أنباء وآراء

بيولوجيا الأورام: الفطريات تسرِّع نمو سرطان البنكرياس

لم يخضع تأثير الفطريات على صحة الإنسان لدراسة كافية، ولم يُعطَ أهمية كما ينبغي. وقد رُبط مؤخرًا بين أحد أجناس الفطريات، هو فطر الملاسيزية، وتَقَدُّم سرطان البنكرياس. 

آيفي إم. دامبوزا، وجوردون دي. براون

  • Published online:

إنّ مجموعات الكائنات المجهرية التي تَستعمِر مناطق معينة من الجسم يطرأ عليها عادةً تغيُّر في حال الإصابة بالسرطان1، وهذه الميكروبيومات – وتحديدًا مكوناتها البكتيرية – ينصبّ عليها الآن تركيز الأبحاث الخاصة بالسرطان. ومن أمثلة ذلك.. ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث (PDA)، الذي جرى توثيق حدوث تغيرات في المجموعات البكتيرية التي تستعمر البنكرياس فيه2. وهذا المرض القاتل يستعصي رصده عادةً، حتى يصل إلى مراحل متأخرة منه، وتكون فرص التعافي منه عادةً ضعيفة جدًّا3. ويكشف آيكوت وزملاؤه4 - في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature - عن أن المكوِّن الفطري للميكروبيوم البنكرياسي (المعروف باسم «الميكوبيوم») يتغير كذلك في حال ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث. وفي الواقع، تعمل وفرة جنس معين من الفطريات على تعزيز هذا المرض.

لم يُعطَ دور الميكوبيوم في صحة الإنسان ومرضه أهمية كافية على مدار التاريخ، غير أن دوره في كليهما يُعَد أساسيًّا. فثمة كائنات عديمة الضرر، تُدعى «المعايشات»، ومنها فطريات، تقطن السطوح المخاطية؛ مثل بطانة الأمعاء، والأنف، والفم، ويمكنها تنشيط عمليات التهابية، كجزء من استجابة الجهاز المناعي للإصابة، أو العدوى. وفي بعض الحالات، ترتبط التغيرات في التنوع الحيوي لمجموعات الفطريات بتفاقم الأمراض الالتهابية كمردود.

على سبيل المثال.. رُبط بين النمو المفرط «لفطريات المُبيضة البيضاء» Candida albicans في الأمعاء –  وهي فطريات تسبب التهاب الفم الفطري لدى الأطفال الرضع – وبين الأشكال الحادة من القرح المعوية5، والربو المُستحَث بالعفن6. وبالإضافة إلى ذلك.. بدأ يغدو من الواضح أن ثمة علاقة بين ميكوبيوم الأمعاء والسرطانات التي تصيب الإنسان؛ بما فيها سرطان القولون والمستقيم، وسرطان المريء7.

وقد استخدم آيكوت وزملاؤه تقنية تعيين تسلسل الحمض النووي؛ من أجل البحث عن واسمات جينومية خاصة بالفطريات داخل البنكرياس المصاب بالسرطان. وقد كشف هذا عن وجود زيادة في انتشار مستعمرات الفطريات في هذا البنكرياس، سواء لدى الأشخاص الذين يعانون من ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث، أو لدى نماذج الفئران التجريبية المصابة بورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث، وذلك مقارنةً ببنكرياس نظرائهم الأصحاء. فما مصدر تلك الفطريات؟ للإجابة عن ذلك.. وضع الباحثون سلالة فطريات موسومة فلوريًّا داخل أمعاء الفئران، وأمكنهم رصد الفطريات داخل البنكرياس بعد فترة قصيرة لا تتجاوز 30 دقيقة من إدخالها. ومن الجدير بالذكر أنه من المعروف وجود علاقة مباشرة بين الأمعاء، والقناة البنكرياسية، وأن الانتقال الموضعي للميكروبيوم إلى داخل البنكرياس قد سبق رصده في كائنات أخرى8، لكن لم يسبق رصده في حالة الفطريات.

بعد ذلك.. تقصّى الباحثون الصلة بين تطور الورم البنكرياسي والفطريات باستخدام فئران معدلة وراثيًّا، لتعبِّر عن بروتين مسبب للسرطان داخل البنكرياس، بحيث تصاب هذه الفئران بصورة بطيئة التقدم من ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث، تحاكي تطور المرض لدى البشر. وكان الميكوبيوم الخاص بالبنكرياس مختلفًا بشكل ملحوظ عن ذلك الخاص بالأمعاء لدى الفئران المتطفرة، وإنْ كانت الآليات التي تكمن وراء هذا الاختلاف لا تزال غير واضحة. وقد كان أحد أجناس الفطريات، وهو فطر الملاسيزية Malassezia، أكثر انتشارًا في الأورام البنكرياسية منه في أمعاء هذه الحيوانات، أو في بنكرياس الحيوانات السليمة، على حد سواء. ومن الأهمية بمكان أنّ فطريات الملاسيزية كانت منتشرة كذلك داخل عينات ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث، المأخوذة من البشر أيضًا.

وقد دُرست فطريات الملاسيزية في أمراض الجلد؛ مثل قشرة الرأس، والتهاب الجلد التأتبي. وفي الواقع، هذه هي أكثر أنواع الفطريات وفرة في جلد الثدييات، وتمثل أكثر من 80 إلى 90% من ميكوبيوم المعايشات التي تستعمر الجلد9. ونظرًا إلى تعرُّضنا المستمر لفطريات الملاسيزية، فمن الممكن أن يمتلك الأفراد الأصحاء استجابات مناعية ضد هذا الجنس، وهو ما يؤدي - في بعض الحالات - إلى الإصابة بمرض. فعلى سبيل المثال.. من الممكن للالتهاب الناشئ من فرط نمو فطر الملاسيزية أن يؤدي إلى تفاقم حالة القرح المعدية10.

وقد أشارت هذه المعلومات إلى أن وفرة فطر الملاسيزية في أورام الغدد القنوية البنكرياسية الخبيثة من الممكن أن تكون ذات أهمية طبية. وفي الواقع، وجد آيكوت وزملاؤه أن الأدوية المضادة للفطريات أوقفت تقدُّم ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث لدى الفئران، وحسَّنت قدرة العلاج الكيميائي على تقليص حجم الورم، في حين أدت إعادة تكوُّن مستعمرات من فطر الملاسيزية لاحقًا في الفئران التي عولجت بمضادات الفطريات إلى تسريع نمو الورم مجددًا.

بعد ذلك.. تقصّى آيكوت وزملاؤه الكيفية التي يحفز بها الفطر نمو ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث. وقد كشف تحليل للتعبير الجيني عن أن الفرص الضعيفة للبقاء على قيد الحياة، الناتجة في حالة ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث لدى البشر، كانت مرتبطة بالتعبير عن جزيء يُسمى «اللكتين الرابط للمانوز» MBL.

و«اللكتين الرابط للمانوز» هو بروتين قابل للذوبان في الماء، يُنتَج في الكبد، ويرتبط بالكربوهيدرات الموجودة على سطح الكائنات الدقيقة، ثم يُنَشِّط منظومة بروتينية تُدعى شلال تفاعلات البروتينات المتممة في الدم. وتؤدي منظومة شلال تفاعلات البروتينات المتممة عددًا متنوعًا من الوظائف المناعية؛ منها تنشيط الخلايا المناعية؛ كي تبتلع الفطريات وغيرها من مسببات الأمراض، وتقتلها. كما رُبط أيضًا بين هذا الشلال البروتيني، وتطوُّر الأورام؛ لأن مساراته المحفزة للالتهاب تستثير نمو الخلايا، وبقاءها، وحركتها، بما في ذلك الخلايا السرطانية. وفي آخِر مجموعة من التجارب، وجد آيكوت وزملاؤه أن تقدُّم ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث قد تأخر لدى الفئران التي تفتقر إلى جزيء «اللكتين الرابط للمانوز»، أو إلى مكون أساسي من مكونات شلال التفاعلات البروتينية المتممة، يُدعى البروتين C3، حتى إذا كان  فطر الملاسيزية موجودًا في البنكرياس. وعليه، فإن هذا فطر يعزز تقدُّم ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث؛ عن طريق تعزيز الالتهاب البنكرياسي، عبر شلال تفاعلات البروتينات المتممة (شكل 1).

شكل 1| فطر يسمى الملاسيزية يعزز نمو ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث: أفاد آيكوت وزملاؤه4بأن مجموعة الفطريات التي تستوطن البنكرياس يطرأ عليها تغيير حين تصاب الفئران أو البشر بورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث، بحيث تصير الفطريات من جنس الملاسيزية فائقة الوفرة، فيتعرف بروتين «اللكتين الرابط للمانوز» MBL - الموجود خارج الخلية - على بِنْية كربوهيدراتية مجهولة يعبِّر عنها الفطر، وينشِّط البروتين C3، وهو ما يحفز انطلاق استجابة مناعية التهابية، تسمى «شلال تفاعل البروتينات المتممة». وينتج عن تنشيط نظام البروتينات المتممة تأثيرات عديدة؛ منها استثارة نمو الخلايا، وبقاؤها، وانتقالها، وهي عوامل تعزِّز نمو الأورام.

شكل 1| فطر يسمى الملاسيزية يعزز نمو ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث: أفاد آيكوت وزملاؤه4بأن مجموعة الفطريات التي تستوطن البنكرياس يطرأ عليها تغيير حين تصاب الفئران أو البشر بورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث، بحيث تصير الفطريات من جنس الملاسيزية فائقة الوفرة، فيتعرف بروتين «اللكتين الرابط للمانوز» MBL - الموجود خارج الخلية - على بِنْية كربوهيدراتية مجهولة يعبِّر عنها الفطر، وينشِّط البروتين C3، وهو ما يحفز انطلاق استجابة مناعية التهابية، تسمى «شلال تفاعل البروتينات المتممة». وينتج عن تنشيط نظام البروتينات المتممة تأثيرات عديدة؛ منها استثارة نمو الخلايا، وبقاؤها، وانتقالها، وهي عوامل تعزِّز نمو الأورام.

كبر الصورة

وتكشِف النتائج التي توصل إليها آيكوت وزملاؤه عن دور لم يسبق كَشْفه للفطريات في تقدُّم ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث. ومن الخطوات المهمة التالية: تحديد ما إذا كان هذا الدور يتضمن - بصورة ما - تفاعلات مع أنواع البكتيريا المعروف عنها تعزيز تقدُّم هذا الورم، أم لا3. فالفطريات والبكتيريا تتعايش معًا داخل الأمعاء وغيرها من المواقع المخاطية. ومن المرجح أن تؤدي التغييرات التي تطرأ في مجموعة منها  إلى التأثير على مجموعة الكائنات الدقيقة الأخرى التي تعيش معها. وفي بعض السيناريوهات، رُصد تعايُش مشترك بين البكتيريا والفطريات في أمراض معينة، فعلى سبيل المثال.. كثيرًا ما تُعزَل البكتيريا من جنس الزائفة (Pseudomonas) من رئات الأشخاص المصابين بالتليف الكيسي، الذين يصابون عادةً بعدوى من فطر يُدعى الرشاشية 10Aspergillus. ومن شأن فهْم هذه الشبكات الميكروبية أن يحسِّن فهْمنا لتقدم الأمراض، وأن يوجه التدخلات العلاجية.

وثمة مسألة أخرى غير محسومة، هي الكيفية التي يتكامل بها عمل «اللكتين الرابط للمانوز» والجهاز المتمم مع بقية الجهاز المناعي خلال تقدُّم ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث. وعلى سبيل المثال.. كيف يتفاعل «اللكتين الرابط للمانوز»، وشلال تفاعلات البروتينات المتممة مع مسارات التأشير التي يُطْلِقها بروتين مستقبل في الخلايا المناعية يسمى dectin-1؟  يتعرف هذا البروتين على جدار الخلية الفطرية، وينشِّط مسارات مناعية وقائية مناهِضة للفطريات، ويتم ذلك عادةً بالتعاون مع مستقبِلات أخرى، منها تلك التي تتعرف على شلال تفاعلات البروتينات المتممة. وبالإضافة إلى ذلك.. يمكن للبروتين dectin-1 أن يتعرف مباشرة على البروتينات الموجودة على الخلايا الورمية، وأن يعدِّل نشاط الخلايا المناعية القاتلة للورم11، غير أن هذا البروتين يمكنه أيضًا أن يرتبط بالمستقبِلات التي تتعرف على الورم، وهو ما قد يعزز تقدُّم ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث12. وهكذا، يتضح أننا بحاجة إلى فهْم أفضل بكثيرٍ للتفاعل المتبادَل المعقد بين مكونات الجهاز المناعي التي تستهدف الفطريات، وتلك التي تستهدف الأورام.

وتسلط هذه الدراسة الضوء على دور للفطريات في تطور السرطان. ومن المثير للاهتمام أن هذا العمل البحثي يشير إلى إمكانية استحداث طرق علاجية جديدة.. فتعديل المجموعات الميكروبية عبر الاستهداف المباشر لمجموعات معينة ربما يساعد على تخفيف حدة ورم الغدد القنوية البنكرياسية الخبيث. وبالمثل، فمن الممكن للعلاجات التي تستهدف المكونات المناعية؛ التي تسيطر على العدوى الفطرية، مثل «اللكتين الرابط للمانوز»، أن تقدِّم سبيلًا لمكافحة هذا السرطان الفتاك.

References

  1. Helmink, B. A. et al. Nature Med. 25, 377–388(2019). | article
  2. Pushalkar, S. et al. Cancer Discov. 8, 403–416 (2018). | article
  3. McGuigan, A. et al. World J. Gastroenterol. 24, 4846–4861 (2018). | article
  4. Aykut, B. et al. Nature 574, 264–267 (2019). | article
  5. Iliev, I. D. et al. Science 8, 1314–1317 (2012). | article
  6. Bacher, B. et al. Cell 6, 1340–1355.e15 (2019). | article
  7. Elinav, E., Garrett, W. S., Trinchieri, G. & Wargo, J.Nature Rev. Cancer 7, 371–376 (2019). | article
  8. Schmid, St. W., Uhl, W. & Büchler, M. W. in Pancreatic Disease: State of the Art and Future Aspects of Research (eds Lankisch, P. G. &Di Magno, E. P.) 39–54 (Springer, 1999). 
  9. Findley, K. F. et al. Nature 498, 367–370(2013). | article
  10. Kruger, W. et al. Pathogens 8, 70 (2019). | article
  11. Chiba, S. et al. eLife 3, e04177 (2014). | article
  12. Daley, D. et al. Nature Med. 23, 556–567 (2017). | article

أيفي إم. دامبوزا، وجوردون دي. براون من مركز مجلس البحوث الطبية لعلم الفطريات بجامعة إكستير، إكستير EX4 4QD، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: i.m.dambuza@exeter.ac.uk

gordon.brown@exeter.ac.uk