افتتاحيات

تتبُّع الكوليرا

البيانات التي توفرها الجينومات الكاملة ستساعد في تتبُّع انتشار سلالات البكتيريا المسبِّبة للكوليرا في جميع أنحاء العالم.

  • Published online:

من السهل الوقاية من مرض الكوليرا، وعلاجه، لكنَّه يواصل التسبب في خسائر فادحة في عديدٍ من الدول النامية. لذا.. تهدف منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى تقليل الوفيات الناجمة عنه بنسبة 90% بحلول عام 2030، والقضاء عليه في 20 دولة من الدول الثماني والأربعين التي ضربها. وتركز خريطة الطريق التي وضعتها المنظمة على مكافحة المرض على مستوى الدول، لكنَّ أحد عناصر الخريطة الأساسية هو معرفة كيف يبدأ تفشِّيه. واليوم، يوفر تسلسل الجينوم الكامل للبكتيريا المسبِّبة للكوليرا معلوماتٍ جديدة عن الأماكن التي تظهر فيها سلالاتها، والأماكن التي تنتشر فيها بعد ذلك هذه السلالات في جميع أنحاء العالم. وقد حان الوقت لدمج هذه التطورات في إجراءات الصحة العامة.

وتوضح ورقة بحثية نُشِرَت مؤخرًا في دورية Nature، تناولَت الدراسات الجينومية حول البكتيريا المسبِّبة للكوليرا المتفشية في اليمن في الوقت الراهن (وهي بكتيريا «ضمة الكوليرا» Vibrio cholera)، فاعلية هذا النهج في تتبُّع أصل السلالات، وتغيراتها بتغيُّر الزمان والمكان، ومسارات انتشار المرض؛ وهو ما يُعرف بعلم الجغرافيا الجينومية للأنواع (F.-X. Weill et al. Nature 565, 230-233; 2019). وقد عيَّن الباحثون تسلسل جينومات 116 عينة من بكتيريا «ضمة الكوليرا»، المسؤولة عن وباء اليمن، وحددوا مكان كل واحدةٍ منها في شجرةٍ عالمية لتطور السلالات، تضم أكثر من 1000 سلالةٍ معزولة أخرى. ووجد الباحثون أنَّ السلالة المسبِّبة لهذا الوباء نشأت في جنوب آسيا، وتسببت في تفشي المرض في شرق أفريقيا، قبل انتشاره في اليمن. وتتسق النتائج مع تصوُّر جديد لمرض الكوليرا، يمثل فيه جنوب آسيا مهدًا لسلالاتٍ جديدة تتسبب في موجاتٍ من تفشي الكوليرا في جميع أنحاء العالم.

وكثيرًا ما يُعتقد أنّ سلالات الكوليرا الموجودة في أفريقيا متوطدة محليًّا، لكنْ في الحقيقة، تشير المعلومات التي يكشِفها علم الجينوم إلى أنَّ السلالات التي نشرت الأوبئة في أفريقيا في السابق انقرضت في غضون فترةٍ قصيرة نسبيًّا (استمر أطولها حياةً لمدة 28 عامًا)، وأنَّه إذا لم تصل إلى القارة أي سلالاتٍ جديدة، فربما تختفي الكوليرا من أفريقيا تمامًا في نهاية المطاف.

وفي نوفمبر عام 2017 (أي بعد شهرٍ من انطلاق خريطة الطريق التي وضعتها منظمة الصحة العالمية)، نُشر بحثان مؤثِّران للغاية عن جينوميات انتشار الكوليرا. تتبَّع الأول منهما التاريخ الجينومي لوباء كوليرا اندلع في إندونيسيا خلال عام 1961 (F.-X. Weill et al. Science 358, 785-789; 2017). وفي هذا البحث، درس العلماء 1070 تسلسلًا جينوميًّا كاملًا لعيناتٍ من بكتيريا «ضمة الكوليرا»، جُمعت في 45 دولة أفريقية على مدى ما يقرب من 50 عامًا. واكتشفوا أنَّ كل الأوبئة في القارة نجمت عن سلالة كوليرا واحدة ممتدة من آسيا، ووصلت إلى أفريقيا في 11 مناسبة على الأقل منذ عام 1970.  

وفي الدراسة الثانية، درس الباحثون الجينومات الكاملة لسلالات كوليرا موجودة في أمريكا الوسطى، وأمريكا الجنوبية، وتوصلوا إلى نتيجةٍ مشابِهة، مفادها أنّه بالرغم من أنَّ السلالات المحلية يمكن أن تتسبب في حالات كوليرا متفرقة، فإنَّ السلالات الآسيوية الجديدة الواردة إلى تلك المناطق هي ما يحفز انتشار الأوبئة (D. Domman et al. Science 358, 789-793; 2017).   

ويبين هذا التصوُّر المعدل لانتشار المرض - الذي كشفه علم الجينوم - أنَّه رغم أنَّ منظمة الصحة العالمية تركز جهودها كما ينبغي على مكافحة الكوليرا في أفريقيا، حيث يوجد معظم الحالات، فإنه من الضروري مكافحة الكوليرا في موطنها الأصلي في آسيا؛ للحدّ من تفشي المرض على المدى الطويل. وجديرٌ بالذكر أنَّ آسيا أيضًا هي منشأ غالبية سلالات الكوليرا المقاوِمة للمضادات الحيوية.

وتركز خريطة طريق منظمة الصحة العالمية - كما يجب - على أساسيات مكافحة الكوليرا. فهذا المرض، الذي ينتشر من خلال تلوث الطعام والماء بالبراز، يمكن الوقاية منه بسهولة باستخدام أنظمة الصرف الصحي الأساسية، وتوفير مياه شرب نظيفة. وتسبِّب العدوى بالكوليرا حالة إسهال شديدة وحادة، قد تؤدي إلى الوفاة في غضون ساعات، لكنَّ العدوى في معظم الحالات تكون طفيفة، ويمكن علاجها بسرعة، عن طريق إعطاء المريض محلول هيدرات فموي على الفور.

وكثيرًا ما تكون الكوليرا علامةً على الفقر المدقع، ووجود فئاتٍ سكانية معرَّضة للخطر، ترزح تحت وطأة صراعاتٍ أو كوارث طبيعية. ويتسبب المرض في ما يُقدَّر بحوالي 1.3 مليون إلى 4 مليون حالة إصابة به كل عام، ويَنْتُج عنه من 21 ألف إلى 143 ألف حالة وفاة على مستوى العالم. وقد شهد هذا العقد حالات تفشٍ كبرى للمرض في هايتي، ونيجيريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغانا، ومنطقتي القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. وخلّفت الحرب في اليمن دمارًا شديدًا إلى حدٍّ مَنَعَ أكثر من نصف السكان من الوصول إلى خدمات الصرف الصحي، أو المياه النظيفة، وهو ما يساعد على تفسير أسباب وجود أكثر من مليون حالة إصابة بالكوليرا، وأكثر من ألفي حالة وفاة بهذا المرض في هذا البلد في عام 2017. وهذه الأرقام تجعل وباء الكوليرا في اليمن هو الوباء الأكبر في التاريخ الحديث.

ويمكن لعلم الجينوم أن يخدم كمكمِّل للوسائل التقليدية؛ لرصد المرض وتشخيصه، بوضع حالات التفشي في سياقٍ عالمي. وبالنظر إلى تراجع تكاليف تعيين تسلسل جينومات الكوليرا على مدى السنوات العشر الماضية، ينبغي لمنظمة الصحة العالمية أن تضع في الاعتبار ترجمة الجهود الجينومية الحالية لرصد الكوليرا إلى إجراءٍ منهجي، بدلًا من تنفيذها حسب الحاجة. وهذا من شأنه أن ينظم عمليات جمع العينات، وتعيين تسلسلها الجينومي، وهو ما يوفر بصورة شبه آنية معلوماتٍ عن ظهور سلالات الكوليرا، وانتشارها عالميًّا، مثلما تفعل منظمة الصحة العالمية الآن مع سلالات فيروس الإنفلونزا الذي يصيب البشر.

ويتطلب بذل الجهود الملائمة لرصد الكوليرا أيضًا إفاداتٍ مُفصَّلة عن حالات تفشي المرض، ومشاركة العينات البيولوجية، لكنْ هناك بلاد كثيرة من تلك الموبوءة بالكوليرا لا تُحصِي عدد الحالات، أو تنشره. وهناك دول في منطقتي القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وفي أماكن أخرى، كثيرًا ما تفيد بحدوث حالة تفشٍ كبرى للمرض على أنَّها حالات «إسهال مائي حاد»، دون أن تشير إلى مُسبِّب المرض. وتخشى الدول في أغلب الأحيان ردود أفعال شعوبها، أو الآثار الاقتصادية السلبية، مثل تَرَاجُع السياحة، إنْ أعلنَتْ عن تفشي هذا المرض، المحاط بالكثير من الوصمات.

وكما هو الحال في كثيرٍ من الأمراض المعدية، كلما تَسارَع تطبيق جهود المكافحة، أصبح من الأسهل منع الانتشار السريع للوباء، بالإضافة إلى أنَّ جمْع مزيدٍ من العينات في أثناء حالات التفشي، ومشاركتها، يوفر صورةً وبائية وجغرافية أكثر اكتمالًا.

إنّ مخزون منظمة الصحة العالمية من لقاحات الكوليرا الفموية الرخيصة والفعالة متاحٌ الآن للبلدان التي تُعلِن عن تفشي المرض، وهو ما يجب أن يكون حافزًا لتلك الدول، للإبلاغ عن حالات تفشِّي المرض. ولو اتسمت دولةٌ ما بالشفافية بشأن تفشي الكوليرا، ستزداد احتمالية مشاركة عيناتٍ منها. ومن خلال علم الجينوم، يمكن للدول أن تجني الكثير فيما يتعلق بتحسين فهْمنا لمرض لكوليرا، والتمتع بالقدرة على كبح انتشاره. وهذا يساعد على بناء صورةٍ أكثر اكتمالًا عن الانتشار العالمي لهذا المرض المخيف، وديناميّاته.