مستقبليات

بدون وُلُوج

درس في التاريخ. 

ديبورا ووكر
  • Published online:

ILLUSTRATION BY JACEY

يجب عليّ ألّا أكون هنا. ها أنا ذا أسير ليلًا في أثناء «مهرجان التواصل مع الموتى». الأجواء.. هادئة. ربما لا يكون هذا المكان الأكثر أمانًا لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها.... فتاة من خارج الكوكب.

إلا أنني أشعر بملل شديد. تخيل أنني لم ألج إلى قواعد البيانات منذ ثلاثة أشهر! لا يتاح ذلك في هذا الكوكب السخيف. أبي لا يتفهمني؛ فهو يعتقد أنها تجربة تافهة، ليست ذات أهمية، لكن حياتي كلها تعتمد عليها؛ أصدقائي، وتجاربي، ومغامراتي، وكل شيء جعلني ما أنا عليه يكمن في هذا الولوج. بدونه.. أكون تائهة إلى أقصى حد. كان عليَّ أن أفعل شيئًا يجعلني أشعر بشيء ما.

أرى ظِلًّا مُحدب الظهر، يشبه الهيئة التي أتخيل أن يكون عليها مخلوق فضائي محلِّي من سكان الكهوف. أصيح: "مرحبًا.. أهلًا"، فينزلق الشكل مباشرة إلى داخل أحد الكهوف التي تشبه خلايا النحل، والتي تصف الشارع الرئيس الوحيد على هذا الكوكب.

إذَن، رأيت مخلوقًا فضائيًّا على الأقل. هذا أمر جلل.. فالفضائيون نادرون في أي مكان في المجرة. لم أكن قد رأيت منهم قبلًا سوى واحد فقط. كان ذلك عندما زرت «ساكند مومي» في مستعمرة «فايرووركس».  

هذا هو الموسم الذي يتجرأ فيه سكان الكهوف – من الفضائيين – على الخروج من كهوفهم؛ للتواصل مع موتاهم في خصوصية وسرّية. أخبرني أبي بأنّ عليَّ ألّا أغادر المجمع السكني على مدى الأيام الخمسة التالية. وكان من المستحيل أن أنفّذ هذا. كان الملل سيفضي بي إلى الجنون.

يتنامى إلى سمعي ضجيج يشبه صياح طائر مجنون – أعتقد أنه طائر الغواص البحري – يحوم فوق الماء.

أنا بخير.

مررت بهذا الشارع مرات كثيرة من قبل، لكنْ ليس بمفردي على الإطلاق. كان ذلك في الليل، والأقمار تسطع فوقنا، وقد خيمت ظلال متباينة الألوان على الممرات.

أخبرني أبي بأنه علينا أن نحترم طلب المخلوقات الفضائية بأنْ يحظوا بالخصوصية الكاملة أثناء تواصلهم مع موتاهم، لكنهم ليسوا موتى بالمعنى التقليدي.

يبدو أن سكان الكهوف متقدمون تكنولوجيًّا. إنهم يشكلون مجتمعًا عتيقًا، يُسجِّل أفراده هويّاتهم في نظم ذكاء اصطناعي. إنها ذكريات لهذا المجتمع. مائة ألف عام من الذكريات المسجلة. ومن الظاهر أن طلب النصيحة من الموتى أثناء المهرجان هو تقليد متبع. 

سألت أبي: "هل يخرجون حقًّا من مخابئهم أثناء هذه الفترة؟"،

فأومأ أبي بالإيجاب.

كان عليَّ أن أرى هذه المخلوقات الفضائية.   

ربما كان ذلك سيعوضني عن الشعور بأنني في حكم شخص تم اختطافه إلى كوكب التعدين هذا، وحرمانه من الولوج إلى البيانات، ومن كل شيء أحتاجه لأكون نفسي. ربما لو أخبرت أصدقائي القدامى بأنني قد رأيت مخلوقًا فضائيًّا، سيتذكرونني.

أرى شكلًا آخر، تلفّه الظلال. هو مخلوق فضائيّ آخر... فألتقِط نفسًا عميقًا، وأركض وراءه صائحة: "معذرة.. معذرة".

توقف؛ فهوى قلبي بين قدميَّ، وأنا أقول له بصوت واهن مرتبك: "أنت مخلوق فضائي"، وهو يلتفت إليَّ.

أجاب: "أقرّ بما هو منسوب إليَّ". كان طويل القامة، عريض المنكبين، وسيمًا، يشبه الإله الإسكندنافي »ثور«، لكنْ بطابع فضائي، وإنْ كان ذلك على نحو جذاب. لم أجد لديه لسانًا ثعبانيًّا، أو أي شيء غريب. تألقت بشرته تحت القمر الذي رسم دوائر من الضوء . ربما يصلح كصديق فضائي حميم، يتوهج في الظلام، على غرار فيلم «توايلايت» Twilight. لم أتخيل أبدًا أن يكون سكان الكهوف بهذا الجمال.

سألني، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة: "أنا سيلفيرن. وأنت؟". يبدو متغطرسًا. كم أحب المتغطرسين!

فأجبت: "أنا بشرية. فتاة.. اسمي جوزلين هاميلتون".

فأومأ برأسه، ثم أردف: " قابلت ذات مرة كاتلين هاميلتون، قبل أن نذهب تحت الأرض. أنتِ تشبهينها قليلًا".

جفّ لعابي، وقلت: "كانت على متن أول سفينة، قبل 500 عام. أنت لا تبدو أكبر مِنّي بكثير. كيف هذا؟". بادرتُه بهذا السؤال، بالرغم من أنني أعرف الإجابة. "هل تعيشون لوقت طويل، أو شيء من هذا القبيل؟".

فأجاب: "كان عمري 17 عامًا عندما مت".

سألته، وقد انتابتني قشعريرة: "مِت؟". إنه أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وكانت إجاباته تأتي بصوت فتى ميت. لم أكن أدرك أن لهذه التطبيقات أجسادًا. كان ذلك غريبًا بعض الشيء، ولم يَرُق لي.

قلت: "معذرة".

فقال: "كان هذا منذ وقت طويل".

فكرّرتُ: "معذرة".

فقال: "لا داعي للاعتذار. لقد عشت 500 عام متنقلًا خلال قواعد بيانات تخصّ قومي وقومك يا جوزلين. لن تصدقي المغامرات التي عشتها بين أرجاء عوالم البيانات"، ثم مد يده إليَّ قائلًا: "إذَن، أيتها الفتاة البشرية، هل تودين أن تطلبي مني خدمة في ليلة التواصل مع الموتى هذه؟"

لا أريد أن ألمسه. أشيح بوجهي، لكنني لا أستطيع المغادرة. لديه شيء أريده من أعماق قلبي، لكنّ رغبتي تغلبت على خوفي، وقلت: "هل قصدتَ أنك تستطيع الوصول إلى قواعد البيانات البشرية؟ هل يمكنك أن تسمح لي بالولوج إليها؟".

فأجاب: "يمكنني ذلك. ويمكنني أن أجعلك تلجين إلى شبكة الذكاء الاصطناعي التابعة لنا، لكنْ قد يكون هناك بعض ما تخسرينه خلال الرحلة إلى قواعد البيانات الخاصة بنا. هل يناسبك هذا؟".

فقلت "نعم. أريد الولوج فحسب".

قال: "سيغيِّرك هذا، أيتها الفتاة البشرية".

فقلت: "لقد تغيرتُ بالفعل. لا يمكنني أن أكون أنا، دون الولوج إلى قواعد البيانات". أبي لا يفهم ذلك أبدًا.. فهو يعتقد دائمًا أن قصصه أكثر أهمية من قصصي أنا.

مرة ثانية.. يمد سيلفيرن يده الاصطناعية الميتة إليّ، ويعرض عليَّ التواصل؛ فأَقْبَلُ.

بعد ذلك.. لم أعد كسابق عهدي. أملك القدرة على الولوج إلى قواعد البيانات، لكنّ الأصدقاء بَدَوا تافهين، وغير مهمين، وكذلك مغامرات بَنِي جنسي بدت تافهة. يملك البشر تاريخًا بسيطًا إلى حد كبير. ألج إلى ذكريات موتى من جنس آخر. كل هذا يعتمل ويدور بداخلي. لن تتخيّل عدد القصص التي يمكنني إخبارك بها.

كان أبي محقًّا؛ فالحياة الحقيقية أكثر إثارة للاهتمام بكثير من الولوج إلى قواعد البيانات. أرقص في ملحمات عصور لا تحصى؛ معارك ومؤامرات، وعواطف عبر قرون لا حصر لها. أنشد أغنية لا تنتهي عن قصة مخلوقات فضائية.

حاول أبي مرارًا وتكرارًا أن يمنعني من الولوج. يا له من مسكين! إنه مذعور. يتوسل إليَّ، وأراه يبكي. لقد حاول فِعْل كل شيء لقطع الاتصال، لكنْ لم يعد بإمكانه التحكم فيّ. لم يفهم مطلقًا ما يعنيه الولوج بالنسبة إليَّ.

صراحة... أنا لا أبالي حقًّا.

لقد تغيرتُ. ألج الذاكرة الجمعية لموتى مجهولين... مائة ألف عام من الذكريات. لن أكون أبدًا وحيدة، أو أشعر بالملل، أو الحيرة، أو... لن أكون أبدًا إنسانة كاملة مرة أخرى.   

قد ترى ديبورا في المتحف البريطاني، تنقب في التاريخ؛ لتستلهم المستقبل.