رؤية كونية

دربوا الطلاب على مواجهة الإشكاليات الأخلاقية 

تقول ماري إيه. ألين إنَّ وضع بروتوكول يمكن أن يساعد الطلاب على خوض المحادثات الصعبة الضرورية للالتزام بالسلوك البحثي المسؤول.

ماري إيه. ألين

  • Published online:

UNIVERSITY OF COLORADO BOULDER

"إمّا أن هذا إهمال، أو سوء تصرف، وفي كلتا الحالتين لا أعتقد أنَّني أريد البقاء في مختبرٍ كهذا". شعرتُ بخوف شديد وأنا أتفوّه بهذه الكلمات للمشرف الأول على إرشادي في دراساتي العليا في نوڤمبر عام 2004. كان أفراد المختبر قد اكتشفوا بياناتٍ مريبة في مقترحات المنح. ونتيجة لذلك شعرتُ بتوتر يصعب التعامل معه. وبعد مرور شهر، قصد اثنان من الزملاء رئيس قسمنا، وبدأ التحقيق في المسألة. وفي ظاهر الأمر، بدا قرار إجراء هذه المحادثة الصعبة جزءًا صغيرًا من محنةٍ مرهقة ألمت بعددٍ كبير من الأشخاص. وفي النهاية، أُغلق مختبرنا، وتبيَّن أنَّ الباحث الرئيس زيَّف بياناتٍ متعلقة بطلبات المنح.

في رأيي الشخصي، كانت هذه المحادثة نتيجةً لواحدة من أهم الخطوات التي اتخذتها بحياتي؛ وهي اتخاذ قرار بخوض محادثةٍ صعبة حينما تكون هناك حاجة إلى إجراء تغيير. ولهذا.. ابتكرتُ طريقةً لمساعدة الآخرين على فعل الأمر ذاته.

والآن، أعمل باحثةً رئيسة، إذ أشارك في إدارة أحد المختبرات. ويتضمن موقعنا على الإنترنت خريطةً مسلية تشبه خرائط روايات المؤلف الشهير جون تولكين، مؤلف سلسلة «سيد الخواتم» The Lord Of The Rings. تتضمن الخريطة قسم "جزيرة تعديل الحمض النووي الريبي"، "وبرج العاج"، "وبحر البيانات"، بالإضافة إلى خط السير في مشوار مهني يمر بمستنقعٍ أخلاقي. ويسأل الكثيرون عن سبب وجود هذا المستنقع بين هذه الألعاب اللفظية، والنكات التي لن يفهمها سوى المتخصصين في المجال، لكنَّني أسأل بدوري: ولمَ لا؟ فقد مَرّ كل مَن أعرفهم من العلماء تقريبًا بمعضلةٍ أخلاقية واحدة على الأقل في مسيراتهم المهنية.

ولسبب يعود في جزء منه إلى تجربتي السابقة، أُدرِّس دورات السلوك البحثي المسؤول (RCR)، التي يحتاج كثيرٌ من المتدربين الذين يتلقون تمويلًا حكوميًّا إنهاءها. ومعظم الموضوعات المقررة، مثل المسؤولية في التأليف والنشر، يركز على الامتثال للقواعد واتباعها. وهذا ضروري بالفعل، لكنَّه غير كافٍ، إذ ينبغي للباحث المسؤول أن يستطيع التعامل مع الخلافات والمواقف الصعبة.

وفي أثناء تدريسي لتلك الدورات، لاحظتُ مرارًا أنَّ أصعب التجارب التي يواجهها طلابي تتضمن الحاجة إلى خوض محادثاتٍ صعبة. حَكَت مثلًا طالبةٌ ما كيف أنه تم استبعادها من قائمة مؤلفي ورقةٍ بحثية، ترى أنَّها أنجزت معظم العمل فيها، ولكنْ مع ذلك.. منعها الخوف من مناقشة هذا مع الباحث الرئيس. وهناك طالبٌ آخر كان يشك في أنَّ واحدًا من زملائه الباحثين قد سرق فكرته.

لذا.. بمساعدة مكتب التحقيق في الشكاوى، التابع لجامعة كولورادو بولدر (حيث يصل في النهاية كثيرٌ من هذه القضايا)، أضفتُ دورةً عن المهارات الضرورية لإجراء المحادثات إلى منهجنا؛ لتُدرَّس مع المادة المقررة. وتُعَد هذه الدورة شائعةً في عالَم الإدارة والشركات، لكنَّها نادرًا ما تتوفَّر للباحثين العلميين. ولإدراكي أنَّ العلماء معتادون على اتباع البروتوكولات، طورتُ بروتوكولًا لخوض المحادثات الصعبة. (ما أُدرِّسه مبنِيٌّ على تجربتي، وكتيب يُعِدّه مكتب التحقيق في الشكاوى. وسيكون البروتوكول واحدًا من عدة مصادر عن مهارات المحادثة التي قد ينشدها العلماء).

المرحلة الأولى: هي تقييم الموقف المزعج الذي تواجهه. وأقترح تقسيم هذه المرحلة إلى أربعة جوانب: المعرفة، والمشاعر، والوقت المستنفَد (في العمل على الموقف، والتفكير فيه)، والخطورة (الشخصية والمهنية). ضع تقديرًا لكل جانب من الجوانب الأربعة، وليكن – مثلًا – عاليًا، أو منخفضًا، فإذا شعرتَ بأنَّ معرفتك عن الموقف قليلة، اعرفْ أكثر، قبل أن تتقدم إلى الجانب التالي. افترِضْ في الآخرين الجهل، قبل سوء النية. وإنْ كان تقديرك لعواطفك ومشاعرك مرتفعًا، أو تعتقد بوجود خطورةٍ كبيرة، فقد يُضْعِف هذا قدرتك على التفكير المنطقي بشأن المسألة، وكلما زادت قوة هذه المشاعر؛ زادت حاجتك إلى تنفيذ تلك الخطوات بمنهجية.

المرحلة الثانية: هي تقييم خياراتك. فإذا كنتَ تعتقد أنَّ الباحث الرئيس يطلب منك الكثير، يمكنك أن تطلب تعيين مساعدٍ من الطلاب، أو تمرير مشروعٍ إلى شخصٍ آخر، أو إلغاء مشروعٍ ما تمامًا. وإذا توقف تعاونٌ ما، فقد تكون خياراتك هي تجاهُل المشكلة، أو التحدُّث مع مَن تتعاون معه بشأن استئناف وتيرة العمل، أو إنهاء التعاون. فحين كنتُ أُعاني في مختبري، كان بإمكاني تجاهُل الموقف، أو ترك العمل بالمختبر، أو مواجهة الباحث الرئيس.

وقد يكون من المفيد للغاية في تلك المرحلة استشارة طرفٍ خارجي؛ لوضع وجهات النظر الأخرى في الاعتبار. وإذا كان حرم جامعتك يضم مكتب تحقيق في الشكاوى، فقد يوفر لك استشارةً سرية، كطرفٍ ثالث؛ وكذلك قد يساعدك برنامج الدعم في معهد الدراسات العليا أو الكلية التي تعمل بها. وربما تجعلك وجهات النظر هذه تُكرر المرحلة الأولى، أو تضيف خياراتٍ جديدة. وبمجرد تحديد الخيارات المتاحة، رتب كل منها وفقًا لقِيَمك الشخصية.

لا ينبغي لك الانتقال إلى المرحلة الثالثة، إلا بعد تكرار المرحلتين؛ الأولى، والثانية. ابدأ حينها بالاستعداد: اجمع المواد والحقائق التي قد تحتاجها، ومنها الأمثلة المحددة على الموقف. بعد ذلك.. تدرَّبْ على المحادثة أمام مرآةٍ، أو مع شخصٍ آخر. وفي أثناء المحادثة، احتفظ بهدوئك، وأنصِتْ، وفكِّرْ في دعوة شخصٍ ثالث إلى المحادثة الحقيقية، إذا كنتَ تخشى ألَّا تحتفظ برصانتك. وبعد المحادثة، خصِّصْ وقتًًا لنفسك؛ لتلخيص ما حدث، وتنفيس الضغط.

المحادثات الصعبة قد تكون تجربةً شاقة ومرهقة، لكنّها يمكن أن تحسِّن موقفك، أو تساعدك على الخروج من موقفٍ سيئ. وبعض الأدلة يشير أيضًا إلى أنَّ المحادثات البسيطة غير التصادمية حول السلوك الملائم مع شخصٍ يتبع ممارساتٍ مشبوهة في أبحاثه العلمية يمكن أن تقضي على سوء السلوك في مراحله المبكرة. ويمكن أيضًا أن تساعد على تجنُّب المشكلات المتعلقة بوضع الأبحاث، وفي توضيح أوجه التعاون، وحل مشكلات عملية إرشاد الباحث.

حين نتفادى المحادثات الصعبة، يتباطأ تقدُّم أبحاثنا العلمية، وتتأذى صحتنا، وبيئة عملنا. لذا.. فإنَّ مهارات التواصل ضرورية لجودة البحث العلمي، بقدر ما تُعَد الإحصائيات والآلية التجريبية مهمة له.

كان أصعب محادثاتي قبل 15 عامًا، وما زلتُ أشعر بالألم حين أتذكرها، لكنَّني أعرف أيضًا أنَّ كثيرًا من السرور الذي أشعر به في أبحاثي العلمية - منذ ذلك الحين - سببه هو أنَّه حين قابلتني مشكلةٌ، وجدتُ طريقةً لمواجهتها.

ماري إيه. ألين أستاذة مساعدة في البحث العلمي، ومنسِّقة لأنشطة السلوك البحثي المسؤول بجامعة كولورادو بولدر.