أخبار

سدٌّ عملاق على نهر النيل يثير نزاعًا بين مصر وإثيوبيا

أشعل مشروع «سد النهضة» الإثيوبي خلافًا حول احتياجات إثيوبيا التنموية، التي تقابلها من جهة أخرى مخاوف مصر بشأن ندرة المياه، وتغيُّر المناخ.

  • Published online:
شلالات مرتفعات إثيوبيا، التي ينبع منها النيل الأزرق.

شلالات مرتفعات إثيوبيا، التي ينبع منها النيل الأزرق. 

HERMES/AGF/UIG/GETTY

يضطلع علماء بيئة يمثلون دول مصر، وإثيوبيا، والسودان بدورٍ أساسي في خلافٍ مرير، تزداد حدته يومًا بعد يوم، يتعلق بأكبر السدود الكهرومائية في أفريقيا، الذي تشيّده إثيوبيا حاليًّا على نهر النيل.

تُحَرِّك هذا الخلاف قضايا عدة، تتعلق بشُح الموارد، ومواجهة تغير المناخ، والنزاعات حول المياه، التي تبدو عصية على الحل.

اجتمع باحثو الدول الثلاث في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الجاري بالعاصمة السودانية الخرطوم، قُبيل المؤتمر الذي جمع وزراء مياه البلدان الثلاثة، في يومي الرابع والخامس من الشهر نفسه. وعلى رأس أجندة الاجتماع جاءت الآثار البيئية الشاملة للسد، لا سيما تلك المتعلقة بموارد المياه في مصر. وانتهى اجتماع الوزراء، دون التوصل إلى حل. وتناشِد مصر الآن بتدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت محادثاتٌ حكومية سابقة، انعقدت في القاهرة في السادس عشر من سبتمبر من العام الجاري، قد انتهت أيضًا دون التوصل إلى اتفاق.

وتتخوف مصر من السرعة الكبيرة التي تسعى بها إثيوبيا لإنهاء عملية بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، ومن أنْ يتسبب الإطار الزمني الذي حددته إثيوبيا لتشغيل السد في ندرة المياه والغذاء في مصر، والقضاء على وظائف ملايين المزارعين المصريين. وتأتي نسبة قوامها 90% من المياه العذبة في مصر من نهر النيل، الذي يجري من الجنوب إلى الشمال، من مرتفعات إثيوبيا، التي تُعَد المصدر الرئيس لمياه الرافد المُسمَّى «النيل الأزرق»، (انظر الشكل «نهر يتدفق عبر المنطقة»).

وتردّ إثيوبيا على ذلك بالقول إنَّ المشروع - الذي اكتمل بنسبة 60% - ضروري لتوفير احتياجاتها من الكهرباء، وأنَّ بناءه مسألة سيادة وطنية؛ لا يحق لمصر التدخل فيها. ووفقًا لما ذكره البنك الدولي، فإنّ 66% من سكان إثيوبيا يعيشون دون كهرباء. وتُعَد تلك ثالث أعلى نسبة محرومة من الوصول إلى الكهرباء في العالم. ومن المتوقع أن يُنتِج السد 6.45 جيجاوات من الكهرباء عند الوصول إلى ذروة إنتاجه.

وتزعم الحكومة الإثيوبية أيضًا أن خطتها ستُمكِّن البلدان الواقعة شمالها من مواجهة آثار التغير المناخي بفعاليةٍ أكبر. ففي الوقت الراهن، تُسهِم تقلبات الطقس غير المتوقعة بين الجفاف والرطوبة في حوض النيل – الناتجة جزئيًّا عن تغيُّر المناخ – في حدوث فيضاناتٍ متقطعة، ونقصٍ في المياه. ويقول سيليشي بيكيلي - وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي - إنَّ خطة إثيوبيا ستؤدي إلى انتظام تدفق مياه النيل، وهو ما يقلل احتمالية وقوع مثل هذه الأحداث.

وقد أنشأت البلدان الثلاثة المعنية لجنة خبراء مستقلة، تسمَّى «المجموعة العلمية البحثية الوطنية المستقلة»، للمساعدة في إيجاد حلّ للأزمة.

كبر الصورة

الجدول الزمني لبدء تشغيل السد

يتوقف موعد بدء تشغيل السد على مدى السرعة التي يمكن بها ملء خزانه الرئيس من مياه النيل. وهنا، يكمن جوهر الخلاف، إذ يوفر الخزان مخزون المياه الذي سيُستخدَم في تشغيل التوربينات المولدة للكهرباء. وترغب إثيوبيا في ملء الخزان خلال خمس سنوات، مع السماح بتدفق 35 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا إلى الدول الواقعة في اتجاه مجرى النهر خلال فترة ملء السد، لكنّ مصر تقول إنَّ مواردها من المياه ستقل خلال هذه الفترة، وتطالب بزيادة فترة ملء الخزان إلى 7 سنوات، والسماح بتدفق كميةٍ أكبر من المياه، مقدارها 40 مليار متر مكعب كل عام.

ومن الجديرٌ بالذكر أنَّه لا توجد اتفاقيةٌ رسمية لتقاسُم المياه تجمع بين مصر وإثيوبيا. وبموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959، المُبرَمة بين مصر والسودان، تحصل مصر على 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل سنويًّا، فيما تحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب. وقد وُقعت هذه الاتفاقية بين البلدين قبل وقتٍ قصير من بدء مصر في بناء سدّها العملاق؛ «السد العالي» بمدينة أسوان.

هذا.. بيد أن إثيوبيا لم تكن طرفًا في هذه الاتفاقية، وبالتالي لا تعترف بها. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نِبيات جيتاتشو، في مؤتمرٍ صحفي يوم العشرين من سبتمبر من العام الجاري إنَّ أي اقتراحٍ لا يحترم "سيادة إثيوبيا، وحقّها في استخدام سد النيل" لن يكون مقبولًا.

وقال بيكيلي في تصريح أدلى به لدورية Nature: "تتوقع إثيوبيا إجراء مناقشاتٍ، وإحراز تقدمٍ في المحادثات، دون فرض رؤية أي دولةٍ على البقية". ويضيف: "القضايا المثارة قابلة للحل من الناحية الفنية، ويمكننا أن نضع إطار العمل المناسب لعمليات التشغيل طويلة الأجل، استنادًا إلى العلم، وأفضل الممارسات المتبعة".

وإضافة إلى ذلك، علَّق كيفين ويلر - الباحث في علم الموارد المائية بمعهد التغيُّر البيئي، التابع لجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة - على ذلك قائلًا إنَّه في الأعوام التي تتساقط فيها الأمطار بالمعدلات المعتادة، يُتوقع ألا تشهد مصر سوى زيادةٍ بسيطة في ندرة المياه، أو قد لا تشهد أي زيادةٍ على الإطلاق، وذلك في حال ملء الخزان خلال فترة تتراوح من 5 إلى 7 سنوات، مع السماح بتدفق 35 مليار متر مكعب من المياه - على الأقل - في مجرى النهر.

وأضاف ويلر - الذي شارك في كتابة ورقةٍ بحثية في عام 20161 عن طرق ملء السد - قائلًا إنه يحق لمصر أن تقلق بشأن زيادة الشح المائي في سنوات الجفاف، والسنوات التي تقل فيها معدلات تساقط الأمطار.

أمَّا هاري فيرهوفن، وهو باحث مقيم في قطر، ومتخصص في شؤون حوض النيل، فيرى أنَّ مصر ليس بوسعها أن تفعل الكثير في هذا الصدد في نهاية المطاف، وأنَّه سيتعين على صناع السياسات في القاهرة التكيف مع نقص كميات مياه النيل خلال فترة ملء السد. وأضاف قائلًا: "نقص تدفق المياه على مدار عدة سنوات يعني أنَّ الخيارات المتاحة ستكون صعبةً، ولن تتعلق فقط بمَن ستكون له أولوية الحصول على المياه، وإنَّما أيضًا باختيار المحاصيل التي ينبغي زراعتها، وبما إذا كانت الأولوية ستصبح لإمدادات الغذاء المحلية، أم أسواق التصدير".

وتابع فيرهوفن موضحًا أنَّ مصر يمكنها إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا، لكن ذلك سيتطلب موافقة كلا الطرفين على التحكيم. ويتوقع أنه حتى إذا وافق الطرفان على ذلك، فمِن المستبعَد أن يكون قرار المحكمة لصالح مصر. وأضاف: "إثيوبيا لها الحق في تطوير الموارد المائية داخل أراضيها".

ولم تستجب وزارة المياه والري المصرية لطلباتٍ متكررة من دورية Nature بالتعليق على القضية، لكنْ في بيانٍ صدر في وقتٍ سابق من هذا الشهر، صرحت الوزارة أنّها ترى أنَّه "من المهم للجانب الإثيوبي أن يشارك في مفاوضاتٍ فنية جادة"، للتوصل إلى اتفاقٍ يحقق "المصالح المشتركة للدول الثلاث".

ويقول إسماعيل سراج الدين – وهو نائبٌ سابق لرئيس البنك الدولي، كان قد تنبأ في عام 1995 بأنَّ حروب القرن الواحد والعشرين ستندلع بسبب نزاعاتٍ على المياه – إنَّه بالرغم من أن كلا الطرفين لم يبديا استعدادًا للتزحزح عن موقفهما حتى الآن، فمِن المرجح أنَّ البلدين سيصلان إلى تسويةٍ ما. وأضاف قائلًا: "ترغب إثيوبيا في ملء السد في أقصر فترة ممكنة، وترغب مصر في ملئه في أطول فترةٍ ممكنة، وسيتفاوض الطرفان حتى الوصول إلى تسويةٍ ما. وأعتقد أنَّه من الجيد أنْ يتباحث الطرفان".

وأضاف سراج الدين، الذي أصبح فيما بعد مستشارًا علميًّا لرئيس الوزراء المصري: "لا يزال احتمال الحرب قائمًا، لكنْ مَن يدري؟ ربما يتبين في نهاية المطافأنَّنا نتحلى بالحكمة بدرجة أكبر مما كنتُ أظنه ممكنًا حين قلتُ ما قلته".

References

  1. Wheeler, K. G. et al. Water Int. 41, 611–634 (2016).| article