تحقيق إخباري

عندما تتحول المضادات الحيوية إلى سموم

يتساءل الباحثون.. لماذا تؤدي عقاقير الفلوروكينولون إلى أعراض جانبية نادرة، ومسببة للعجز؟

جو مارتشانت

  • Published online:

Illustration by Oliver Munday

في عام 2014، ذهبت ميريام فان ستافيرن لقضاء عطلة في جُزُر الكناري، وهناك أصيبت بعدوى من نوع ما. بدأت أذناها وجيوبها الأنفية تؤلمها بشكل متقطع، فتوجهت إلى زيارة طبيب المنتجع الذي كانت تقيم فيه. وصف لها الطبيب برنامجًا علاجيًّا لمدة ستة أيام من المضاد الحيوي المعروف «ليفوفلوكساسين» levofloxacin. وبعد ثلاثة أسابيع، وعقب عودة ستافيرن إلى منزلها في أمستردام، بدأت تشعر بآلام في عُرقُوبها، ثم سرعان ما انتقل الألم إلى ركبتيها، وكتفيها، ثم انتابتها آلام مبرحة في ساقيها وقدميها مع حالة من التعب الشديد والاكتئاب. تقول ستافيرن: "ظلت حالتي تسوء يومًا بعد يوم، وكنت أتألم ليل نهار". ورغم أن هذه الطبيبة - البالغة من العمر 61 عامًا - كانت في السابق لاعبة تنس، وممارِسة نشطة لرياضة المشي لمسافات طويلة، فقد وجدت نفسها لا تستطيع السير على قدميها، وكان عليها أن تصعد الدَّرَج على أطرافها الأربعة.

منذ ذلك الحين، ترددت ستافيرن على مجموعة متنوعة من الاختصاصيين الطبيين. وأرجَع البعض أعراضها إلى أسباب نفسية، واقترح البعض الآخر تشخيصات متعددة، مثل متلازمة الألم العضلي الليفي، أو التعب المزمن. ورغم ذلك.. لم تكن ستافيرن متشككة مثلهم، فقد كانت مقتنعة بأن المضاد الحيوي أصابها بالتسمم.

لم تكن ستافيرن الوحيدة المصابة بهذه الحالة.. فعقار ليفوفلوكساسين ينتمي إلى فئة العقاقير المعروفة باسم الفلوروكينولونات fluoroquinolones، وهي من أكثر المضادات الحيوية التي يصفها الأطباء شيوعًا على مستوى العالم. ففي عام 2015، وصف الأطباء في الولايات المتحدة تلك العقاقير 32 مليون مرة، مما جعلها تحتل المركز الرابع في قائمة أكثر فئات المضادات الحيوية انتشارًا على مستوى البلد، لكن الفلوروكينولونات اكتسبت سمعة سيئة لدى نسبة قليلة من الأشخاص. وقد بدأ آلاف من الأشخاص الذين أصابهم المرض بعد العلاج بالفلوروكينولونات في التجمع لمشاركة تجاربهم وخبراتهم على مواقع الإنترنت ومجموعات الـ«فيسبوك» التي تحمل أسماء مثل Floxie Hope، وMy Quin Story. يصف كثير من هؤلاء الأشخاص إصابتهم بحالة مدمّرة ومتفاقمة باستمرار، تشمل أعراضًا تتراوح بين الاضطرابات النفسية والحسية، وحتى الإصابة بمشكلات في العضلات والأوتار والأعصاب تستمر، حتى بعد أن يتوقف الأشخاص عن تناول الدواء. وهم يصفون تلك الحالة بالتعرض لـ "الفَلْكَسة"، نسبة إلى اسم الدواء.

على مدار عقود من الزمن، انتاب الشك الوكالات التنظيمية والدوائر الطبية في أن اتّباع برنامج علاجي قصير من المضادات الحيوية يمكن أن يسفر عن مثل هذا التأثير المدمّر طويل الأجل، ولكن بعد حملات متواصلة نظّمَتها جماعات من المرضى، بدأت المواقف والاتجاهات تتغير في عام 2008، عندما أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أول تحذير في إطار ما تحوّل إلى سلسلة من التحذيرات المشددة بشأن الآثار الجانبية لأدوية الفلوروكينولون، التي من بينها تمزُّق الأربطة، وتلف الأعصاب غير القابل للشفاء. وفي عام 2016، قبلت الإدارة بوجود متلازمة دائمة على الأرجح، أطلقت عليها "العجز المقترن باستخدام الفلوروكينولونات"، وأوصت بقَصْر استخدام هذه الأدوية على علاج حالات العدوى الخطيرة فحسب. حفَّزت تلك الخطوة وكالات تنظيمية أخرى على إعادة تقييم المضادات الحيوية، حيث حذّرت إدارة «صحة كندا» الأطباء من حدوث حالات نادرة من الآثار الجانبية الدائمة، أو المسببة للعجز في يناير عام 2017، وكذلك تُوُقِّع أن تنشر الوكالة الأوروبية للأدوية نتائج استعراضٍ للسلامة في عام 2018، بعد جلسة استماع علنية عُقدت في شهر يونيو 2018.

يمكن وصف الفلوروكينولونات بأنها مضادات حيوية بالغة الأهمية، وآمنة لمعظم الناس، ولكن الأطباء يصفونها على نطاق واسع للغاية، حتى إنّ آثارها الجانبية ربما تكون قد أضرّت بمئات الآلاف من الأشخاص في الولايات المتحدة وحدها، حسبما يقول العلماء الذين يفحصون المرضى؛ لفك لغز أسباب العجز المقترِن باستخدام الفلوروكينولونات. ويقول العلماء إن التسمم بالفلوروكينولون يقدم مثالًا مُقنِعًا على معلومة جديدة، مفادها أن المضادات الحيوية لا تؤذي الميكروبات فحسب، وإنما يمكن أن تُلحِق أضرارًا جسيمة بالخلايا البشرية أيضًا. وحتى وقت قريب، ركزت الدراسات البحثية على الآثار الجانبية للمضادات الحيوية على الكيفية التي تُحدِث بها تلك العقاقير خللًا في الميكروبيوم البشري، حسبما يقول جيمس كولينز، وهو مهندس طبي بمعهد ماساتشوستس للتقنية في كامبريدج. ويضيف كولينز قائلًا: "المضادات الحيوية تُلْحِق الضرر بخلايانا أيضًا، وبطرق كثيرة جدًّا".

الجانب المظلم للفلوروكينولونات

تقوم المضادات الحيوية من فئة الكينولونات - التي تم تطويرها للمرة الأولى في ستينيات القرن العشرين - بقتل البكتيريا، عن طريق حصار إنزيمات تسمى «التوبويزوميرازات» topoisomerases من النوع الثاني، تقوم - في العادة - بفك تشابكات الحمض النووي أثناء عملية تناسخ الخلايا. تُحدِث تلك الإنزيمات – في العادة - قَطْعًا في اللولب المزدوج للحمض النووي، وتُمَرِّر جزءًا آخر من الشريط عبر الفتحة، ثم تُصلِح القَطْع، غيرأنالكينولونات ترتبط بالإنزيمات؛ مما يمنعها من إصلاح مواضع القَطْع تلك. وفي ثمانينيات القرن العشرين، أضاف الباحثون ذرات الفلورين إلى جزيئات الكينولونات، وسمح ذلك للمضادات الحيوية باختراق الأنسجة في مختلف أنحاء الجسم، بما فيها الجهاز العصبي المركزي، وزاد من فاعليتها في مواجهة مجموعة كبيرة من حالات العدوى البكتيرية.

تم سحب بعض الفلوروكينولونات سريعًا من الأسواق، تلك التي كانت قد حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء، بعد تسجيل حدوث تفاعلات دوائية سلبية شديدة، وحدوث العديد من حالات الوفاة. فعلى سبيل المثال.. كان دواء تروفافلوكساسين trovafloxacin، الذي تم سحبه في عام 1999، يُلحِق الضرر بالكبد، غير أن هناك أدوية أخرى أصبحت العلاجات المفضّلة في حالات كلٍّ من العدوى الخطيرة، والشكاوى التقليدية، على الرغم من حدوث آثار جانبية نادرة. ويُذكر أن "هذه الأدوية مستخدمة على نطاق واسع، لأنها فعّالة جدًّا"، حسب قول جو ديويسي، وهو اختصاصي كيمياء حيوية، يدرُس إنزيمات التوبويزوميرازات في كلية الصيدلة بجامعة ليبسكوم في ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية. وفي تسعينيات القرن الماضي، أعطى الأطباء عقار سيبروفلوكساسين ciprofloxacin - المعروف اختصارًا باسم "سيبرو" - للقوات الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج العربي، كعلاج وقائي في حالة التعرض لجراثيم الجمرة الخبيثة (الأنثراكس). وفي عام 2001، ارتفعت مبيعات السيبرو بعد سلسلة من الهجمات الارهابية بالجمرة الخبيثة، وأوصت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ببرنامج علاجي مدته 60 يومًا لأي شخص معرَّض للإصابة بها.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

وبحلول تلك المرحلة.. كان البعض قد أبلغوا بالفعل عن وقوع مشكلات محتملة. ففي عام 1998، نشر الصحفي الأمريكي ستيفن فرايد (يعمل حاليًّا في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا في نيويورك) كتابًا بعنوان «حبوب مريرة» Bitter Pills، تناول فيه التفاعلات الدوائية العصبية الحادة وطويلة الأجل لزوجته مع عقار أوفلوكساسين ofloxacin. وقد أسهَم الكتاب في إطلاق موجة من التقارير على المواقع الإلكترونية، مثل «منتدى التفاعلات الدوائية السلبية للمضادات الحيوية من الكوينولونات» Quinolone Antibiotics Adverse Reaction Forum، الذي استضاف بحلول عام 2001 أكثر من 5 آلاف منشور. وتولّى الطبيب الراحل جاي كوهين - الذي كان حينذاك طبيبًا نفسيًّا، وباحثًا طبيًّا في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو - الاتصال بالمرضي عبر المواقع، ونشر 45 دراسة حالة1. وحذّر كوهين من أن بعض الأشخاص بعد تعاطيهم الفلوروكينولونات قد أصيبوا بمشكلات خطيرة في العديد من أعضائهم. وقد حدثت تلك الأعراض سريعًا، واستمرت لشهور، أو لسنوات.

قوبل عمل كوهين برفض شديد في ذلك الوقت، بسبب اعتماده على المنتديات الإلكترونية، ولكنْ استمرت شكاوى والْتِماسات المرضى. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، وحتى نهاية عام 2015، تلقّت إدارة الغذاء والدواء تقاريرَ من أكثر من 60 ألف مريض، يذكرون فيها تفاصيل مئات الآلاف من "التفاعلات الدوائية السلبية الخطيرة" المرتبطة بالفلوروكينولونات الخمسة التي لا تزال متداوَلة في الأسواق (والتي كان أكثرها شيوعًا "تمزق الأربطة"، إلى جانب الأعراض العصبية والنفسية)، بما في ذلك 6,575 تقريرًا عن وقوع حالات وفاة. وتقول إدارة الغذاء والدواء إن التقارير التي تتلقاها عن التفاعلات الدوائية السلبية – التي ترسلها شركات تصنيع الأدوية، والأطباء، وكذلك المستهلكون مباشرةً – لا يمكن استخدامها للتوصل إلى استنتاجات بشأن مدى خطورة المشكلات المرتبطة بالأدوية. ومع ذلك.. فقد شهدت الفلوروكينولونات شكاوى أكثر من غيرها من المضادات الحيوية الأخرى المستخدَمة على نطاق واسع. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 1-10% فقط من التفاعلات الدوائية السلبية هي التي يتم إبلاغ إدارة الغذاء والدواء بها، مما يوحي بأنّ الفلوروكينولونات ربما تكون قد ألحقت الضرر بمئات الآلاف من الأشخاص في الولايات المتحدة وحدها، حسبما يقول تشارلز بينيت، اختصاصي أمراض الدم في كلية الصيدلة بجامعة ساوث كارولينا في كولومبيا. يشغل بينيت أيضًا منصب مدير «الشبكة الجنوبية المعنية بالتفاعلات الدوائية السلبية»، وهي جهة رقابية مموَّلة من الدولة، تضطلع بسلامة المستحضرات الصيدلانية، حيث تَدرُس الشبكة حالات الأشخاص الذين تأثروا بفعل الفلوروكينولونات منذ عام 2010.

وفي عام 2008، أعلنت إدارة الغذاء والدواء تحذيرات "الصندوق الأسود" من حدوث تمزق في الأربطة لدى الأشخاص الذين يتعاطون المضادات الحيوية. وفي عام 2013، أضافت الإدارة خطر الإصابة بتلف في الأعصاب غير القابل للشفاء (تُوضع تلك التحذيرات داخل صندوق أسود على ملصقات الأدوية، وتلفت الانتباه إلى مخاطر ذلك الدواء الشديدة، أو المهدِّدة للحياة). ومع تصاعد التحذيرات، أقام المرضى دعاوى قضائية ضد شركات تصنيع الأدوية، زعموا فيها أنه لم تتم إحاطتهم علمًا بالمخاطر المحتمَلة بما يكفي. وقد ربح بعض المرضى تلك القضايا، بينما خسرها آخرون، وتوصّل البعض الآخر إلى تسويات مقابل مبالغ مالية غير مُعلَنة، وما زالت قضايا كثيرة قيد النظر أمام المحاكم. وتحتجّ شركات تصنيع الأدوية بأنها تعاملت مع المخاطر بالشكل المناسب، وبأنها تتعاون مع إدارة الغذاء والدواء على تحديث ملصقات السلامة.

وفي نوفمبر عام 2015، صوّتت إدارة الغذاء والدواء لصالح الاعتراف بالعجز المقترِن باستخدام الفلوروكينولونات كمتلازمة، بناءً على 178 حالة، اعتبرتها الوكالة حالات واضحة بشكل قاطع؛ فقد كان أصحابها أشخاصًا أصحاء، تعاطوا الفلوروكينولونات لعلاج حالات مرضية طفيفة، ثم أصيبوا بحالات مسببة للعجز، وربما لا تكون قابلة للشفاء2. وقد لاحظت إدارة الغذاء والدواء أيضا نمطًا مقلقًا، فقد كانت النسبة المئوية لحالات العجز من الفلوروكينولونات في تقارير التفاعلات الدوائية السلبية الخطيرة أعلى كثيرًا من المضادات الحيوية الأخرى.

تلف الميتوكوندريا

ظلت بياتريس جولوم - من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو - تُجرِي أبحاثها على مدار عقد من الزمن على الأشخاص المتضررين من الفلوروكينولونات، بدءًا من ديفيد ميلفين، وهو ضابط شرطة يهوى ركوب الدرجات الهوائية، اضطُر إلى استخدام كرسي متحرك، بعد أن تعاطى دواء ليفوفلوكساسين، بسبب الاشتباه في إصابته بالتهاب البربخ في عام 2007. وتشير الأدلة المتراكمة - حسب قول جولوم - إلى أن الفلوروكينولونات تقوم بتدمير الميتوكوندريا، وهي حِزَم توليد الطاقة داخل الخلايا البشرية، التي تطوّرت من خلايا تكافلية شبيهة بالبكتيريا منذ مليارات السنين. وهذا النوع من التلف يمكن أن يؤثر على كل خلية في الجسم، مما يفسّر السبب وراء إمكانية ظهور مجموعة كبيرة من الأعراض التي تزداد سوءًا مع مرور الوقت.

ترتبط مشكلة سُمّية الميتوكوندريا بفئات كثيرة من الأدوية، حسبما يقول مايك ميرفي، الذي يدرُس بيولوجيا الميتوكوندريا في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة. وحيث إن الميتوكوندريا لا تزال تحتفظ ببعض أوجه التشابه مع أسلافها من البكتيريا، يمكن للمضادات الحيوية أن تشكّل تهديدًا خاصًّا لها. وقد أوضح الباحثون - على سبيل المثال - أن المضادات الحيوية من عائلة «الأمينوجليكوزيد» aminoglycoside يمكن أن تسبب الصمم، عن طريق إتلاف الميتوكوندريا في الخلايا الشعرية بالأُذُن3.

وأشارت دراسات منعزلة أجريت منذ ثمانينيات القرن الماضي فصاعدًا إلى أن الفلوروكينولونات تعوق وظيفة الميتوكوندريا، ولكنْ ثمة دراسة4 أجراها كولينز وزملاؤه في عام 2013، هي الأكثر إقناعًا، حسب قول الباحثين. فقد أفاد الباحثون في هذه الدراسة بأن المضادات الحيوية من عدة فئات أدّت إلى حدوث إجهاد تأكسدي – وهو تراكم لجزيئات متفاعلة تحتوي على الأكسجين – في الميتوكوندريا، مما أدى إلى تثبيط وظيفتها عبر مجموعة من الخلايا الثديية، وكذلك لدى الفئران. يقول كولينز: "فوجئنا بمدى قوة التأثير، وحجم انتشاره عبر الفئات المختلفة، ولكنْ شُوهِد أبلغ التأثيرات في الكينولونات".

كان الباحثون الدوائيون قد رصدوا هذه المسألة أيضًا، ففي عام 2010، أشارت عالمة السموم إيفون ويل وزملاؤها بشركة «فايزر» في جروتون بولاية كونيتيكت إلى اختبار أُجري لرصد تلف الميتوكوندريا في مرحلة مبكرة من تطوير الأدوية5. وقد وجد الباحثون أن بعض المضادات الحيوية أثَّر على الميتوكوندريا، بينما لم يكن للبعض الآخر أي تأثير. فقد أتلف كل عقار فلوروكينولون اختبروه الميتوكوندريا في خلايا الكبد البشري؛ أي كان له - حسب وصف الباحثين - "تأثير قوي" في التركيزات العلاجية، على الرغم من أن إيفون تحذّر من أنه لا يمكن الاستدلال من تلك النتيجة على نتائج إكلينيكية.

إنّ احتمالية حدوث تلف في الميتوكوندريا ما زالت لا تحظى بقبول واسع بين الباحثين في مجال المضادات الحيوية، وفي المجتمع الطبي ككل، حسبما يقول كولينز، الذي يضيف: "أعتقد أن الناس يفترضون عمومًا أن المضادات الحيوية لا تؤثر على الخلايا الثديية". هناك مشكلة واحدة تتمثل في أنه لا يوجد حتى الآن واسم حيوي موثوق يمكن للباحثين استخدامه لاختبار مدى التلف الذي يصيب الميتوكوندريا لدى الأشخاص، وهو ما مِن شأنه الربط بين أبحاث الخطوط (السلالات) الخلوية، والتجارب الإكلينيكية. ولا نعرف كذلك تحديدًا كيف تقوم الفلوروكينولونات بإتلاف الخلايا البشرية، فعلى سبيل المثال.. استشهد استعراض لسلامة المضادات الحيوية أجرته إدارة الغذاء والدواء في عام 2013 بدراسة 6 أُجريت في عام 1996، ورد فيها أن دواء "سيبرو" سبَّب حدوث فواصل في الحمض النووي في الميتوكوندريا بمجموعة متنوعة من خطوط الخلايا الثديية، لكنّ نيل أوشيروف - وهو عالم الكيمياء الحيوية بجامعة فاندربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي، ويَدرُس الفلوروكينولونات - يساوره الشك بشأن تلك النتيجة؛ فأجرى أوشيروف اختباراته المعملية الخاصة، واكتشف أنه في التركيزات العلاجية يكون للفلوروكينولونات التي يصفها الأطباء تأثير ضئيل جدًّا على الحمض النووي لدى الإنسان7. وفي الوقت ذاته، لا يُعتبر تلف الميتوكوندريا النظرية الوحيدة المطروحة، ففي دراسة أُجريت في عام 2015 على الخلايا الكلوية لدى الإنسان8، أفاد الباحثون بأن الفلوروكينولونات يمكن أن ترتبط بذرات الحديد من المواقع النشطة للعديد من الإنزيمات التي تقوم بتعديل الحمض النووي، مما يؤدي إلى تغيّرات فوق جينية، ربما تكون متعلقة ببعض الآثار الجانبية للأدوية.

وفي مؤتمر عُقد في سبتمبر من عام 2017، ذكر بينيت بيانات أولية، قد تلمّح إلى السبب في أن بعض الناس فقط تظهر عليهم آثار جانبية خطيرة من جرّاء تعاطي الفلوروكينولونات. فقد جمع بينيت عيّنات لعاب من 24 شخصًا أبلغوا عن إصابتهم بآثار جانبية نفسية وعصبية، مثل فقدان الذاكرة، ونوبات الذعر والاكتئاب، واكتشف أن 13 من أفراد العينة (57%) يشتركون في متغير جيني لا يُرى عادةً سوى لدى 9% فقط من إجمالي السكان. لم يكشف بينيت عن هوية ذلك الجين، لأن طلبه لنيل براءة الاختراع لا يزال قيد النظر، لكنه يقول إنه موقع يبدو على صلة بضعف أيض الكينولونات. ربما تتسبب مثل هذه الطفرة في تراكم مستويات عالية الخطورة من الأدوية في الخلايا، بما في ذلك الدماغ. يُجرِي بينيت في الوقت الراهن تجربة تضم أكثر من 100 مشارك، من أجل معرفة ما إذا كان بإمكانه تكرار النتيجة، أم لا، فإذا حدث ذلك، فربما يثمر عن إعداد اختبار جيني؛ للتعرف على الأشخاص الذين لا ينبغي إعطاؤهم تلك الأدوية.

نقص الدعم

قال معظم العلماء الذين سألتهم دورية Nature عن الفلوروكينولونات إنه يلزم إجراء مزيد من البحوث لفهْم آثارها الجانبية. ويأمل كولينز في استكشاف تلف الميتوكوندريا بفعل المضادات الحيوية في نماذج حيوانية أخرى. كذلك اكتشف كولينز وميرفي في الدراسات المعملية4، 9 أن إعطاء مضادات الأكسدة جنبًا إلى جنب مع الفلوروكينولونات يبدو أنه يخفف من آثارها على الميتوكوندريا. يهتم ميرفي بالتجارب التي تُجرى لتجنب سُمّية الميتوكوندريا في الأدوية، وهو يمتلك أسهمًا في شركة تهدف إلى إجراء بعض هذه التجارب، لكن إجراء مثل هذه التجارب صعبٌ ومكلفٌ، ولا سيّما للأدوية التي تُصرَف أحيانًا في الحالات المُهدِّدة للحياة، حسب قوله. تُجرِي جولوم حاليًّا استطلاع رأي غير مموَّل على شبكة الإنترنت؛ لجمع المعلومات عن تجارب آلاف المرضى. وتأمل جولوم في أن يقود ذلك الاستطلاع إلى التوصل إلى طرح فرضيات بشأن ما يمكن أن يخفّف من الأضرار، وأن يمكن اختبار تلك الفرضيات حينها في التجارب الإكلينيكية، لكنّ الدعم المتوفر قليلٌ، وهو أمر معتاد مع البحوث المتعلقة بسلامة الأدوية، فدراسة الأدوية المطروحة في الأسواق لسنوات لا تمثل أولوية للهيئات والوكالات البحثية، مثل معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، حسبما يقول بينيت. ولا تملك شركات تصنيع الأدوية أي حافز لتمويل دراسات السلامة بعد طرح منتجاتها في الأسواق، ولا سيّما الأدوية خارج نظام البراءات، مثل سيبرو وليفوفلوكساسين، حيث إن الغالبية العظمى من المبيعات تأتي من شركات الأدوية النوعية. ويقول بينيت: "لذا.. لا يوجد أحد - في الواقع - مستعد للمبادرة بهذا العمل".

هناك عامل آخر يتمثل في إحجام العلماء عن نشر النتائج التي ربما تجدها شركات الأدوية مخالِفة لمصالحها. وتقول جولوم عن ذلك: "هناك تاريخ طويل من الإجراءات السلبية المتخذة بحق الأشخاص الذين يكشفون مضار الأدوية والمواد الكيميائية". وتستشهد جولوم بقائمة أعدّتها شركة الأدوية «ميرك» تضم أسماء الأطباء الذين انتقدوا الدواء المضاد للالتهابات «فيوكس Vioxx»، (روفيكوكسيب rofecoxib)، الذي تم سحبه من السوق بسبب زيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية. ووفقًا لرسائل البريد الإلكتروني الداخلية التي تُليت بالمحكمة في عام 2009 في إطار دعوى جماعية مرفوعة ضد الشركة في أستراليا، احتوت قائمة تبادلها العاملون بشركة «ميرك» عبر البريد الإلكتروني على أسماء الأطباء، وإلى جانبها توصيفات، مثل "استبعاد"، أو "مُستبعَد"، أو "تشويه السمعة". وجدير بالذكر أنه (لم تستجب شركة «ميرك» لطلب دورية Nature التعليق على هذا). تمثّل التكتيكات العدوانية "مشكلة كبيرة للغاية"، حسبما يقول بينيت، الذي يضيف أنه تَعرَّض للتهديد من شركات الأدوية في الماضي.

يرى أوشيروف أن هناك مخاوف أكثر إلحاحًا بشأن الفلوروكينولونات، مثل كيفية مكافحة ظهور حالات العدوى المقاوِمة للمضادات الحيوية، وتطوير مضادات حيوية جديدة، ولكنه يتفق مع علماء آخرين على أنه لا ينبغي أن يصف الأطباء الفلوروكينولونات لعلاج حالات العدوى البسيطة نسبيًّا عندما يكون بإمكانهم اللجوء إلى أدوية أخرى. ورغم ذلك.. كانت تحذيرات إدارة الغذاء والدواء على ملصقات الأدوية بطيئة التأثير في تحقيق النتائج؛ فلم تنخفض وصفات تلك الأدوية بين عامي 2011، و2015، وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (انظر: «المضادات الحيوية التي يُفْرِط الأطباء في وصفها»). ويقول بينيت إنّ هذا يشير إلى أن التنبيهات الرسمية لم تكن كافية لحضّ الأطباء على تغيير عاداتهم. لقد تغيّرت الملصقات الخاصة بأدوية الفلوروكينولونات وحدها حوالي 20 مرة في السنوات الأربع أو الخمس الماضية، كما يقول بينيت، الذي يضيف: "يستحيل على الأطباء مواكبة هذه التطوّرات". ورغم ذلك.. فقد تراجعت وصفات المضادات الحيوية من فئة الفلوروكينولونات في الولايات المتحدة بنسبة 10% تقريبًا بحلول عام 2016. وتشير الأرقام الإجمالية عن النصف الأول من عام 2017 إلى أن نسبة تلك الوصفات قد انخفضت مرة أخرى في عام 2017، وفقًا للأرقام غير المنشورة، التي أرسلتها شركة إيكويفيا إلى دورية Nature، وهي شركة مختصة بالبيانات الصحية، مقرها في دورهام بولاية نورث كارولينا.

في الوقت نفسه، تشكو فان ستافيرن في أمستردام من أنه رغم دراستهاالطبية، فلا تستطيع حتى الآن العثور على طبيب يصدقها. وتنتظر أن تُصْدِر الوكالة الأوروبية للأدوية توصياتها، وتأمل في أن تحذوالوكالة حذو إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في الاعتراف بمتلازمة العجز المقترن باستخدام الفلوروكينولونات، وتحذّربشأنها. لقد (رفضتالوكالة الأوروبية للأدوية التعليق، بينما كان الاستعراض قيد الإعداد). وتقول ستافيرن: "أريد من الأطباء أن يكونوا مُطلعين على المخاطر، مهما كانت ندرة حدوثها. أريد تحذيرات في كل مكان، وأريد أن يأخذ الناس تلك التحذيرات مأخذ الجد". 

References

  1. Cohen, J. S. Ann. Pharmacother. 35, 1540–1547 (2001). | article
  2. Tennyson, L. E. & Averch, T. D. Urology Pract. 4, 383–387 (2016). | article
  3. Gao, Z., Chen, Y. & Guan, M.-X. J. Otol. 12, 1–8 (2017). | article
  4. Kalghatgi, S. et al. Sci. Transl. Med. 5, 192ra85 (2013). | article
  5. Nadanaciva, S. et al. Biomol. Screen. 15, 937–948 (2010). | article
  6. Lawrence, J. W. et al. Mol. Pharmacol. 50, 1178–1188 (1996).   | article
  7. Aldred, K. J. et al. ACS Chem. Biol. 8, 2660–2668 (2013). | article
  8. Badal, S. et al. J. Biol. Chem. 290, 22287–22297 (2015). | article
  9. Lowes, D. A. et al. Free Radical Res. 43, 323–328 (2009). | article

جو مارتشانت صحفية علمية، مقيمة في لندن.