افتتاحيات

توتر ونزاعات على نهر النيل

أعطوا الباحثين الفرصة لإنهاء تقييم آثار تشييد أكبر السدود الكهرومائية في أفريقيا.

  • Published online:

مِن المرجح أن العلماء الذين يدرسون الآن هيدرولوجيا نهر النيل قد سمعوا عن قصة سلفهم ابن الهيثم، عالِم الرياضيات والفيزياء، الذي عاش في القرن العاشر الميلادي. آنذاك، طلب حاكم مصر من ابن الهيثم بناء سد على نهر النيل، لكنْ ثبت أن هذا بمنزلة تحدٍّ هندسي عظيم. وخوفًا من نقمة الخليفة، يُقال إن ابن الهيثم قد تظاهر بإصابته بالمرض؛ لتجنب التعرض للعقاب.

ولحسن الحظ، فإن العلماء الذين يقدمون حاليًّا المشورة لمصر، وإثيوبيا، والسودان حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، لا يواجهون أي مخاطر مماثلة، بيد أنهم واقعون تحت ضغوط، إذ إن المحادثات بين الدول الثلاث - وخاصة بين مصر، وإثيوبيا - وصلت إلى طريق مسدود. فمِن جانب، تحاجج إثيوبيا بأنها في حاجة إلى سدٍّ يولد الطاقة الكهرومائية بصورة عاجلة، لأن ثلثي مساحة البلاد تفتقر إلى الكهرباء منذ وقت طويل. ومن جانب آخر، نجد أن مصر أقل حماسة لبناء السد؛ لأنّ نسبةً قِوامها تسعون في المائة من مياهها العذبة تأتي من النيل. وتتخوف مصر من أن يخلق السد شحًّا مائيًّا يؤثر على سكانها، البالغ تعدادهم 100 مليون نسمة خلال الفترة الزمنية المطلوبة لملء خزان السد، التي يتراوح أمدها من خمس إلى سبع سنوات. ومن ثم، ففي الأسبوع الماضي، أبدت مصر رغبتها في تدخُّل دولة أخرى؛ للوساطة في حل هذا النزاع، ورشحت الولايات المتحدة كخيارها المفضل، بينما ترفض إثيوبيا هذا الاقتراح. وهذا منعطف مؤسف في سير الأحداث، إذ قد تكون هناك حاجة بالفعل إلى الوساطة، غير أن هذا من السابق جدًّا لأوانه. ولا تزال الدول الثلاث في انتظار صدور نتائج تقييم علميّ مستقل للمخاطر التي يمثلها السد على دول المصب.

ومن الجدير بالذكر أنه في عام 2015 وافقت مصر، وإثيوبيا، والسودان على أن تُقيّم لجنة من الخبراء - وهي «المجموعة العلمية البحثية الوطنية المستقلة» NISRG - الآثار البيئية لكل جدول زمنيّ تفضل كل دولة أن يُبنى السد على أساسه. وقد عقدت المجموعة اجتماعات دورية، وهي تستعد لإصدار تقرير يجري التوصل إليه بالإجماع، ولتقديم توصيات، غير أن قرار مصر بالدعوة لوساطة، قبل أن يأخذ العلماء فرصتهم لوضع التقرير، يضع المجموعة العلمية البحثية في موقف حرج؛ فربما يشعر الباحثون - الذين يمثلون مصر بوجه خاص - بضغوط تمنعهم من كتابة أو قول أي شيء من شأنه أن يقوض موقف حكومة بلادهم في المفاوضات.

 وبدلًا من الاندفاع مباشرة تجاه طلب الوساطة، ينبغي على الدول أن تترك مستشاريها العلميين يستكملون المهمة التي كُلّفوا بها. ويجب السماح للباحثين بنشر نتائج أبحاثهم؛ لتمحِّصها الأطراف المعنية كافة، لا سيما مواطني البلدان الثلاثة، التي ستكون الأشد تأثرًا ببناء السد.

وقد تكون هناك حاجة إلى تدخُّل دولي، إذا عجز الاستشاريون العلميون عن وضع تقرير يتم التوصل إليه بالإجماع، أو إذا أعلن القادة السياسيّون - بمجرد نشر نتائج الباحثين - أنهم غير مستعدين أو قادرين على تغيير مواقفهم. وحتى ذلك الحين، يجب على مصر، وإثيوبيا، والسودان السماح للباحثين بإنهاء المهمة التي طُلب منهم القيام بها.