عمود

أنت لَسْتَ عالِمًا فاشلًا

يقول فيليب كروجر إنه ينبغي تقديم الدعم إلى طلاب الدكتوراة الذين يغادرون الوسط الأكاديمي.

  • Published online:

Adapted from Getty

بصفتي طالب دكتوراة في السنة النهائية، أجد أنه من المحبِط والمخيب للآمال أن يُذكِّرني الناس دومًا بآفاق العمل المظلمة التي تنتظرني في الأوساط الأكاديمية. قد تؤدي تلك النظرة القاتمة إلى زيادة كبيرة في الضغوط الواقعة على الطلاب، وإلى الإسهام في ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بينهم (T. M. Evans et al. Nature Biotechnol. 36, 282–284; 2018). ويمكن للأوساط العلمية أن تساعد في حل هذه المشكلة بتشجيعنا جميعًا على تغيير الطريقة التي نفكر بها تجاه درجة الدكتوراة. وكذلك بمقدور العلماء البدء في وضع حقيقة بسيطة في الاعتبار، وهي أن الباحثين الذين يتركون الوسط الأكاديمي لا يجب اعتبارهم أكاديميين فاشلين.

ويجب على الطلاب ومشرفيهم أن يبدأوا النظر إلى برنامج الدكتوراة باعتباره برنامجًا تدريبيًّا على التفكير العلمي، وبرنامجًا تأهيليًّا لا يقدَّر بثمن للتدريب على مجموعة متنوعة من المسارات المهنية. فإذا استطاع جميع المشاركين في المجالات العلمية الأكاديمية القبول بمجموعة متنوعة من الأدوار، بوصفها نتيجة طبيعية، فسنتمكَّن حينئذ من تغيير تعريفنا المعيب للنجاح. وحينها، يمكننا الانتقال من ثقافة الفشل إلى مشروع علمي ينطوي على قدر أكبر من السعادة والتوجهات الصحية.

من جهتي، أجد صعوبة في تحديد المسار المهني الأفضل الذي يتناسب مع شخصيتي، ومهاراتي، وأولوياتي، وطموحاتي، واهتماماتي، لا سيما أن أغلب الناس من حولي ينظرون إلى المسار الأكاديمي بوصفه المسار الطبيعي بالنسبة لي، إلا أننا، نحن طلاب الدكتوراة، نتحمل مسؤولية الاهتمام بآفاق مستقبلنا المهني. والكثير منا – بطبيعة الحال – يقوده حماس الاكتشاف، كما أننا نستمتع بحريتنا في إشباع فضولنا العلمي داخل المختبرات الأكاديمية، غير أن البعض منا يكتشف أثناء دراسته لنيل درجة الدكتوراة أنه من خلال الوظيفة التي يحلم بها سوف يكون التركيز على استخدام المهارات الشخصية، ومهارات التواصل، وعلى إحداث تأثير مباشر على المجتمع، أو تحقيق مكاسب مادية، أو الأمان الوظيفي، أو ساعات العمل التي تسمح بقضاء وقت مناسب مع الأسرة. وينبغي أن تكون توجهاتنا مستندة إلى قرار واعٍ، وليس إلى تصورات بعدم وجود فرص. وينبغي ألا تكون هذه التوجهات مبنية على أي إحساس "بالفشل"، أو الخوف من الفشل.

ما يستطيع طلاب الدكتوراة فعله

لكي يتخذ هؤلاء الطلاب قرارًا مدروسًا بشأن مستقبلهم المهني، يجب عليهم أن يأخذوا بزمام المبادرة. وسوف أقدِّم لكم هنا الأشياء التي أفلحَتْ معي، وأعتقِد أن أقراني من طلاب الدكتوراة يمكنهم القيام بها.

حدِّد تفضيلاتك: إنّ الدراسة لنيل الدكتوراة تتيح لك خبرات متنوعة، تتراوح بين إجراء التجارب المعملية إلى إلقاء المحاضرات، والإشراف على الطلاب. وقد وجدتُ أنه من المفيد أن أدوّن ملاحظاتي متى وجدتُ واحدة من تلك المهام رائعة، أو ممتعة، أو مرهقة، أو مملة، أو محبطة للغاية. وقد ساعدني هذا الأمر، على مدار أربع سنوات، في تحديد الأنماط، وتحديد المهام التي يجب أن تشكل مهنتي المستقبلية. فعلى سبيل المثال.. كانت تلك هي الطريقة التي اكتشفتُ بها أنني أستمتع بمناقشة البيانات الخاصة بي، وعرضها على الآخرين، أكثر بكثير من استمتاعي بجمْع تلك البيانات في المختبر.

اكتسِبْ مجموعة من المهارات: منذ البدايات المبكرة لعملي في مرحلة الدكتوراة، كان مهمًا بالنسبة لي أن أكون واعيًا بالمهارات القابلة للنقل إلى مجالات أخرى، وأن أعمل بفعالية على تطوير هذه المهارات، ومنها مهارات العمل الجماعي، والإدارة المباشرة للطلاب الأصغر سنًّا، وإدارة المشروعات، وإدارة الوقت، وكتابة المراسلات، وتقديم العروض التقديمية في المؤتمرات. ويمكنك البحث عن أنشطة خارج المختبر، تتيح لك اكتساب المزيد من الخبرات، مثل تنظيم الفعاليات، أو التدريس، أو المشاركة في العمل العام، أو كتابة المدونات. لقد شاركتُ - على سبيل المثال - في تنظيم مؤتمرات في أكسفورد لصالح الجمعية البريطانية لعلم المناعة، كما أقوم بتدريس علم المناعة ضمن برامج جامعية متنوعة بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة.

اكتشِفْ ما هو متاح في الخارج: ربما لا تكون هذه النقطة واضحة ومباشرة كما ينبغي، لكنني وجدت أن مكتب استشارات الوظائف في جامعتي كان مكانًا جيدًا للبدء. كثيرًا ما يقابل مستشارو الوظائف طلابًا في مرحلة الدكتوراة تساورهم الشكوك بشأن أدوارهم المستقبلية، ولذا.. فهؤلاء المستشارون بإمكانهم مساعدتك على تنظيم التقييم الذاتي الخاص بك، ومواءمة تفضيلاتك ومهاراتك بوجه عام مع أدوار محددة. لقد اعتدتُ أيضًا قراءة إعلانات الوظائف؛ للتعرف على الوظائف المتاحة، والمهارات التي ينشدها أصحاب العمل. وتُعَد معارض الوظائف العلمية من بين المصادر المفيدة الأخرى؛ فهناك يمكنك الالتقاء بأصحاب العمل المحتمَلين، بل إنني صادفت - بعد الكثير من عمليات البحث على الإنترنت - وظائف متاحة في تلك المعارض، لم أسمع بها من قبل.

نَظِّمْ لقاءات بنفسك: لا تَعتمِد فحسب على المقالات ومنشورات المدونات على شبكة الإنترنت في التعرف على طبيعة المهام الفعلية لوظيفة معينة. بالنسبة لي، كان التحدث إلى أشخاص يعملون في تلك الوظائف بالفعل مصدرًا لأهم الأفكار التي توصلت إليها. لقد وجدتُ أن الأشخاص الذين قرروا ترك المختبر، والالتحاق بمهن أخرى يدركون مدى صعوبة هذا القرار، وأن هؤلاء الأشخاص لديهم استعداد لإلقاء محاضرات حول الرحلة التي خاضوها. وغالبًا ما يقوم الطلاب بأخْذ زمام المبادرة فيما يتعلق بعَقْد هذا النوع من ندوات الوظائف، ويمكنك أن تقوم بتنظيم إحدى تلك الندوات بنفسك. في القسم الذي أعمل به، ننظم أربعًا من تلك المحاضرات كل عام. قُم بإرسال هذه المقالة إلى مدير القسم أو البرنامج الذي تعمل به عندما تطلب منه تمويل الفعالية التي تريد تنظيمها.

أَسِّس شبكة علاقات لنفسك: في وقت مبكر، وجدتُ أن ملفّي الشخصي على موقع «لينكد إن» LinkedIn كان أداةً مفيدة لمتابعة نشاطات معارفي، وتقديم معلومات عن نفسي. لو أنكَ أرسلت رسائل متابَعة إلى أشخاصٍ سبق لك التحدث إليهم خلال ندوات، أو اجتماعات، أو مَعارض، فعلى الأرجح سوف يتذكرك هؤلاء الأشخاص عندما تطلب منهم النصح، أو أن يتحدثوا معك عن خبراتهم العملية. على سبيل المثال.. أرسل إليَّ العديد من المحاضرين الذين تحدثوا في ندوات عن الوظائف - في وقت لاحق لهذه الندوات - تفاصيل بشأن الاستراتيجيات التي استخدموها في البحث عن وظائف، وكذلك الشركات التي فكروا في التقدم إلى وظائف بها، وغير ذلك الكثير.

رَتِّب للحصول على منحة كمتدرب: استخدِم شبكة علاقاتك (أو شبكة علاقات مشرفك)، أو قم بإرسال رسائل بالبريد الإلكتروني لأشخاص ليس لك سابق معرفة بهم، واطلب منهم الحصول على فرص للتدريب الداخلي، أو التدريب عن طريق ملاحظة الأعمال التي يقوم بها أشخاص متمرسون. ففي فبراير من العام الماضي، أمضيت أسبوعًا في دورية «نيتشر إميونولوجي» Nature Immunology (بعد أن تعرفت على أحد محرريها أثناء أحد المؤتمرات)، وكان ذلك كافيًا للوصول إلى فهْم جيد لطبيعة الروتين اليومي للوظيفة؛ فقد شاركتُ في مناقشة المقالات المُقدَّمة للنشر، وكتبت مقالًا تحليليًّا، وقمت بتحديد المراجعين الملائمين لأحد الأبحاث. وإضافة إلى ذلك، أُتيحت لي فرصة التحدث إلى أفراد طاقم العمل بالشركة، والاطلاع على طبيعة الأدوار التي يقومون بها، وتعرفت - على سبيل المثال - على أوجه الاختلاف بين محرري الدوريات الأساسية، ومحرري الدوريات المتخصصة في نشر مقالات المراجعات.

ما يمكن للمشرفين فعله

تتطلب أي عملية استكشاف حر ومفتوح للخيارات الوظيفية المختلفة بيئة عمل تشجع الطلاب على تخصيص بعض الوقت لاستكشاف الوظائف، وتساعدهم بفعالية في العثور على المعلومات ذات الصلة، إلا أنه يمكن القول إن معظم المشرفين لا يعرفون الكثير عن المهن والوظائف غير الأكاديمية، وقد لا يتوافر لدى هؤلاء المشرفين الدوافع الكافية لإتاحة الفرصة للطلاب لمعرفة تلك المعلومات. ونتيجة لذلك.. أفاد الثلث فقط من المشاركين في «الدراسة الاستقصائية لطلاب الدراسات العليا لعام 2017» - التي أجرتها دورية Nature - بأنهم قد تلقّوا نصائح مفيدة من مشرفيهم فيما يتعلق بالمهن والوظائف غير الأكاديمية (انظر: https://go.nature.com/2qwsyfx).

عندما شاركتُ في تنظيم «يوم وظائف العلوم الطبية» Medical Sciences Careers Day، الذي أُقيم لطلاب الدكتوراة في عام 2016 بجامعة أكسفورد، اقترح البعض أيضًا دعوة متحدثين أكاديميين؛ لتقديم "صورة أكثر توازنًا"، لكن طلاب الدكتوراة لديهم بالفعل الكثير من النماذج التي يُحتذى بها في بيئتهم الأكاديمية، كما أنه يُتاح لهم الوصول دائمًا إلى معلومات حول مستقبلهم الوظيفي في المجال الأكاديمي. أما الهدف الرئيس من تنظيم مثل تلك الفعاليات، فيتمثل في توفير المعلومات غير المتاحة للطلاب، وبالتالي تصحيح عدم التوازن الموجود بالفعل.

مِن غير المحتمل أن يتمكن طلاب الدكتوراة بمفردهم من إحداث تحوُّل في ثقافة العلوم الأكاديمية. وأعتقد أن ثمة مسؤولية تتحملها برامج الدكتوراة، ويتحملها كل مشرف على حدة، فيما يتعلق بمساعدة الطلاب على التوصُّل إلى المسارات الوظيفية المناسبة لهم. وأنا شخصيًّا أعرِف العديد من قادة المجموعات الذين ينظرون إلى هذا الأمر باعتباره جزءًا من دورهم كمشرفين ناصحين. وبوصفك باحثًا رئيسًا، بإمكانك اتخاذ عدة خطوات؛ لتوفير الدعم لطلابك.

ادعم التطور المهني للطلاب: أَتِح للطلاب فرصًا للتدريس، والإشراف، وترأّس الاجتماعات، وإدارة مشروعات التعاون البحثي، وكتابة الأوراق البحثية، أو طلبات الحصول على المنح. من واقع خبرتي.. هذه الفرص تُتاح للطلاب بالفعل على نطاق واسع، إلا أن بعض الباحثين الرئيسين لا يقدِّرون دائمًا الأهمية التي تمثلها تلك الفرص التدريبية بالنسبة إلى الطلاب. لقد تعلمتُ أنا شخصيًّا بأفضل طريقة عندما كنت أعمل على تطوير مهارة معينة لدىَّ، ومن ثم تَلَقِّي التعليقات من الحاضرين؛ على سبيل المثال.. عند التمرُّن على إلقاء عرض تقديمي. بإمكانك إضفاء طابعًا رسميًّا على تلك الممارسة بتحويلها إلى ملتقى دوري، ومناقشة النواحي التي يستمتع بها الطلاب، والجوانب التي يحتاجون فيها إلى مزيد من الممارسة.

أَسِّس بيئة عمل مرنة: الطلاب الذين قابلتهم – والذين كانوا قد وضعوا لأنفسهم بالفعل خطة واضحة لمساراتهم المهنية قبل نهاية مرحلة الدكتوراة – كانوا ينتمون عادةً إلى مجموعات بحثية أسست بيئة عمل تتسم بالمرونة، وانخفاض مستوى الضغوط. شَجِّع طلابك على تخصيص بعض الوقت للأنشطة غير الأكاديمية، التي من شأنها أن تزوّدهم بخبرات نافعة. لقد كنتُ محظوظًا بأنْ أُتيحت لي الفرصة لتجربة أشياء مختلفة، ولكنني أعرف أشخاصًا يجدون أنفسهم مضطرين - بسبب الضغوط - للبقاء في المختبر طوال اليوم، وكل يوم.

شجِّع الخبرة العملية: بعض البرامج التقليدية للدكتوراة يتضمن بندًا اختياريًّا - بل وإلزاميًّا أحيانًا - يتعلق بإكمال الطالب لمنحة تدريبية بإحدى المؤسسات خارج الوسط الأكاديمي. وفي اعتقادي أنّ هذه فكرة عظيمة. لقد أمضى بعض أصدقائي ثلاثة أشهر في العمل على صياغة السياسات بمنظمة الصحة العالمية، أو في تصوير أفلام وثائقية علمية لصالح هيئة الإذاعة البريطانية. وجميع مَنْ أعرفهم ممن سبق لهم إنهاء مِنَح تدريبية يشعرون بتقدير كبير لهذه التجربة، ولما اكتسبوه من خبرات. ويمكن لكل مشرف على حدة أن يشجع تلك الممارسة، وأن يجعل طلابه يعلمون بأنه يشجع هذا الأمر، وذلك عبر تزويدهم – على سبيل المثال - بأسماء أشخاص يعملون في القطاعات ذات الصلة.

أَظْهِر دعمك: يمكن القول إن أهم شيء يمكن للمشرفين فعله هو تقديم الدعم الصريح لأولئك الذين قد يتجهون إلى العمل خارج الوسط الأكاديمي من أعضاء فريق العمل بالمختبر، والمتدربين الخاضعين للإشراف. فعلى سبيل المثال.. يمكنك أن تعلن على الصفحة الخاصة بمختبرك أنك تعطي أهمية كبيرة لمسألة دعم التطور المهني والوظيفي لأفراد مختبرك. كما يمكنك أن تُلحِق بهذا الإعلان قائمة مُحدَّثة بأسماء خريجي المختبر؛ لإظهار فخرك بما حققه هؤلاء الخريجون من إنجازات. سوف يُقدِّر المتقدمون المحتمَلون للدراسة في مرحلة للدكتوراة ومرحلة ما بعد الدكتوراة موقفك من تلك المسألة تقديرًا كبيرًا.

درجة الدكتوراة لها قيمة كبيرة

يتبقى لدينا بعد هذا العرض جانب واحد أخير من جوانب ثقافة الفشل، وتأثيرها على طلاب الدكتوراة، وباحثي ما بعد الدكتوراة؛ ألا وهو الاعتقاد الخاطئ - واسع الانتشار - بأن درجة الدكتوراة هي بمثابة تدريب، تقتصر فائدته على مجال البحوث الأكاديمية فقط، أو - بعبارة أخرى - الاعتقاد بأنك لو تركت الوسط الأكاديمي، فسوف تَعتقِد والدتك أنك أهدرت وقتك في نيل درجة الدكتوراة، بل ربما تكون أنت نفسك قد فكرت في ذلك.

نحن ندرك أن أغلب الحاصلين على درجة الدكتوراة ينتهي بهم المطاف إلى وظائف أخرى، ولكنْ يبقى السؤال: هل أضاع كل هؤلاء أوقاتهم هباءً؟ بالقطع لا. إنّ المهارات التي تكتسبها - أو اكتسبتها - خلال رحلة نَيْل درجة الدكتوراة هي مهارات يحتاجها بشدة أصحاب العمل خارج النطاق الأكاديمي؛ فأنت شخص يتمتع بقَدْر هائل من المرونة، والاجتهاد في العمل، والحماس. أنت شخص يتخذ القرارات استنادًا إلى الأدلة، ويمكنه تفسير البيانات وشرح المفاهيم المعقدة للآخرين بوضوح. وأنت أيضًا عضو فعال في فريق العمل، ولديك القدرة على ترتيب أولويات مهامك. وأخيرًا، أنت حاصل على درجة علمية تثبت ذلك كله.

لديك إذَن كل الأسباب التي تجعلك متفائلًا تجاه آفاق العمل المتاحة أمامك.

أنا شخصيًّا لن أشعر بالندم على دراستي لنيل درجة الدكتوراة، بغضّ النظر عن كنه مساري المهني المستقبلي.

فيليب كروجر طالب دكتوراة متخصص في علم المناعة بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة.