عمود

 التدريس امتيازٌ وليس عبئًا

الباحثة سارا إيه. جاجليانو تاليون توصي العلماء بتحمُّل مسؤولياتهم فيما يتعلق بالتدريس.

سارا إيه. جاجليانو تاليون

  • Published online:

 

SOLSTOCK/GETTY

إنّ "مرحلة ما بعد الدكتوراة تُشبه تمامًا أن يشغل المرء منصبًا في هيئة تدريس بإحدى الكليات، بدون تكبُّد كل متاعب التدريس". هذا ما قاله لي أستاذ جامعي زائر، ولمجموعة من زملائي من باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة، خلال غداء غير رسمي للتعارُف، في وقت سابق من العام الجاري.

ومع ذلك، فإنني لا أتفق مع هذا المنظور للعملية التعليمية.. فالتدريس للمرحلة الجامعية ليس عبئًا، ولا عملًا روتينيًّا يجب أداؤه فحسب، ولا ينبغي اعتباره كذلك، بل إنه يُمثِّل جزءًا بالغ الأهمية من الحياة الأكاديميّة. ومن الضروري أن يُظْهِره المعلمون على أنه كذلك. فجميعنا نرغب في إجراء أبحاث دقيقة علميًّا، لكنْ علينا - بلا شك أيضًا - أن نسعى جاهدين لأنْ نصبح مدرسين مؤثِّرين. وعبر التدريس، يصبح الباحثون مسؤولين عن تعليم الجيل القادم من العلماء، الذين سيستخدمون أفكارهم ومهاراتهم الفريدة لتطوير مجالات تخصصهم.

ولهذا السبب، بحثتُ عن فرصٍ للتدريس في أثناء دراستي للدكتوراة، وكذلك في أثناء زمالة ما بعد الدكتوراة، لأنني أرى التدريس فرصةً لإثراء المهارات، لا عائقًا. وقد أشرفتُ على طلابٍ جامعيين ضمن فعاليات برنامج بحثي صيفي مُكثَّف، وقدمتُ المشورة للعديد من الطلاب ممن يُجْرُون أبحاثًا. وبصفتي عضوة زمالة في مرحلة ما بعد الدكتوراة، شاركتُ في تدريس العديد من الدورات التدريبية في برامج الدراسات العُليا. وكلَّما وجدتُ نفسي في منصب تعليمي، فإنني أحاول تأديته بصورةٍ أفضل.

كما أعمل على تحسين طريقة شرح الدروس للطلاب، وحَثّ الطلبة على الوصول إلى مستويات أعمق من التفكير الناقد، من خلال أسئلة الامتحانات التي أضعها، وعلى تبَنِّي استراتيجيات تدريس جديدة؛ لتلبية احتياجات قطاع أوسع من الطلبة. وفي أثناء ذلك.. أتعلم من طلابي، إذ إن الاطلاع على منظورهم المختلف للأمور يسمح لي بإعادة التفكير في أبحاثي، وفي الوضع الحالي لمجال تخصصي، ومستقبله. فعلى سبيل المثال، ساعدني بعض أسئلة طلابي على إعادة النظر في العتبة المتعارف عليها لـ«دلالة النطاق الجينومي»، وكيف يُمكن أن تتغير.

ومن واقع خبرتي، أقدم ثلاث نصائح لمساعدة الباحثين على أن يُصبحوا معلمين أفضل:  

تعاملوا مع التدريس بعقلٍ متفتح؛ إذ يجب أن يتغير السلوك السائد في الأوساط العلمية، فالتدريس ليس مضيعةً للوقت الثمين المخصص للأبحاث. ولا شك أنَّ هناك مجموعةً من الأكاديميين يُقدِّرون مسؤولية التدريس، لكنَّ هذه المجموعة ينبغي أن تصبح الأغلبية.

اسعوا للحصول على المساعدة عند التخطيط للتدريس لصَفّ دراسي. فمعظمنا لسنا مُعلِّمين بالفطرة، مثلما أنّ معظمنا لسنا باحثين بالفطرة. ومثلما هو الحال عند تطوير أي مهارة، فتعلُّم التدريس هو عملية تتطلّب تكرار التجربة والخطأ، وقدرًا كبيرًا من الممارسة. ولذلك.. تُقدِّم جامعات عديدة برامج تطوير مهني مخصصة لطلاب الدراسات العُليا، أو أعضاء زمالة مرحلة ما بعد الدكتوراة، أو أعضاء هيئة التدريس، لتحسين ممارسات التدريس وتقنياته داخل قاعات التدريس، أو المختبرات، أو خارجها .  وليس العمل على تطوير هذه المهارات من السابق لأوانه أبدًا، ولا يفوت الوقت أبدًا لتعلّمها، فالكثير منها يمكن استخدامه بمعزل عن قاعات التدريس أيضًا، مثل استخدامها في تقديم المشورة للطلاب الذين يُجْرُون أبحاثًا، أو يقدمون طرحًا شفهيًّا.

أَعِدُّا المادة التي ستدرسونها بعناية، بحيث يتسم محتوى الدرس وتسلسله بالإيجاز، والترابط، والملاءمة لطبيعة المستمع. وصحيحٌ أنَّ إعداد الدرس يستغرق وقتًا، لكنْ من خلال الاهتمام به سيمكنكم تطوير أفكارٍ جديدة في الوقت نفسه بخصوص تقديم أبحاثكم الشخصية (سواء بالطرق الشفهية، أم المكتوبة، أم المرئية) لغير المتخصصين، وبذلك يتسع نطاق انتشارها.

 

أسعى إلى الحصول على مهنةٍ في الدوائر الأكاديمية، وأَعِي الضغوط المتزايدة بلا آخِر، التي تواجه الباحثين لنشر أبحاثهم في دورياتٍ مميزة، والحصول على تمويل، وتقديم أبحاثهم في المؤتمرات. ويحتل التدريس عادةً مرتبةً دُنيا في قائمة الأولويات هذه. لذا.. أشعر أنَّ الأوساط العلمية بحاجةٍ إلى إعادة التفكير في المكانة التي تُولِيها للتدريس.

وينبغي ألا يُنظَر إلى التدريس الجامعي في الأوساط الأكاديمية بوصفه عبئًا، بل ينبغي اعتباره مهارةً تستحق التطوير، ومسؤوليةً يجب أخْذهاعلى محمل الجد.. فالتدريس لايُقلِّل الإنتاجية البحثية بالضرورة، بل يُمكن أن يُعزِّزها بدرجة كبيرة، إذاسمحنا له بذلك.

سارة إيه. جاجليانو تاليون عضوة زمالة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في مجال الإحصائيات البيولوجية بجامعة ميشيجان في مدينة آن آربور.