستدامةً على مر السنين.

وفي النهاية، فإن الحقيقة المؤلمة هي أن مكافحة الجوع تكلف مالًا، ويجب على الجامعات تخصيص أموال؛ لمساعدة الطلاب على مواكبة الحياة الدراسية. وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومات إلى تعزيز برامج الدعم الغذائي للطلاب، وإنشائها، أو التأكد - على الأقل - من أن الطلاب مستحقون للانتفاع ببرامج الدعم القائمة بالفعل.

والنبأ السار في هذا الصدد هو أن التغيير يحدث بالفعل. فقد قام تحالُف يتألف من أكثر من 100 معهد في 29 دولة بمطالبة الطلاب بأنْ يأخذوا زمام المبادرة، ويضغطوا على المسؤولين؛ لمحاربة الجوع وانعدام الأمن الغذائي. ويشمل ذلك زيادة الوعي بهذه المشكلة، وتنظيم حملات تبرع بالطعام، وغير ذلك من الجهود.

ويستطيع الطلاب أن يحققوا إنجازات تفوق بكثير ما يتوقعونه، أو ما تتوقعه منهم مجتمعاتهم. ويجب عليهم ألا يخشوا المحاولة، فبينما كنتُ طالبة دراسات عليا في جامعة أوبورن في ألاباما، قمتُ بتأسيس مدرسة ابتدائية في كينيا. وتخدم هذه المدرسة الآن أكثر من 100 طالب من الأُسَر الفقيرة. وقد تعرفتُ حينئذ - بشكل مباشر - على مدى صعوبة تعلُّم الأطفال عندما يعانون الجوع. وبسبب اهتمامي بهؤلاء الأطفال، حرصتُ على أن تمدّهم المدرسة بوجبات، يتم توفيرها جزئيًّا من خلال أربع صوبات زراعية تُزرَع فيها الأغذية؛ من أجل المدرسة والمجتمع. وعندما يصل هؤلاء الطلاب إلى مرحلة الجامعة، وما بعدها من مراحل تعليمية، سيكونون أكثر استعدادًا لمواجهة مشكلات العالم. 

إستير جومبي تعمل أستاذة مساعدة بجامعة إلينوي في إربانا شامبين.

البريد الإلكتروني: est28@yahoo.com