أنباء وآراء

تطور: أمهات الضفادع تؤثر بقوة على سلوك نسلها

اكتُشف مؤخرًا أن الأمهات في أحد أنواع الضفادع تؤثر على سلوك نسلها؛ إذ تؤثر على تفضيلات التزاوج بين الإناث، والسلوك العدواني بين الذكور. وربما تؤدي مثل تلك السلوكيات إلى تكوين أنواع جديدة.

ماختيلد فيرزجدين

  • Published online:

تُعَد قدرة أي نوع من الكائنات الحية على الحفاظ على أنواع مختلفة من أفراده ضمن مجموعة ما – وهي ظاهرة تُعرف باسم «تعدد الأشكال» – من الأمور المثيرة للاهتمام؛ وذلك لأن الأشكال الأكثر ندرة لا بد أن تتمتع ببعض المزايا التي تؤدي إلى انتخابها طبيعيًّا؛ لكي يسنح لها البقاء. ونشوء التنوُّع لدى نوع ما من خلال ظاهرة«تعدد الأشكال» يمكن أن يشكل خطوة إلى الأمام، نحو ما يُسمَّى بـ«الشكل التطوري للأنواع»، أي (تكوين نوع جديد). وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، كشفتيانج وزملاؤها1[KA1]عن آلية مدهشة تؤثر على الحفاظ على تعدد الأشكال اللونيلدى ضفدع الفراولة السام (Oophaga pumilio). وتنطوي نتائج الدراسة على دلالات لها أثرها في فهْمنا للتطور.

يعيش ضفدع الفراولة السام (الشكل 1) في أمريكا الوسطى، وتتمتع ضفادع هذا النوع بألوان بشرة عديدة، تتباين فيما بينها تبايُنًا كبيرًا. وتُعَد ألوانها الزاهية بمثابة علامة تحذِّر الحيوانات المفترسة من أن تلك الضفادع سامة. كذلك تلعب تلك الألوان دورًا مهمًّا آخر، يتجلى في كون الإناث تميل بقوة إلى ألوان محددة في الذكور عند اختيار رفيق التزاوج2. ومن الجدير بالذكر أنه في أي نوع من الأنواع يُلاحَظ أنّ تفضيل الإناث للتزاوج مع نوع معين من الذكور يحفز عادة زيادة انتشار نمط تعدد الشكل الأكثر شعبية في أوساط الإناث (مثل لون الذكور). وعليه، فربما لا يكون انتخاب ألوان محددة - كنتيجة لتفضيلات التزاوج لدى الإناث - كافيًا لتفسير سبب بقاء تعدد الأشكال اللوني لدى ذلك النوع من الضفادع؛ (O. pumilio).

الشكل 1: ضفدع الفراولة السام Oophaga pumilio: كشفت يانج وزملاؤها عن عملية تعلُّم تُسمَّى «التطبُّع»، تحدث لدى ذلك النوع، حيث تتأثر سلوكيات نسل ذلك النوع بلون الأم. ويحدث التطبُّع خلال فترة الرعاية الأبوية للذُّرية الناشئة. ومن بين الأمثلة على رعاية الأم: نقل الشراغف على ظهور الأمّهات، كما هو موضح في هذه الصورة من كوستاريكا.

  الشكل 1: ضفدع الفراولة السام Oophaga pumilio: كشفت يانج وزملاؤها عن عملية تعلُّم تُسمَّى «التطبُّع»، تحدث لدى ذلك النوع، حيث تتأثر سلوكيات نسل ذلك النوع بلون الأم. ويحدث التطبُّع خلال فترة الرعاية الأبوية للذُّرية الناشئة. ومن بين الأمثلة على رعاية الأم: نقل الشراغف على ظهور الأمّهات، كما هو موضح في هذه الصورة من كوستاريكا.

KONRAD WOTHE/MINDEN PICTURES/FLPA

ويمكن لتعدد الأشكال، الذي يستمر على مدار أجيال عديدة، أن يمثل طريقة نحو تشكيل نوع منفصل، وذلك إذا اختار الذكور والإناث التزاوج فقط مع أفراد من النوع الخاص بهم. ومع ذلك، فثمة مشكلة تؤثر على احتمالات نشوء تلك العزلة التناسلية؛ ألا وهي نمط عملية الوراثة المشتركة للجينات التي تؤثر على تفضيلات التزاوج، والجينات المسؤولة عن إظهار السمة المفضلة، إذ تحْدُث عملية لترتيب الجينات، يُطلَق عليها «إعادة التركيب الجيني»، عندما تتشكل خلايا البويضات والحيوانات المنوية، وينتج عن ذلك أنْ يصبح لدى كل خلية من خلايا البويضات والحيوانات المنوية مزيج فريد من النسخ الأبوية للجينات. ويمكن أن تؤدي عملية «إعادة التركيب الجيني» إلى إحداث اضطراب في عملية الوراثة المشتركة لنسخ الجينات التي تؤثر على تفضيلات التزاوج، وتلك التي تؤثر على السمة المفضلة3، وبالتالي تؤثر على احتمالية نجاح التوريث المشترك للجينات التي تؤدي إلى ظهور تفضيلات التزاوُج، والسمة المفضلة.

ومن بين الآليات التي يمكن أن تعزز احتمالية الوراثة المشتركة لتفضيلات التزاوُج، والسمة المفضلة معًا هي أن يتعلم الأفراد تفضيل التزاوج مع أفراد يشبهون آباءهم؛ لأن نسل هؤلاء الأفراد قد يرث تفضيلات التزاوج والسمات المفضلة لآبائهم. ويمكن أن ينشأ سلوك التزاوج هذا من خلال عملية تُسمَّى «التطبُّع الجنسي»، التي يتعلم فيها النسل الصغير التعرف على الآباء خلال فترة الرعاية الأبوية، واستخدام تلك المعلومات المستفادة فيما بعد لاختيار رفيق تزاوُج مشابه للآباء.

وتشيع عملية التطبُّع الجنسي في أنواع الطيور، وكذلك في بعض أنواع الثدييات، والأسماك. وتوفر تلك العملية وسيلة لمنع عملية «إعادة التركيب الجيني» من كسر الاقتران بين تفضيلات التزاوج، وجينات السمة المفضلة4. ويمكن أن تؤدي عملية التطبُّع إلى إسراع الدخول في حالة العزلة التناسلية، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث الشكل التطوري للأنواع. ولتحديد العوامل التي تحكم نشوء صور عديدة من تعدد الشكل اللوني في ضفدع الفراولة السام، تقصّت يانج وزملاؤها ما إذا كان التطبُّع يحدث في ذلك النوع، أم لا، وهو سلوك لم يُعْلَم مسبقًا بوجوده في أوساط البرمائيات.

تضع إناث ضفدع الفراولة السام بيضها على اليابسة، على ورقة مغطاة بأوراق شجر أخرى، حيث يخصبها الذكر. ويحرص الذكر خلال الأسبوع التالي للتخصيب على بقاء البويضات رطبة. وبعدما يفقس البيض، تتولى الأنثى عملية الرعاية الأبوية، إذ تحمل الأم كل شرغوف من النسل على ظهرها (الشكل 1) إلى نبتة البروميلية المعبأة بالماء، ثم تعود لتغذية الشرغوف ببيضها غير المُخصَّب؛ حتى يصل إلى مرحلة النضج الجنسي.

وقد درس المؤلفون ثلاثة أنواع من الألوان في ضفدع الفراولة السام، وأَجْروا تجارب مختبرية شملت ثلاثة سيناريوهات: شراغف ترَبّت على أيدي أبويها البيولوجيين، اللذين كانا يتمتعان باللون نفسه، أو شراغف تربّت على أيدي أبويها البيولوجيين اللذين كانا يتمتعان بألوان مختلفة، أو شراغف تربّت تحت رعاية ضفادع حاضنة، لم تكن بلون آباء تلك الشراغف. وفي تلك السيناريوهات الثلاثة جميعها، عندما وصلت الشراغف الإناث إلى مرحلة البلوغ، فضّلت الإناث من النسل التزاوج مع ذكور من لون الأم نفسه التي قامت بتربيتها.

وقد أوضحت يانج وزملاؤها أن الذكور من النسل أظهرت سلوك التطبّع الجنسي نفسه. ولفَرْض سيطرتها على منطقتها، وجهت تلك الضفادع عدوانها تجاه ذكور من لون الأم التي ربّتها. وباستخدام عمليات محاكاة، بيَّن المؤلفون أن تأثير التطبُّع الجنسي على سلوك الذكور والإناث - على امتداد العديد من الأجيال - له آثار معاكسة على صلاحية الضفدع الذي يحمل لون أمه في المجموعة للبقاء، وبالتالي على مدى انتشاره. فإذا كان الذكر يحمل اللون نفسه الذي تحمله أم الأنثى، فإن احتمال حدوث تزاوج بين تلك الأنثى وذلك الذكر يرتفع. ومع ذلك.. فعندما يصبح ذلك اللون هو الأكثر شيوعًا في المجموعة، فإن هذه الذكور تواجه ضريبة بقاء، من خلال التعرض لعدوان تنافسي من ذكور أخرى من اللون نفسه. ويمكن أن يُفَسِّر هذا العدوان كيف يمكن أن يستمر لون نادر بديل في البقاء في مجموعة ما؛ لأن ذكور ذلك اللون النادر سوف تبذل جهدًا أقل، وتقضي وقتًا أقصر في الدفاع عن منطقة سيطرتها، إذا ما قورنت بذكور اللون الشائع. ويُفترض أن تلك الذكور سوف تنفق جهدها ووقتها على جذب الإناث، وهو ما يعزز فرصها في التزاوج. ويمكن أن تساعد «ميزة الذكر النادر» تلك في الحفاظ على أشكال متعددة ذات سمة معينة في مجموعة 5ما.

وقد أغفلت يانج وزملاؤها في بحثهم دور أحد العوامل، ألا وهو دور الانتخاب الطبيعي الذي يترتب على الألوان الزاهية للضفادع، إذ قد تتعرض تلك الضفادع للاستهداف من جانب مجموعة متنوعة من الحيوانات المفترسة. فالكائنات المفترسة تتعلم عادة التعرف على أنماط معينة من الألوان، والربط بينها وبين السمية؛ من خلال خوضها لتجربة خاصة مع فريسة سامة. وبالتالي، فإن التباين في مثل تلك الألوان يمكن أن يحدّ من قدرة لون معين على العمل كعلامة تحذيرية؛ لأن الكائنات المفترسة سوف تحتاج إلى تعلُّم كيفية التعرف على كل لون تحذيري مختلف6. لذلك.. من المرجح أن يعزز الافتراس من انتخاب اللون الأكثر شيوعًا. ورغم ذلك.. فإن أشكالًا عديدة من هذه الضفادع تتسم بالقَدْر نفسه من السمية والوضوح بالنسبة إلى مفترسيها7. وتوجد فرضية8، مفادها أنه عندما تكون المجموعات الحيوانية سامة وواضحة بما فيه الكفاية، ستكون الكائنات المفترسة قادرة على تكوين فكرة عامة عن تلك الألوان الزاهية، والتعرف عليها بوصفها سامة. وعندئذ يكون الطريق مفتوحًا أمام الانتخاب الجنسي، بحيث يتم تحفيز تطوُّر ألوان زاهية أخرى.

ومن المثير للاهتمام أن كلًّا من الانتخاب الطبيعي، والانتخاب الجنسي يتأثران بالتعلم لدى مختلف الأفراد المتفاعلة؛ أي الضفادع والحيوانات المفترسة. وربما تدرس التجارب المستقبلية إلى أيّ مدى يكون للحيوانات المفترسة دور في التأثير على انتشار ألوان الضفادع المختلفة.

والآليات التي كشفت يانج وزملاؤها عن تأثيرها في مجموعات ضفادع الفراولة السامة أظهرت الطريقة المعقدة التي يؤثر بها الانتخاب الطبيعي، والجنسي على العمليات التي قد تؤدي إلى ظهور نوع جديد، كما تشير تلك الآليات إلى أنه ليس بالضرورة أن يُنظر إلى أيٍّ من العمليتين بشكل منفصل9. وفي هذا النوع من الضفادع، يربط التطبُّع بشكل وثيق بين تفضيلات التزاوج لدى الإناث، والتفاعلات بين الذكور، وهو ما يضمن أن يرتبط انتشار سلوكيات التطبُّع هذه - بشكل وثيق للغاية - بتكرار شكل لوني أبوي بعينه في المجموعة. وقد أظهرت البحوث السابقة أن التطبُّع الجنسي يميل إلى توجيه المجموعة إلى العزلة التناسلية4. وتوضح الأدلة التي حصلت عليها يانج وزملاؤها مؤخرًا كيف يمكن للتطبُّع أن يؤثر أيضًا على العدوان داخل الجنس الواحد، وكيف يمكن أن يساعد في الحفاظ على تعدد الأشكال، وبالتالي تعزيز الظروف المواتية لظهور أنواع جديدة.

References

  1. 1. Yang, Y., Servedio, M. R. & Richards-Zawacki, C. L. Nature 574, 99–102 (2019). | article

  2. Reynolds, R. G. & Fitzpatrick, B. M. Evolution 61, 2253–2259 (2007).| article
  3. Felsenstein, J. Evolution 35, 124–138 (1981).| article
  4. Verzijden, M. N. et al. Trends Ecol. Evol. 27, 511–519 (2012).| article
  5. Tinghitella, R. M. et al. Behav. Ecol. 29, 783–797 (2018).| article
  6. Mappes, J., Marples, N. & Endler, J. A. Trends Ecol. Evol. 20, 598–603 (2005). | article
  7. Maan, M. E. & Cummings, M. E. Am. Nat. 179, E1–E14 (2012).| article
  8. Cummings, M. E. & Crothers, L. R. Evol. Ecol. 27, 693–710 (2013).| article
  9. Maan, M. E. & Seehausen, O. Ecol. Lett. 14, 591–602 (2011). | article

 ماختيلد فيرزجدين تعمل بقسم العلوم البيولوجية بجامعة آرهوس، 8000 آرهوس سي، الدنمارك.

البريد الإلكتروني: machteldverzijden@bios.au.dk