أنباء وآراء

علم خواص المواد: طفرة في آليات التقوية

يمكن تقوية الفلزات من خلال آليات تعمل على المقياس الذري. ووُجد أن هذه الآليات نفسها التي تُستخدَم علي مقياس أكبر بكثير تقوِّي أيضًا المواد التي تحتوي علي بِنى تحتية هرمية مُهندّسة.

جان سيوب شنج، وماركوس جيه. بولير

  • Published online:

يمكن للآليات التي تعمل على المقياس الذري، والتي تؤثر على الخصائص البنيوية للمواد أن تساعد أيضًا على تصميم مواد جديدة مطلوبة في مجال الهندسة؛ مثل السبائك عالية الأداء. وفي بحث منشور في دورية Nature، سجَّل فام وزملاؤه1 استخدامهم للطباعة ثلاثية الأبعاد؛ لتفسير بعض آليات التقوية على المقياس الذري، التي توجد عادةً في المواد البلورية على مقياس أكبر. وتحتوي المواد "المهندَسة" الناتجة على بِنى تحتية، تم تصميمها لتحاكي الترتيبات الذرية في الشبكة البلورية. إنّ بَحْثهم يقدم نهجًا جديدًا لتطوير المواد المبتكرة، وقد يزيد من سهولة استخدام آليات التقوية على مواد ومقاييس مختلفة.

يمتلك المهندسون مجموعة متنوعة من الأدوات تحت تصرفهم؛ لتصميم وإنشاء مواد جديدة. ويُعتبر "التصنيع بالإضافة"2 - الذي يُعرف أيضًا بالطباعة ثلاثية الأبعاد - أحد هذه الأدوات التي بمقدورها أن تُحْدِث ثورة في مجال تصنيع المواد جزئيًّا، لأن بإمكان هذه الأداة إنتاج أي شكل هندسي. وقد لاقت فكرة استخدام "التصنيع بالإضافة" لتصميم مواد ذات بِنية مجهرية معقدة3، يصعب تصميمها باستخدام الطرق التقليدية، الكثيرَ من الاهتمام.

تمتلك المواد الطبيعية؛ مثل العظام، والحرير، والصَّدف خصائص استثنائية تفتقر إليها مواد هندسية تقليدية عديدة. وتنشأ هذه الخصائص من البِنْية الهرمية المعقدة للمواد. تتكون المواد التي تُرى بالعين المجردة من أنماط متكررة من وحدات بناء أصغر حجمًا على مقاييس طول متعددة. وقد استُخدِم التصنيع بالإضافة لإعادة بناء الأنماط الهرمية لوحدات البناء الموجودة في المواد الطبيعية، ولكنْ - بدلًا من ذلك - باستخدام مواد تقليدية. وتتسم المواد الناتجة بخصائص ميكانيكية - مثل المتانة العالية، والمقاومة الفائقة للصدمات، والقدرة على تحمل الأوزان الثقيلة – بدرجة تفوق خصائص المواد التقليدية4، وتُلقَّب بالمواد المهندَسة. وركزت دراسات عديدة على تطوير أساليب تسمح بمحاكاة الأشكال الهرمية للمواد الطبيعية في فئات مختلفة تمامًا من المواد5. وعلى سبيل المثال.. يمكن للمرء أن ينتِج مادة شبيهة بالصدف من بوليمرات اصطناعية، بدلًا من استخدام المواد نفسها الموجودة في الصدف.

عادة ما تُوجَد البِنى المُكوَّنة من وحدات بناء متكررة في المواد البلورية؛ مثل الفلزات، والسيراميك، والصخور. وعلى أصغر المقاييس تشكل الذرات الموجودة في البلورات شبكة تتسم بحدود واضحة، يعتمد فيها تراص الذرات داخل الوحدة البنائية (أصغر وحدة متكررة في الشبكة البلورية) على طبيعة الروابط بين الذرات، والبِنى الإلكترونية. ومع ذلك.. عادة ما تتكون البلورات من حبيبات مجهرية، تترتب شبكاتها في اتجاهات مختلفة. وإذا لم يصطف ترتيب الذرات عند حواف الحبيبات المختلفة مع بعضها البعض، تنشأ تشوهات في الشبكة البلورية، تُعتبر عادةً نقاط ضعف. وفي المواد الهشة، يمكن أن تنشأ شقوق إثر التشوهات، مثل عند حدود الحبيبات، وتنتشر بسرعة.

وغير أن حدود الحبيبات قد تلعب دورًا إيجابيًّا في المواد المرنة، إذ تتحطم الفلزات عادة تحت حِمل معين، ليس بسبب الكسر المفاجئ في الروابط بين الذرات، ولكن بسبب انزلاق الذرات على طول مستوى معين بداخل الشبكة. ويُعرف هذا الانزلاق الناتج عن التشوهات باسم حركة الانخلاع التي تنتقل داخل الشبكة البلورية. ويمكن إعاقة هذه الحركة بواسطة حدود الحبيبات، أو جسيمات، أو ترسيبات (عناقيد من ذرات دخيلة في الشبكة البلورية)، لأن انزلاق الذرات في البلورة يصبح أكثر صعوبة، إذا حدث اضطراب في مصفوفة الذرات في شبكة بلورية مثالية بفعل هذه التشوهات. وبالتالي، فإن إعاقة حركة الانخلاع تزيد من مقاومة المادة للتشوه. وإحدى السمات المميزة للفلزات متعددة البلورات هي أن قوتها تزداد بصغر حجم الحبيبات6، لأن الحبيبات الأصغر تحدّ من المساحة المتاحة لانتقال الانخلاع بحُرّية. وبالمثل، فإن وجود أطوار متعددة (نطاقات ذات خصائص ميكانيكية مميزة) في الحبيبات، من شأنه أن يزيد من القوة؛ لأن ذلك يعوق أيضًا حركة7 الانخلاع.

تقصّى فام وزملاؤه إمكانية استخدام آليات تقوية مماثلة؛ لزيادة قوة المواد المهندَسة. وقد بدأوا باستخدام تقنية التصنيع بالإضافة؛ لتصميم وحدات بنائية بقياس مليمتري من عُقَد (مناظرة للذرات)، ودعامات (مناظرة للروابط بين الذرات)، مستخدمين مواد متعددة. وصنع الباحثون نوعين من الوحدات البنائية، يعرفان باسم بِنْية المكعب مركزي الوجه (f.c.c)، وبِنْية المكعب مركزي الجسم (b.c.c)، ( شكل1).

شكل 1 | اثنتان من آليات التقوية في المواد متعددة البلورات. (أ) تسمَّى أصغر وحدة متكررة في الشبكة البلورية بالوحدة البنائية. وعادة ما توجد الوحدات البنائية من النوعين؛ المكعب مركزي الجسم (b.c.c)، والمكعب مركزي الوجه (f.c.c) في الفلزات.  (ب) وعادة ما تحتوي الفلزات متعددة البلورات - التي تتكون من نوع واحد فقط من الوحدات البنائية – على حبيبات مجهرية، لكل منها اتجاه مختلف عن الحبيبات المحيطة بها في الشبكة. ويمكن للحدود بين هذه الحبيبات أن تزيد من قوة المادة، عن طريق منع الذرات من الانزلاق على طول مستويات معينة في الشبكة. (ج) تحتوي المواد متعددة الأطوار على نطاقات مؤلفة من وحدات بنائية مختلفة. تعمل هذه البِنْية متعددة الأطوار أيضًا على تقوية المادة، عن طريق منع انزلاق الذرات. (د) ذكر فام وزملاؤه1أن آليات التقوية في (ب)، و(ج) لها دور أيضًا في المواد المهندَسة، المكونة من وحدات بنائية مليمترية القياس من المربعات مركزية الجسم، والمربعات مركزية الوجه، المكونة من عُقَد (مناظِرة للذرات)، ودعامات (مناظِرة للروابط بين الذرات).

شكل 1 | اثنتان من آليات التقوية في المواد متعددة البلورات. (أ) تسمَّى أصغر وحدة متكررة في الشبكة البلورية بالوحدة البنائية. وعادة ما توجد الوحدات البنائية من النوعين؛ المكعب مركزي الجسم (b.c.c)، والمكعب مركزي الوجه (f.c.c) في الفلزات.  (ب) وعادة ما تحتوي الفلزات متعددة البلورات - التي تتكون من نوع واحد فقط من الوحدات البنائية – على حبيبات مجهرية، لكل منها اتجاه مختلف عن الحبيبات المحيطة بها في الشبكة. ويمكن للحدود بين هذه الحبيبات أن تزيد من قوة المادة، عن طريق منع الذرات من الانزلاق على طول مستويات معينة في الشبكة. (ج) تحتوي المواد متعددة الأطوار على نطاقات مؤلفة من وحدات بنائية مختلفة. تعمل هذه البِنْية متعددة الأطوار أيضًا على تقوية المادة، عن طريق منع انزلاق الذرات. (د) ذكر فام وزملاؤه1أن آليات التقوية في (ب)، و(ج) لها دور أيضًا في المواد المهندَسة، المكونة من وحدات بنائية مليمترية القياس من المربعات مركزية الجسم، والمربعات مركزية الوجه، المكونة من عُقَد (مناظِرة للذرات)، ودعامات (مناظِرة للروابط بين الذرات).

كبر الصورة

بعد ذلك.. جَمَع الباحثون الوحدات البنائية في تصاميم استنسخت العيوب، والبِنى المساهمة في آليات التقوية في الفلزات متعددة البلورات. وعلى سبيل المثال.. تمت محاكاة حدود الحبيبات عن طريق اصطفاف الحبيبات بطريقة خاطئة في المواد المهندَسة (انظر البيانات الشاملة في شكل 5 من البحث1)، واستُنسِخَت المواد متعددة الأطوار عن طريق خلط بِنى المكعبات مركزية الوجه بِبِنَى المكعبات مركزية الجسم (شكل 1). ومن المثير للدهشة أن الباحثين لاحظوا أن آليات التقوية نفسها، التي تعمل على المقياس الذري في الفلزات، والسبائك تقوي أيضًا المواد المهندَسة على مقياس أكبر. فعلي سبيل المثال.. يحدد اتجاه الحبيبات في المواد المهندَسة أنماط الضعف التي تصيب البِنية التحتية. ويمكن تحسين متانة المواد – بدرجة كبيرة – باستخدام جزيئات أصغر حجمًا.

يقدم عمل فام وزملائه أدلة أكثر تشويقًا على إمكانية استخدام المواد المهندَسة لتصميم هياكل متعددة المستويات، مثل البلورات ذات الأنماط الهندسية المتكررة3. ويمكن لنهج العلماء أن يمَكِّن من إجراء بحوث مستقبلية بشأن العلاقات بين المستويات ذات الطول المميز للبِنى التحتية في المواد التقليدية، والخصائص الميكانيكية لهذه المواد. والأهم من ذلك.. أن هذا البحث يقترح إمكانية استخدام المواد المهندَسة لدراسة بِنى هرمية أكثر تعقيدًا، مثل تلك المكونة من الحرير، والعظام؛ لاستنتاج السمات المسؤولة عن الخصائص المميزة للبِنى.

يجب أن تقيِّم البحوث المستقبلية مقدرة آليات التقوية على تحسين الخصائص الميكانيكية للمواد المهندَسة، لأن هذه المعلومات ستكون أساسية لتطوير استخدامات عملية. كما يجب أيضًا استكشاف طرق بديلة، لإدخال الترسيبات، والمواد متعددات الأطوار في المواد المهندَسة، جنبًا إلى جنب مع تأثير استخدام المواد المكونة المختلفة. قد تسمح المعلومات المستنتَجة من التجارب التي أُجريت على  المواد المهندَسة بنقل آليات التقوية من مادة تقليدية إلي أخري، أو من مستوى إلى آخر، وهذا من شأنه أن يساعد الباحثون علي التغلب علي قيود المواد التقليدية المهندَسة. ويتطلب تحقيق مثل هذا الابتكار فهمًا عميقًا لآليات الضعف الأساسية في المواد الموجودة من المستوى الذري إلى المستوى المرئي بالعين المجردة، الذي يمكن تيسيره باستخدام طرق حسابية5.

وتركز دراسة فام وزملائه - بشكل أساسي – على التحميل الضاغط للمواد. ويجب على الأبحاث المستقبلية أن تتقصى سيناريوهات أخرى، مثل التحميل التمددي، وتأثيرات الصدمات، أو حتى العمليات الميكانيكية التي تنتشر بواسطتها الشقوق. كما يمكن تقصي العديد من المبادئ الكلاسيكية عن خصائص المواد باستخدام نهج الباحثين.

قد تمهِّد دراسة تأثيرات الأنواع الأخرى من الوحدات البنائية الطريقَ أمام مجالات بحثية تستهدف تطوير مواد مهندَسة تجمع بين الخصائص الرئيسة لمواد حيوية مختلفة. ومع ذلك.. فسوف تتسم عملية تنظيم الخصائص الهندسية - مثل أحجام الحبيبات، وتعدد الأطوار، والترسيبات؛ للحصول على الخاصية المرغوبة - بصعوبة بالغة. وحتى بالنظر إلى الأنظمة البسيطة، نجد أن عدد توليفات التصاميم المحتملة كبير جدًّا، مما يجعل من طباعة واختبار كل تصميم على حدة أمرًا مرتفع التكلفة. ولذلك.. فإن أوجه التقدم في الجانب النظري، والنمذجة الحاسوبية سوف تكون ضرورية؛ لتحديد التصاميم الواعدة التي تستحق الاختبار.

وعلى سبيل المثال.. قد تكون النمذجة متعددة المستويات، المبنية على تجميع المواد - بدءًا من الأساس - من المقياس الذري، أو المقياس المجهري، عاملًا حاسمًا لفهم آليات التقوية، وتحسين البِنى؛ للحصول على مواد بالخصائص المطلوبة. كما يمكن لمزيج من أدوات النمذجة الناشئة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات الوراثية، أن تسرع الجهود المبذولة لفهم العمليات التي تسبب ضعفًا8 في المواد المهندَسة المعقدة.

وعلى المدى الطويل، إذا نجحت تقنية "التصنيع بالإضافة" في تحقيق الدقة اللازمة لطباعة البِنى على المستوى الذري، فقد يصبح مصطلح «المواد المهندَسة» قديمًا؛ حيث يصبح مفهوم البِنْية، والمادة متكامِلَين بسلاسة في جميع المستويات الممكنة. وعوضا عن ذلك.. سوف ندخل حقبة جديدة من المواد المبتكرة المخصصة القابلة للطباعة.

References

  1. Pham, M.-S., Liu, C., Todd, I. & Lertthanasarn, J.Nature 565, 305–311 (2019). | article
  2. Gao, W. et al. Comput. Aided Des. 69, 65–89 (2015). | article
  3. Zheng, X. et al. Nature Mater. 15, 1100–1106(2016). | article
  4. Jingjie, Y. et al. Phys. Scr. 93, 053003 (2018). | article
  5. Giesa, T., Spivak, D. I. & Buehler, M. J. Adv. Eng. Mater. 14, 810–817 (2012). | article
  6. Gil Sevillano, J., van Houtte, P. & Aernoudt, E. Prog. Mater. Sci. 25, 69–134 (1980). | article
  7. Jacques, P., Furnémont, Q., Mertens, A. &Delannay, F. Phil. Mag. A81, 1789–1812 (2001). | article
  8. Gu, G. X., Chen, C.-T. & Buehler, M. J. Extreme Mech. Lett. 18, 19–28 (2018). | article

جان سيوب شنج، وماركوس جيه. بولير من مختبر ميكانيكا الذرات والجزيئات بقسم الهندسة المدنية والبيئية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كامبريدج، ماساتشوستس 02139، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: mbuehler@mit.edu