صندوق الأدوات

تقنية «سلسلة الكتل» والنشر العلمي

إنّ تَبَنِّي التقنيات التي تقوم عليها العملات المشفرة في النشر العلمي آخِذ في التزايُد.

دوجلاس هيفِن

  • Published online:

ILLUSTRATION BY THE PROJECT TWINS

حين انتهت سارة باجان من دراسة أَجْرَتها على البروتين argonaute-2 في العام الماضي (2018)، وجدت نفسها في موقف يصادف الكثير من الباحثين العلميين، إذ خرجت بنتيجة مثيرة للاهتمام، غير أنها لم تكن كافية لتُنشر في بحث كامل، إذ تقول سارة، اختصاصية علم الوراثة من جامعة سيدني للتكنولوجيا بأستراليا: "كانت لديَّ بيانات من أحد المشروعات، رصدية في معظمها، لكن لم تكن لديَّ موارد كافية للاستمرار"، غير أنها كانت سعيدة بالنتائج التي كشفت عن شكل لم يتم التعرف عليه مسبقًا للبروتين، وكان من المؤسف الاحتفاظ بهذه النتائج دون نشرها.

ولحسن الحظ.. لم تضطر سارة إلى فعل ذلك. فقد أخبرها زميل لها عن «ساينس ماترز» ScienceMatters، وهي منصة نشر مفتوحة الوصول، تنشر أوراقًا بحثية قصيرة، ودراسات رصدية أحادية، بعد إخضاعها لمراجعة الأقران، أي تلك النوعية من الأبحاث التي ترفض غالبية الدوريات نشرها. وقد قدمت باجان ورقتها البحثية في أكتوبر من العام الماضي (2018)، وقُبِلَت بعدها بأسبوعين.

هذه السرعة في قبول الورقة البحثية، إضافة إلى موضوعها، كانا غير معتادَين، غير أن منصة «ساينس ماترز» مختلفة في جانب آخر أيضًا؛ فهي تُطِّور عملية لمراجعة الأقران، قائمة على تقنية سلسلة الكتل، أو الـ«بلوك تشين» Blockchain الخاصة بنظام الـ«بيتكوين»Bitcoin ، وهي قاعدة بيانات مفتوحة، لكنْ غير قابلة للتلاعب بها، تتناول بعض المعاملات، وتشترك فيها آلاف الحواسيب حول العالم.

تبدو تقنية «سلسلة الكتل» وكأنها مستخدَمة في جميع المجالات، بدايةً من الصناعة المالية، مرورًا بشبكات الطاقة، ووصولًا إلى التصنيع. فعلى مدار العام الماضي (2018)، أو نحو ذلك، ظهر إلى النور عدد من الأدوات والخدمات القائمة على تقنية «سلسلة الكتل»، المصممة من أجل أن يستخدمها العلماء، لتمنحهم طرقًا بسيطة لإدارة عمليات التعاون، وإثبات تحقيق سَبْق، ونشر النتائج الأولية، غير أن هذه الأدوات والخدمات لا تزال بدائية، ويجب علينا أن نعرف ما إذا كانت ستحقِّق التغييرات الجذرية، التي يَعتقِد مؤيدوها أنها ستحققها، أم لا.

في ذلك الصدد.. يقول دانيال هيملشتاين، اختصاصي المعلومات الحيوية من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، الذي طوّر برنامجًا قائمًا على تقنية «سلسلة الكتل»: "إن بعض استخدامات تقنية «سلسلة الكتل» يحقق إنتاجية كبيرة، ويتسم بالعملية، بينما البعض الآخر يتسم بالعبثية، ويضفي تعقيدًا، من دون تقديم فائدة تُذكَر".  

إن تقنية «سلسلة الكتل» - ببساطة - هي قاعدة بيانات، تشترك فيها شبكة من الحواسيب، يصعب تحديثها حوسبيًّا. وهذه السمات تجعل قاعدة البيانات مقاوِمة نسبيًّا للتلاعب بها، وهو ما يخلق شعورًا بالثقة في سجلاتها، من دون الحاجة إلى وجود محكِّم خارجي، كالبنوك. وهذه التقنية هي التي تتيح للمستخدِم معرفة أن عملة الـ«بيتكوين» نفسها - وهي صورة من العملات المشفرة - لم يتم تحويلها إلى متلقٍّ آخر، بالإضافة إلى المتلقي الأصلي، وهو ما يحدث في الحيلة المعروفة باسم «الإنفاق المزدوج»، وهي حيلة لم يكن باستطاعة العملات الرقمية السابقة أن تتفاداها بسهولة.

إثبات تحقيق سَبْق

هذه السجلات المنيعة ضد العبث بها ذات استخدامات مهمة في العلم. إن هيملشتاين هو مؤلف برنامج «مانيوبوت» Manubot مفتوح المصدر، الذي يُجْرِي بشكل آليّ عملية جمع الأوراق العلمية، وترتيبها، وتنسيقها، ونشرها. وفي كل مرة يُنشئ فيها مؤلفٌ نسخة من مسودته البحثية، يسجل البرنامج هذا الحدث على تقنية «سلسلة الكتل».

ويقول هيملشتاين إن هذا يمكِّن الباحثين من إثبات إحرازهم لسبق بشكل قطعي، ويتابع بقوله: "تخيل أن ثمة نزاعًا حول حقوق تأليف بحث ما، يزعم فيه باحثان أنهما كتبا البحث عينه"، فمن شأن وجود سجل لا يُمحى، يحدد مَن كتب ماذا، ومتى، أنْ يجعل هذه الخلافات عقيمة.

ويعترف هيملشتاين بأن هذه النزاعات قد تكون غير شائعة. وفي ضوء وجود 100 مشروع فقط تقريبًا مسجلة في البرنامج، لم تكن ثمة حاجة إلى الرجوع إلى الأختام الزمنية لبرنامج «مانيوبوت» حتى الآن، لكن المبدأ في حد ذاته جيد، كما يقول هيملشتاين، الذي يضيف قائلًا: "ينبغي أن يتبنى جميع خوادم ودوريات ما قبل النشر مبدأ استعمال الأختام الزمنية".

ومن أجل تسجيل نشاط المستخدم، يستخدم برنامج «مانيوبوت» خدمة «أوبن-تايم-ستامب» OpenTimestamp، وهي خدمة مجانية مفتوحة المصدر؛ تسجل الأختام الزمنية في دفعات معاملات الـ«بيتكوين». وقد كتب هيملشتاين كودًا برمجيًّا؛ كي "يربط" برنامج «أوبن-تايم-ستامب» ببرنامجه، ويضيف خاصية الأختام الزمنية الآلية إلى برنامجه بشكل مباشر، لكنه يحذِّر من أن برنامج «أوبن-تايم-ستامب»  يستهدف جمهورًا شديد التخصص في مجال التكنولوجيا. وثمة بديل أيسر، يتمثل في تسجيل الأختام الزمنية لسجلات تقنية «سلسلة الكتل» يدويًّا على موقع «أوبن-تايم-ستامب» الإلكتروني.

تعزيز الشفافية

في حالة منصّة «ساينس ماترز»، ثمة خطط جارية لاستخدام تقنية «سلسلة الكتل» في تعزيز الشفافية العلمية.. فباستخدام منصة لمراجعة الأقران، تسمَّى «يوريكا» Eureka، ستبدأ منصة «ساينس ماترز» هذا العام في تقديم عملية مراجعة أقران ثلاثية التعمية، من خلال منصة نشر تَستخدِم تقنية «سلسلة الكتل» الخاصة بمنصة «إيثيريوم» Ethereum، وهذا خيار آخر شائع الاستخدام. ولن يعرف المؤلفون والمراجعون بعضهم بعضًا (وسيجري اختيار المراجعين بإسناد المراجعة إلى مستخدمي منصة «يوريكا»)، غير أن أنشطتهم ومراجعاتهم ستكون مسجَّلة بحيث يستطيع الجميع رؤيتها.

وتقول تَمارا زيتوني، رئيسة تحرير منصة «ساينس ماترز»، التي تقيم في زيورخ: "إن تقييم الورقة البحثية، القائم على إسناد المراجعة إلى منصة «يوريكا» سيتيح للباحثين والناشرين مقياسًا جديدًا، يمكن استخدامه في تقييم العمل سريعًا، وبذلك نسرع عملية النشر".

وسيجري تعويض المراجعين ماديًّا، مقابل وقتهم، باستخدام عملات «يوريكا» الرمزية، وهي عملة مشفرة، مرتبطة بشبكة «يوريكا»، ويمكن مبادلتها بعملات أخرى، كما هو الحال مع عملة الـ«بيتكوين». ونظرًا إلى أن كل البيانات المتعلقة بالتقديم مفتوحة، وغير قابلة للتلاعب بها، ومختومة زمنيًّا، ستمثل منصة «يوريكا» خدمة لإدارة الأبحاث، تتصف بكونها عامة، وموثوق فيها، وذلك حسب قول لورانس راجِندران، عالِم الأعصاب في كلية كينجز كوليدج لندن، الذي أسس كلًّا من منصتي: «ساينس ماترز»، و«يوريكا».

ويقول راجِندران إن منصة «ساينس ماتزر» لا تستخدم منصة «يوريكا» بعد، لكنْ من منظور المستخدمين يُتوقع ألا يتغير الكثير. وتقول سارة باجان: "لقد وجدت أن عملية مراجعة الأقران دقيقة للغاية، وعادلة، وكانت العملية برمّتها سريعة، مقارنة بالدوريات الأخرى". كما يروقها أن المؤلفين يُدعَون إلى متابعة دراساتهم الأولية، وربط النتائج المستقبلية بالورقة البحثية الأولى لكل منهم. وهي عملية من نشر البيانات التراكمية، وصفتها روزا باوليتشيلي - اختصاصية علم الأحياء الجزيئية من جامعة لوزان بسويسرا، وإحدى مُناصِرات منصة «ساينس ماترز»، في فيديو نُشِر على الإنترنت (انظر: go.nature.com/2hhhopx) - بأنها "عِلْم يشبه إضافة قطع «الليجو»، وتركيبها". وفي ذلك.. تقول سارة باجان: "يمكنك مواصلة العمل على المشروع في مكان واحد".

من جهة أخرى.. تشير باجان إلى الجانب السلبي للمنصة، وهو أن «ساينس ماترز» تطلب من المؤلفين أن يدفعوا 595 دولارًا أمريكيًّا في مقابل معالجة مسوداتهم البحثية، وأن يكون الدفع مقدمًا، وليس عند قبول المسودة البحثية، وأن الرسوم لا تُرَد كلها إذا رَفضت الدوريةُ نشر الورقة البحثية. وتضيف قائلة: "ثمة احتمال أن يُرفَض النشر، رغم إتمامك لعملية الدفع". وتقول تَمارا زيتوني إن منصة «ساينس ماترز» تبنّت هذه السياسة كي تغطي تكاليف أجور المراجعين. وتضيف: "خلافًا للدوريات الأخرى.. نحن ندفع للمراجعين مقابل الجهد الذي يبذلونه في تقييم المسودات البحثية".

وقد انجذب جايسون سنايدر - عالِم النفس من جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر - إلى منصة «ساينس ماترز» لأسباب مشابهة لتلك التي جذبت سارة باجان إليها، إذ كان مختبره يبحث عن منتدى لنشر نتائج مشروع صيفي يجريه طلاب جامعيون، ويتقصى تأثير التوتر والإجهاد على الذاكرة، والمشاعر. ويقول: "إن هذا الخط التجريبي لم يُكتب له - في واقع الحال - الشهرة والاهتمام، لكنْ لم يكن ثمة خطأ في البيانات، وشعرنا أنها تستحق النشر، والإضافة إلى السجلات العلمية." وقد جرى الاستشهاد بتقرير سنايدر منذ ذلك الوقت في دورية «نيورال بلاستيسيتي» Neural Plasticity.

مشاركة الناتج البحثي

ثمة شركة أخرى تأمل في استخدام تقنية «سلسلة الكتل»؛ من أجل تبسيط عملية النشر، والاستشهاد بالمنتجات البحثية الأخرى، بخلاف المسودات البحثية.

وحسب ما صرح به ديف كوتشالكو، الذي شارك في تأسيس منصة «أرتيفاكتس» Artifacts، للتعاوُن والاستشهادات في كامبريدج بماساتشوستس، فإن الأبحاث تنتج فيضًا ثمينًا من المواد المثيرة للاهتمام في أثناء عملية النشر، التي تستغرق وقتًا طويلًا؛ مثل مجموعات البيانات، وعمليات الرصد المفردة، والفرضيات. ولا يجري الاستشهاد بهذه النتائج حتى ظهور المقال النهائي، الذي خضع لمراجعة الأقران عن البحث. وعند تلك النقطة، يحوز أصحاب البحث التقدير فقط، إذا استشهد باحثون آخرون بذلك العمل عند نشر بحثهم الخاص.

تقدم منصة «أرتيفاكتس» منتدى يستطيع الباحثون أن يحمِّلوا عليه أي شيء تقريبًا يعتبرونه يستحق المشاركة، وكل ملف يُسجَّل في سلسلة كتل. ويستطيع المستخدمون وضع أذون؛ لجعل الملفات المرفوعة سرية، أو متاحة للجميع، أو متاحة لشركائهم فقط. (تقدِّم خدمات مثل «فيجشير» Figshare، و«زينودو» Zenodo أيضًا منتديات كهذه، لكنْ من دون استخدام تقنية «سلسلة الكتل»).

وقد جرى إطلاق منصة «أرتيفاكتس» في مارس من العام الماضي، وهي لا تزال قيد التطوير، غير أن بمقدور المستخدمين تسجيل اشتراكهم من أجل تجربتها. وثمة لوحة تحكُّم تدرِج ما قمتَ بمشاركته، وعدد الإشارات إلى بحثك، وعدد إشاراتك إلى أبحاث الآخرين. ومن أجل جعْل عملية الاستشهاد بالبحث سهلة بقدر الإمكان، تخطط منصة «أرتيفاكتس» لدمج منصتها مع العديد من حِزَم قوائم المَراجع المستخدَمة على نطاق واسع، ومنها خدمة إدارة المَراجع مفتوحة المصدر «زوتيرو» Zotero.

وقد عكف جيم تاتيه، مدير شركة «إي إم آر أدفوكيت» EMR Advocate - وهي شركة لاستشارات تكنولوجيا الرعاية الصحية، مقرها أشفيل في نورث كارولاينا - على استخدام منصة «أرتيفاكتس» لمدة ستة أشهر كعضو في مجموعة عاملة تسمَّى «بلوك تشين إنْ هيلث كير توداي« Blockhain in Healthcare Today. وحول ذلك.. يقول تاتيه: "لقد استخدمنا «أرتيفاكتس» كأداة لتنظيم المعلومات التي نجمعها، والاستشهاد بالمَراجع، والتحكم في النُّسَخ، وتوثيق حالة المقالات قيد التأليف". ويضيف كذلك قائلًا: "لقد زادت تقنية «سلسلة الكتل» التي تقوم عليها منصة «أرتيفاكتس» – بشكل مباشر – من سرعة مشروعنا بأكمله، وكفاءته".

ويقول كوشالكو: "في نهاية المطاف، تخطط منصة «أرتيفاكتس» للتعاون مع الجامعات، ودور النشر، وجهات التمويل، وكل منها سوف يستعمل تقنية «سلسلة الكتل» الخاصة بـ«أرتيفاكتس». وفي المقابل، ستسنح للمؤسسات المشارِكة فرصة رؤية ما يجري مشاركته على شبكة «أرتيفاكتس»، وإلقاء نظرة آنية على جهود العلماء".

ثمار مؤجَّلة

إنّ منصّتَي «ساينس ماترز»، و«أرتيفاكتس» مِن الجهات المُناصِرة المبكرة لاستخدام تقنية «سلسلة الكتل» في النشر العلمي. وما هذا إلا استخدام واحد من استخدامات هذه التقنية. فعلى سبيل المثال.. فإن شركة «نبيولا جينوميكس» - وهي شركة ناشئة، شارك في تأسيسها عالِم الوراثة جورج تشيرش، من كلية طب هارفارد في بوسطن - تخطط لاستخدام تقنية «سلسلة الكتل» في مشاركة البيانات الوراثية.

وبصرف النظر عن الاستخدام، فمن المرجح أن يمر بعض الوقت، قبل أن يجني العلماء ثمار هذه التقنية، وذلك حسب قول يوريس فان روسوم، الذي كتب تقريرًا بعنوان »سلسة الكتل من أجل الأبحاث« Blockchain For Research (انظر: go.nature.com/2wqqvrg) لصالح شركة «ديجيتال ساينس» Digital Science، وهي شركة للتكنولوجيا، مقرها لندن (تديرها مجموعة «هولتزبرينك بابليشينج جروب» Holtzbrinck Publishing Group، التي تملك أيضًا حصة غالبة في دار نشر دورية Nature).

ويرجع هذا – في الأساس - إلى أن تقنية «سلسلة الكتل» لم يكتمل تطورها إلى الآن، غير أنّ نفْع هذه الخدمات يَعتمِد بقدر كبير على تبنِّيها، فأي شبكة من المراجعين الأقران والمؤلفين المتعاونين ستفشل، إذا لم يشارك بها أي شخص. ويُعَد إقناع المستخدمين بتجربة استخدام خدمة غير مثبتة فعاليتها هو التحدي الأكبر الذي تواجهه منصات معينة مثل «يوريكا»، و«أرتيفاكتس».

وفي ذلك.. يقول هيملشتاين: "تذكر أن «سلسلة الكتل» ما هي إلا قاعدة بيانات تفتقر إلى الكفاءة، ويصعب للغاية تحديثها". ويضيف قائلًا إنه في حالات عديدة تجد أن كل ما تحتاجه هو قاعدة بيانات عادية قديمة.

ويُقِرّ المُناصرون أيضًا - من أمثال راجِندران - المتحمسون لتقنية «سلسلة الكتل» بأنها قد تواجه بدايات غير ناجحة، وطرقًا مسدودة، حيث يقول: "ما زالت تساورني الشكوك، لا في التقنية نفسها، ولكنْ في أنْ يتبنّاها المجتمع". ويضيف قائلًا إنّ المجتمع البحثي - على وجه التحديد - يستغرق عادة وقتًا طويلًا، كي يغيِّر الممارسات القائمة، ويتبنّى غيرها. ويقول في هذا الصدد: "سيكون الأمر تحديًا".

دوجلاس هيفن كاتب علمي، مقيم في لندن.