مستقبليات

انتهاك حقوق الملكية

العودة إلى أرض الواقع

تيموثي جاي. غاون 

  • Published online:

ILLUSTRATION BY JACEY

فتحتُ الباب الأمامي، ولم يذهلني الرجل طويل القد، المُغطى بريش أزرق ساطع، وإنما ما استحوذ على انتباهي هو الطبق الطائر الذي كان يحوم فوقي، والذي كان عرضه يبلغ كيلومترًا.

نظر الرجل المكسو بالريش في لوحٍ مشبكي كان بحوزته، وقال: "هل أنت السيد فلويد بروملي من مدينة برمنجهام في ولاية ألاباما؟"

أجبته: "أجل، هذا أنا". لاحت أمام عينيَّ قوات الشرطة مصطفة في الشارع أمام منزلي، وحواجز صفراء منصوبة في كل مكان.

رد الرجل، موجهًا نظره نحوي: "حسنًا، لن يستغرق الأمر من وقتك سوى بضع لحظات؛ هل تأذن لي بالدخول؟"

أجبته في تردد: "بالتأكيد"، وأومأت إليه بالدخول.

قال الرجل: "لعلك تتساءل عمَّا يجري". كان الرجل مرتديًا وشاحًا أحمر عريضًا، تغطيه رموز هيروغليفية معقدة، تابعتها وهي تُعيد تشكيل نفسها لتكون جملة: «شرطة حقوق الملكية الفكريّة».

أشرت إلى الوشاح متعجبًا: «شرطة حقوق الملكيّة الفكرية؟»

ردّ الرجل: "جيّد.. مُعيد الصياغة متعدد اللغات يعمل. أجل، أنا موظف لدى الهيئة الكونية المختصة بالتعامل مع انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، وأنا أحقق في دعوى تَعَدٍّ".

أجبته: "حقًّا! وما الذي يجري التعدي عليه؟"

قال الرجل: "ثمة  ادعاءات بحدوث حالة تَعَدٍّ.. على الأرض بالطبع!"

أجبته: "الأرض؟"

ردّ الرجل: "أجل، الأرض منتج رائج للغاية، وادعاءات تعرضها للقرصنة تؤخذ بجدية تامة".

قلت: "أيوجد أكثر من أرض؟"

أجاب الرجل: "بالتأكيد؛ وفقًا لآخِر عملية جرد، بيع أكثر من مليون نسخة من كوكب الأرض".

سألته: "وما الذي يفعله الناس بكل هذا العدد من كواكب الأرض؟"

"معظمهم يستخدمون كواكبهم للزينة، أو كلوحات فنية، مثلما أرى أن لديك ساعة نحاسية جميلة على رف المدفأة. بعضهم يتخذون شكلاً بشريًّا، ويهبطون إلى سطح الكوكب نفسه، لتجربته مباشرةً، وهناك دائمًا متحمسون، يحسّنون التكنولوجيا، ويسرّعون وتيرة عملية التطوّر؛ ثمة نوادٍ ومسابقات لذلك".

قلت: "كل هذه الكواكب الأرضية... هل كلها مثل بعضها؟ إذا كان بمقدور المرء أن يطلب كوكبًا كاملاً، ألن يريد شيئًا فريدًا من نوعه؟"

ردّ قائلاً: "مع أنَّ الكواكب المصنوعة حسب الطلب عمل مربح للغاية، فأغلب الناس يَقنعون بالأصناف المنتجة بالجُملة"، وتابَع مشيرًا بيده إلى غرفة معيشتي: "في النهاية، غالبية قطع الأثاث والأجهزة المنزلية التي لديك مطابِقة لما قد تجده في آلاف المنازل الأخرى".

أومأت برأسي موافقةً، وقلت: "كلامك منطقي، ولكنْ ما علاقة كل هذا بي؟"

نظر الرجل في لوحه المشبكي مرة أخرى، وقال: «ثمة ادعاءٌ بأنَّ هذه الأرض ليست حاصلة على التخويل المناسب، وأنَّها في الحقيقة نسخة مقرصنة. وقد أُرسلت هنا للتحقق من مدى صحة ذلك الادعاء".

فُتح الباب، ودخل رجل آخر. لم يكن هذا الرجل مكسوًّا بالريش الأزرق، بل كان يرتدي قميصًا مخططًا قصير الأكمام، وسروالًا زيتيًّا، وحذاءً رياضيًّا. استغرق الأمر منِّي لحظة، كي أُدرك أنَّ الشخص الآخر هو – في حقيقة الأمر – أنا. بالتأكيد رأيت نفسي في المرآة والصور الفوتوغرافية، إلا أنه لم يسبق لي أن رأيتُ نفسي وجهًا لوجه من قبل. كان الأمر غريبًا.

قال الرجل المكسو بالريش: "هذا هو فلويد بروملي من الأرض المطابِقة للمرجع الموحّد للمصنّعين. سوف أستعين به؛ لضمان جودة عمليات المعايرة التي سأجريها، وسآخذ بعضًا من قياساتك للتحقق".

تجسّدت تشكيلة معقدة من الكرات والحلقات النحاسية أمام الرجل المكسو بالريش، أخذها وحرّكها حول النسخة الأخرى منَّي، وشرع بعد ذلك في تحريكها حولي.

قال رجل الريش بعد ذلك: "حسنًا.. خلايا الدم مضبوطة، غير أنَّ ألياف العضلات متهالكة، والدماغ.. يا للهول! لقد جعلوا «المِهاد» في حالة يُرثى لها، و«المخيخ» لا يكاد يكون أفضل منه حالًا، و«الميتوكوندريا» في حالة مزرية. متأسف يا سيد بروملي، لكنَّ هذه الأرض هي في الحقيقة نسخة مقرصنة، بل ورديئة الجودة في الواقع".

هزّ فلويد القياسي رأسه معلّقًا: "هذا مؤسف ...". لاحظت أنَّ النسخة الأخرى منَّي كانت أطول قامةً، كما كانت بشرته أكثر نعومة من بشرتي. أنا أرتدي نظارة، وهو لم يكن يرتدي نظّارة. أنا أملك شعرًا أشيب، أما هو، فشعره أسود كثيف. هل أنا حقًّا نسخة رخيصة؟

تساءلتُ: "ما العمل الآن؟"

قال الرجل المكسو بالريش: "حسنًا، ستُصَادر القطعة الرديئة، ويجري تدميرها، وسيتحمل الطرف المخالف غرامة باهظة...".

قاطعته قائلاً: "ربما تكون مجرد نسخة رخيصة، ولكنَّني أعيش عليها. هل ستقضي على مليارات من أشكال الحياة الواعية لمجرد قضية انتهاك لحقوق الملكية الفكرية؟"

تجعّد أنف رجل الريش مندهشًا، وهو يقول: "إنها واعية وعيًا جزئيًّا، وإنْ كنت أتعاطف معك بحق. يمكنك التقدّم بالتماس إلى مجلس الكون".

قلت: "حقًّا؟ كيف؟"

أجابني رجل الريش قائلًا: "يمكنني أن أفعل هذا نيابةً عنك، لا ضير في ذلك إطلاقًا".

زاغت عيناه، وتمتم بشيء غير مفهوم. ولم تكد تمرّ عشر ثوانٍ، حتى استعادت عيناه تركيزهما.

قال الرجل: "آسف.. المجلس رفض الْتِماسَك".

"هل هذا كل شيء؟ استغرق الرفض عشر ثوانٍ؟"

أجاب الرجل المكسو بالريش: "ليكن في معلومك أنَّ ما يزيد على خمسة آلاف عضو واع بالكامل من أعضاء مجلس الكون قد شاركوا في هذه المناقشة. صحيح أنَّهم وجدوا قضيتك تستند إلى أسس موضوعية، ولكنَّهم كذلك أدركوا مدى الضرر الذي يمكن أن يترتب على السماح بوجود مثل هذه النسخة الرديئة بالنسبة إلى العلامة التجارية للأرض. كان العامل الفاصل هو إدراكهم أنَّ هذه الأرض رديئة البِنْية للغاية، حتى أنَّها سوف تنهار من تلقاء نفسها عما قريب لأسباب عديدة، منها: البلاستيك في المحيطات، والزيادة السكانية، والاقتصادات النيولِيبرالية... فهذا الكوكب محكوم عليه بالهلاك، وبالتالي فإنَّ أي وقف للتدمير سوف يكون غير ذي أهمية".

سألته: "كم من الوقت تبقى لنا؟"

ردّ قائلًا: "أسبوع تقريبًا، وفقًا لحساباتكم". حنى رأسه، وقال: "عذرًا على الإزعاج، وشكرًا لك على وقتك".

استداربعد ذلك هو وفلويد القياسي، وغادرا. 

تيموثي جاي. جاون عالِم أعصاب بجامعة ألاباما في مدينة برمنجهام الأمريكية، ومؤلف سلسة روايات سايبرتانك »العجوز» Old Guy، وأحد المرشحين لجائزة »سيون» Seiun اليابانية.