رؤية كونية

دققوا في كل ورقة بحثية لرصد تكرار النتائج

كاثرين وينشستر تقول إنها عُينَت في وظيفة لاكتشاف الأخطاء، ووضع إجراءات روتينية تعزز ممارسات البحث العلمي الموثوق.

كاثرين وينشستر
  • Published online:

 

UNIVERSITY OF GLASGOW

في عام 2012، رأيت إعلانًا عن وظيفة جديدة غير معتادة، وكنت أعلم أنني الشخص المناسب للوظيفة. إذ كان قادة معهد بيتسون لأبحاث السرطان في المملكة المتحدة، وهي منظمة غير ربحية في جلاسجو، قد استحدثوا منصبًا يختص بخلق النقاشات، ووضع الممارسات فيما يتعلق بنزاهة البحث العلمي وإدخالها في الروتين اليومي لباحثي المعهد البالغ عددهم 300 باحث.

   كانت لدي بعض الأفكار حول البحث العلمي الموثوق؛ استقيتها من عملي كباحثة في علم الأحياء الجزيئية لمدة 20 عامًا تقريبًا، حيث كنت أشرف على طلاب الدراسات العليا وأدير فريقًا بحثيًا. أعتقد أن أفضل طريقة لتعزيز جودة البحث العلمي هي مناقشته بشكل مكثف، وبحرية. إن انتهاج سلوكيات بحثية غير لائقة بشكل متعمد هو أمر نادر الحدوث، لكن حتى إثارة موضوع الممارسات البحثية الخاطئة، والأخطاء الناتجة عن الإهمال يعتبر أمرًا حساسًا؛ فهو مشكلة جلية يتجاهلها الجميع، ولا يريدون التطرق إليها.

   وإلى جانب المساعدة في التقديم للحصول على المنح، تتضمن وظيفتي المساعدة في إدارة البيانات، وتحسين جودة المسودات البحثية، وتوفير التدريب، وأن أكون نقطة التواصل الأولى للمخاوف المتعلقة بنزاهة البحث. فأنا أقرأ بتمعن كل مسودة بحثية يقدمها علماؤنا لكي تنشر في الدوريات العلمية، أي حوالي 50 ورقة بحثية أولية كل عام. ورسائل الشكر الحارة التي أتلقاها أكثر بكثير من ردود الأفعال الباردة.

   إنني أسعى جاهدة لكي أكون الوجه الودود خلف تلك المسألة الجادة، وأن أرفع مستوى الوعي، وأغير السلوك، وأعمل على خلق بيئة تكون فيها مسألة مناقشة نزاهة البحوث جزءًا طبيعيًا في الممارسات العلمية لا يتسبب في صدامات. أقابل الجميع بشكل شخصي، بما فيهم باحثي ما بعد الدكتوراه، وطلاب الدكتوراه، والفنيين – عادةً خلال الأسبوع الأول لهم في العمل – واستطعت أن انخرط في المعهد بصفتي باحثة. ويتوقع الناس أن يروني في الندوات، والمناسبات الاجتماعية.

   ربما كانت المهمة الأكثر تعقيدًا حتى الآن هي تطوير ممارسات لتنسيق وحفظ كافة البيانات التي تشكل جزءًا من أساس الورقة البحثية، بما فيها الأبحاث المكررة،. استغرق مني ذلك حوالي سنة من العمل مع كبار أعضاء هيئة التدريس، وفريق تكنولوجيا المعلومات، ومدير آخر للبحوث. ولقد جربنا نظام أرشفة البيانات خاصتنا مع مجموعتين، واستخدمناه في معهدنا لمدة عام، ومن ثم عدلناه بناءً على ما تلقيناه من آراء حياله. وبدلا من إخفاء البيانات في ملفات وكتب مختبرية مفردة، يحفظ الباحثون الآن كافة البيانات المنشورة في محرك مركزي مخصص، بحيث يمكن الوصول للمعلومات على المدى الطويل. في البداية ظن الناس أن هذه العملية كانت مجرد عملٍ تنظيمي إضافي، أو أنها استُحدِثت حتى أتمكن من مراقبة بياناتهم. أما الآن فقد أصبحت أمرًا معتادًا، ويخبرني الباحثون إنهم يوفرون الوقت، ويتجنبون القلق من خلال ترتيب بياناتهم، وأرشفتها.

   كانت التعقيبات على مراجعاتي إيجابية، وخاصةً لأنني، باعتباري عين مدققة جديدة، أستطيع أحيانًا أن أرصد الأخطاء التي قد لا يراها شخص آخر يألف العمل. فقد استطعت أن ألاحظ جداول صور مكررة، وبياناتٍ ناقصة، وصورًا ذات بيانات تعريف خاطئة، إلى جانب مشكلات أخرى. كما أراجع نصوص الأوراق البحثية المكتوبة لاكتشاف السرقة الفكرية، باستخدام برمجيات مثل «آي-ثينتيكيت» iThenticate، ومراجعة الأشكال بحثًا عن عمليات التكرار غير المقصود، أو التلاعب غير اللائق. ولقد أدمجت عناصر من قوائم تدقيق لدوريات علمية، من بينها قائمة التدقيق الفنية، والإحصائية الخاصة بدورية Nature في مراجعاتي من أجل تقديم تقارير عن الدقة، وتصميم التجربة، وتحليلها. وأحيانا أقترح استخدام اختبار إحصائي مختلف، أو طريقة أخرى لعرض البيانات (على سبيل المثال، رسم نقاط فردية بدلًا من الرسم البياني بالأعمدة). والهدف هو تحسين جودة المسودة البحثية دون محاولة محاكاة أسلوب مراجعة الأقران.

   إن المراجعات إلزامية لكنها غير رسمية. وإني أؤمن أن عملي هو بمثابة عين مدققة إضافية، وأستطيع عادةً أن أنهي مراجعاتي في غضون أسبوع، أو أسبوعين، لأني أكون قد قرأت بالفعل استمارات المنح التي قدمها الباحثون، ولدي إمكانية الوصول إلى البيانات للإجابة على معظم التساؤلات بنفسي. أحيانا أتلقى ردا كتابيًا يبدو كرأي أحد المراجعين الأقران؛ وفي أغلب الأحيان يبدو الرد تعاونيًا.

   ويتيح التدريب ملتقى غير رسمي نناقش فيه قضايا النزاهة البحثية. ويفتح التدريب وجهًا لوجه، المُصمم خصيصًا، باب النقاش حول قضايا النزاهة البحثية، ويقدم إرشادًا عمليًا ذا صلة بهذه القضية. فعلى سبيل المثال، أجري ورش عمل مدتها 90 دقيقة حول إدارة البيانات، والإعداد المسؤول للصور، والاعتبارات الإحصائية، وتجنب السرقة الفكرية. والتدريب إجباري على الجميع. وفيما يتعلق بالباحثين الرئيسيين الجدد فإنهم يتلقون التدريب وجهًا لوجه، بينما يلتقي باحثو ما بعد الدكتوراه، وطلاب الدراسات العليا، والفنيين، ومساعدي البحوث في مجموعات تصل إلى عشرة أفراد. أما طلاب الدراسات العليا فيحصلون على نقاط أكاديمية مقابل هذا التدريب؛ فهم في النهاية يتعلمون الأساسيات اللازمة لكي يصبحوا علماء. إنني أعمل على تحديث المناهج بشكل منتظم؛ لإضافة السياسات الجديدة، والقصص الجديدة، لكن هذه الدورات تكون أفضل عندما يتناقش المشاركون حول مشكلة ما في النشر، أو مشكلة واجهتهم شخصيًا.

   وبعد خمس سنوات من العمل، لم نتعرض لسحب أي بحث من الأبحاث، أو لمشكلات خطيرة تخص منشورات معهدنا، وأشعر أن جهودي، وجهود زملائي قد عملت على تحسين الممارسات البحثية أكثر بكثير مما كان يمكن أن يؤدي إليه مجرد نشر السياسات على صفحة إلكترونية. إن بابي مفتوحٌ دائمًا. وإذا أثار أحدٌ قضيةً ما، فإن نهجنا يسمح بإجراء نقاشات غير رسمية، واستفسارات منفصلة قبل الشروع في أي تحقيق رسمي. يمكن لهذا النهج أن يمنع تصعيد الأمور بلا داع، كما أنه يرفع بعض الضغوط عن كاهل الباحثين الذين قد يكون لديهم رغبة في الإبلاغ غن مخاوفهم.

   والسؤال الآن: هل بإمكان أغلب أقسام الجامعة أن يكون لديها مستشارين للنزاهة البحثية؟ والإجابة هي: نعم، ولكن ينبغي أن يمتلك هؤلاء الأشخاص خلفية بحثية في ذلك المجال، وأن ينخرطوا في الشؤون اليومية للباحثين. من شأن هذا أن يزيد من عدد الموظفين، لكنه سيوفر المال على المدى البعيد؛ فالأبحاث عالية الجودة يسهل البناء عليها، وتحقيقات سوء الممارسات البحثية سرعان ما تصبح مكلفة. والأهم، إنها تستنزف حياة كثير من المحققين، وتلحق الضرر بمصداقية العلوم وثقة الجمهور فيها. ومن المأمول أن تساهم المبادرات مثل هذه إلى حد ما في خلق ثقافة يكون فيها المزيد من العلماء مستعدين للحديث عن مشكلات نزاهة البحث العلمي، ومعالجتها.

 

كاثرين وينشستر مستشارة المنح والنزاهة البحثية في معهد بيتسون لأبحاث السرطان في جلاسجو بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: c.winchester@beatson.gla.ac.uk