افتتاحيات

أهمية الاستفادة من دروس الماضي في البحث العلمي

لا بد أن نتعلم من دروس الماضي، لكي نمضي قدمًا في المسار الحاضر للبحث العلمي.

  • Published online:

إذا قمتَ بإحصاء السنوات الفاصلة بين أحدث الأوراق البحثية وأقدمها في العديد من قوائم الاستشهاد البحثي، فستدرك أن الباحثين قلّما يتمتعون بالحافز للرجوع إلى أحداث الماضي البعيد. وهذه مشكلة، فالبحث العلمي ليس مجرد إضافة لبنة جديدة إلى آخِر ما توصل إليه العلم، أو استبدال اكتشاف جديد بآخِر ما بلغه هذا العلم، بل هو ثمرة جهود، ويشكل الأفراد، والأماكن، والمجتمعات. ولكي نتناول هذا الموضوع بحكمة، لا بد من التحلي ببُعد النظر.

السبب في ذلك أنه على الرغم من أن التاريخ قد لا يعيد نفسه، فإنه - في كثير من الأحيان - ينتهي إلى النهايات نفسها، فعلى سبيل المثال، فكِّر في تزايد النزعات القومية، الذي يحدث عقب انهيار الأنظمة المالية، أو تأمل المراحل الدورية المتوقعة من التخوُّف والغطرسة، التي صاحبت ظهور التقنيات الجديدة؛ بداية من المبيدات الحشرية، ومرورًا بالمواد البلاستيكية، والذكاء الاصطناعي، ووصولًا إلى تقنيات التحرير الجيني، والسيارات ذاتية القيادة. وتذكر أن نظرية التطوُّر هي التي مهدت لظهور علم تحسين النسل البشري، وأن الفيزياء الذرية أدت إلى قصف هيروشيما وناجازاكي، وأدى تعلم الآلة إلى هز كيان الدول الديمقراطية.

وبعبارة أخرى.. نحن نتجاهل أخطاءنا السابقة، مُعرِّضِين أنفسنا للخطر.

وعليه، فبدايةً من الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر عام 2019، دعت دورية Nature قراءها إلى رحلة، عبر سلسلة من المقالات، برفقة كبار مؤرخي العلوم أثناء استكشافهم للكيفية التي أدى بها القرن ونصف القرن المنصرمين إلى تشكيل بعض من الملامح البارزة للمنظومة العلمية الحالية.

وفي هذه الرحلة، استعرضت سلسلة من المقالات - آخرها سيكون في العدد الخاص باحتفال دوريةNature  بالذكرى السنوية الـ150 لتأسيسها في السابع من شهر نوفمبر القادم - زيادة التمويل الحكومي والعسكري للأبحاث، وازدهار التنمية والأبحاث في مجال الصناعة، وكل من مجالي البيانات، وأخلاقيات الأبحاث، وصعود الصين كقوى عالمية عظمى. كما طرحت تلك المقالات تأملًا للتغييرات التي تطرأ على نظرتنا لعالَمنا وأنفسنا، نتيجة ما نتوصل إليه من اكتشافات.

وقد طُرح السؤال نفسه على كل مؤلف من مؤلفي المقالات، وهو: "كيف انتقلنا مما كنا عليه في عام 1869 – وهو العام الذي صدرت فيه دورية Nature لأول مرة – إلى ما نحن عليه الآن في عام 2019؟". فعلى الرغم من تنوُّع المواد المنشورة على مدى مختلف القارات والتخصصات، مرورًا بالريبوسومات والثورات، وبدءًا من طاقة البخار، وصولًا إلى النجوم، فإن جميعها يفيد بشيء واحد، ألا وهو أن الاكتشافات العلمية دائمًا ما يكون لها طابع سياسي.

يتناول ديفيد كايزر - بإيجاز - في مقاله الافتتاحي الذي يتحدث عن نظام التمويل المتعارف عليه اليوم فكرةَ أن القوى قد سَيَّرت العِلْم، وسُيِّرَت به. وافتراضنا بأن الحكومات ستخذل شعبها، وتَحْكُم على مستقبلها بالفشل إذا تقاعست عن تقديم التمويل الكافي للبحث العلمي، ينشأ من جذور تعود إلى بناء إمبراطورية أواخر القرن التاسع عشر، وتعقيدات حروب القرن العشرين. فالدفعات التمويلية القومية الكبيرة، والاستراتيجية من النقود هي التي بَنَت الصروح الهائلة من الجامعات، والأكاديميات، والمعاهد، كما أدت إلى كل الثمار الناتجة عنها، التي نعتبرها من المسَلّمات.

وبالطبع، فإنّ الممولين هم مَن يتحكمون في زمام الأمور، إذ غيروا مسار البحث العلمي لعقود أو أكثر من الزمن. وستشرح سابينا ليونيلي في عدد مقبل من الدورية كيف دَبّ الانتعاش في علم المناخ – وفي فكرة علم البيانات في حد ذاتها – نتيجة الاستثمارات الكثيفة التي ضخّتها الإمبراطورية النمساوية المَجَرِيّة مترامية الأطراف في منتصف القرن التاسع عشر لتمويل علم الأرصاد الجوية؛ بهدف التوصل إلى نظرية موحدة، لا يمكن أن تتوفر إلا عبر نظام طقس مشترك.

وقد تطوَّر علم الزلازل أيضًا، ليؤكد نظرية الصفائح التكتونية. ويرجع الفضل في ذلك إلى المخاوف التي سادت في الحرب الباردة من وجود تجارب نووية سِرِّية. وتروي شيلين فو كيف أن الاستثمارات المتكررة التي ضَخّتها الحكومة الصينية في علم الزراعة "أنقذت" البلاد من كوارث عديدة في منتصف القرن العشرين، في حين يستحضر بول لوسييه قصة احتضان شركات الصناعات الكيميائية، وشركات الاتصالات الأولى للفائزين بجوائز نوبل، ويتساءل عمّا إذا كانت شركة «فيسبوك»، أو «جوجل» ستفعل بالمِثْل، أم لا؟

كان بإمكاننا اختيار كثير من العناصر الأخرى التي مثلت علامة فارقة في مسيرة العلوم؛ مثل الجامعات، أو الدوريات العلمية، أو المختبرات، أو الأوراق البحثية، أو عمليات مراجعة الأقران، أو المعايير العلمية، أو براءات الاختراع، والتخصصات المختلفة، وعمليات الرصد، والاستقصاء، والتجريب، والمعرفة، لكنّ قصص نشأة الكثير من هذه العناصر تمتد لأكثر من 150 عامًا مضت بكثير.

ومما لا شك فيه أن خياراتنا تُعَدّ فريدة، ومحل جدال على حد سواء، ولكننا نود أن نعرف ما الذي كنتَ ستختاره أنت؟ ولكننا نرى أن خياراتنا تحمل درسًا مهمًّا؛ ألا وهو أنه لكي نفهم أنفسنا، وحاضرنا، والتحديات التي تواجهنا، والخيارات المتاحة أمامنا، والمَخاطر التي قد نواجهها، ولكي نخطط كيف نمضي قدمًا بحس من المسؤولية، لا بد للعلم أن يعي جذوره، وما المشكلات والحلول التي واجهته سابقًا، وما الأخطاء التي يجب عليه تداركها، وعدم تكرارها.