صندوق الأدوات

التصميم الجيني يدخل عصر الميكنة

أدوات تصميم الدوائر الجينية بمساعدة الحاسوب تدفع الأحياء التخليقية إلى الأمام.

آنا نووجرودزكي

  • Published online:

LLUSTRATION BY THE PROJECT TWINS

يتكون هاتفك الذكي وحاسوبك المحمول من دوائر إلكترونية. أما الدوائر الجينية، المُصمَّمة على غرار تلك الإلكترونية، فهي تتألف من تراكيب من العناصر الجينية، صممها البشر، وتتفاعل لإنتاج واحدٍ أو أكثر من البروتينات أو جزيئات الحمض النووي الريبي؛ للاستجابة لمثيرٍ معين، مثل المواد السامة. وتحت الظروف الملائمة، يمكن تحفيز الدائرة لإنتاج "البروتين أ، الذي يتفاعل بعد ذلك مع البروتين ب؛ ليُنتِج البروتين ج"، حسبما يقول ديفيد ريجلار، وهو عالِم متخصص في الأحياء التخليقية بكلية هارفارد للطب في بوسطن بولاية ماساتشوستس. لكن حتى عشر سنوات مضت، أو نحو ذلك، كان هذان النوعان من الدوائر يُصمَّمان بطرقٍ مختلفة للغاية.

يصمِّم مهندسو الإلكترونيات الدوائر الإلكترونية باستخدام أدوات تصميم بمساعدة الحاسوب، تعمل آليًّا، وتُعرف اختصارًا باسم أدوات «الكاد» CAD. وعلى النقيض من ذلك، كان المهندسون الوراثيون يضطرون لتصميم الدوائر البيولوجية يدويًّا، واحدةً تلو الأخرى، وهي عملية شاقة، وتكرارية، وعرضة للخطأ، لكنّ أدوات التصميم الجيني المحوسبة بصدد تغيير ذلك. تُمَيْكَن تلك الأدوات العملية، التي من خلالها يصمم الباحثون دوائر جينية معقدة، يمكنها برمجة الخلايا – خاصةً خلايا البكتيريا والخمائر – لتنفيذ أعمالٍ محددة، مثل تنشيط إنزيمٍ معين، أو إنتاج كمياتٍ كبيرة من بروتينٍ بعينه سريعًا. وقد استخدم علماء الأحياء التخليقية كائناتٍ عضوية وحيدة الخلية بهذه الطريقة؛ لإنتاج عقاقير، ومجسات بيولوجية تتضمن خلايا، وأجسامًا مضادة، وإنزيمات مُعدَّة للاستخدام في مجال الصناعة، وغيرها الكثير.

في ذلك الصدد.. تقول إليزابيث ستريكالسكي، أخصائية هندسة الميكروبات بالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) في جايثرسبرج بولاية ميريلاند: "أدوات تصميم الدوائر الجينية يمكنها - إلى درجةٍ كبيرة - تعزيز سهولة استخدام أشكال التحكم بالجينات، التي تُعّد عادةً جوهر "الأحياء التخليقية"". ويستخدم فريق ستريكالسكي أداتي التصميم الجيني «تشيللو» CELLO، و«جيه 5» J5، لتطوير "أنظمة قياس حية"، حسبما تقول؛ أي خلايا يمكن أن تعمل كمجسّات، وتستجيب لبيئتها. وتضيف: "تصبح هذه الكائنات العضوية المُهندَسة وراثيًّا بعد ذلك أدواتٍ في حد ذاتها، وهو ما يتيح لأي شخصٍ سبلًا جديدة لفهم الأحياء، والتحكم فيها على المستوى الخلوي".

تمثل هذه الأدوات تحولًا جوهريًّا في كيفية تصميم الدوائر الجينية، حسبما يرى دوجلاس دينسمور، الذي يترأس مختبر بحوث التكامل متعدد التخصصات لميكنة التصاميم بجامعة بوسطن. ويوضح دينسمور أنَّه في السابق كان تصميم الدوائر الجينية - في الغالب - عمليةً تتم حسب الطلب. ونتيجةً لذلك، كان من الصعب مشاركة التصاميم، وتحسينها، وتوسيع نطاقها. ويضيف قائلًا إنه "من غير الواقعي تأسيس صناعة، اعتمادًا على أساليب تقليدية يدوية"، فبينما تُعَد تلك الأساليب "مفيدةً للغاية للأبحاث في مراحلها المبكرة"، لا يمكن توسيع نطاقها في النهاية. وهنا يبرز دور الميكنة.. فحسب قول دينسمور: "ستبدأ الميكنة في نقل عمليات التصميم من دفاتر الملاحظات إلى البرمجيات". 

ويوضح تزايد عدد أدوات تصميم الدوائر أنَّ المجال يؤيد تلك الفكرة، لكنَّ عملية تطوير برمجيات الأحياء التخليقية تتغير باستمرار. وعلى سبيل المثال.. توَّقف فجأةً تطوير أداة تسمَّى «جينيتك كونستراكتور» Genetic Constructor في أغسطس الماضي بقرارٍ من الشركة الأم، شركة «أوتوديسك ريسيرش» Autodesk Research التي تطوِّر برمجيات التصميم بمساعدة الحاسوب، ويقع مقرها في سان رافاييل بولاية كاليفورنيا، لكنْ ما زال بإمكان  الباحثين الذين يصممون كائناتٍ عضوية وحيدة الخلية استخدام بعض الأدوات مفتوحة المصدر، أو المتوفرة دون مقابل، ومنها أدوات «تشيللو»، و«جيه 5»، إلى جانب أداةٍ أخرى تُسمَّى «آيبيوسيم» iBioSim. ويمكن لهؤلاء الباحثين استخدام تلك الأدوات لصناعة جينوماتٍ كاملة من خلال الدوائر الجينية، أو يمكنهم تصميم آلاف النسخ المختلفة لدراسة تراكيب مختلفة من الجينات، أو الإنزيمات، أو نطاقات البروتينات.

ويقول أندرو هيسل، وهو متخصص في دراسة مستقبل الجينوم، ويشغل منصب المدير التنفيذي لشركة «هيوماين جينوميك» Humane Genomic في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا: "أدوات التصميم بمساعدة الحاسوب ضرورية بالتأكيد؛ لتصميم الأنظمة البيولوجية".

أدوات التصميم الجينية بمساعدة الحاسوب

دينسمور هو مَن طوَّر برنامج «تشيللو»، ولديه خلفية عن ميكنة تصميم الدوائر الإلكترونية. ويبدو هذا واضحًا من أداته، إذ يمكن للباحثين توجيه «تشيللو» لتصميم دائرة جينية بمواصفاتٍ معينة، دون الحاجة إلى إخبار البرنامج بأي شيءٍ حول كيفية تصميمها، تمامًا كما يحدث مع أدوات تصميم الدوائر الإلكترونية. وبرنامج «تشيللو» متاح في هيئة شفرة مصدرية، وكتطبيق ويب. ويمكن للمستخدمين توجيهه باستخدام لغة «فيريلوج» Verilog، وهي لغة الحاسوب نفسها، التي يستخدمها مهندسو الإلكترونيات لوصف دوائر السيليكون الخاصة بهم. ويشرح دينسمور ذلك قائلًا: "تحدِّد الوظيفة التي تريدها، وليس طريقة إنشائها". فعلى سبيل المثال.. يمكن أن يطلب المستخدمون من برنامج «تشيللو» تصميم دائرة جينية تنتِج بروتينًا عندما تستشعر وجود نوعين معينين من الأجسام المضادة. ويستنبط البرنامج بعد ذلك أيّ المكونات يجب أن تُوضع معًا لتحقيق ذلك، ويضع تسلسلات الحمض النووي المطلوبة لبناء الدائرة بشكلٍ فعلي. كما يتوقع البرنامج جودة الأداء المحتملة للدوائر المُصمَّمة من خلاله.

صمَّم دينسمور برنامج «تشيللو» بالتعاون مع مختبر عالِم الأحياء التخليقية كريستوفر فويت من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، وذلك لاستخدامه على بكتيريا «الإشريكيّة القولونية» Escherichia coli. وفي الوقت الحالي، يعمل الاثنان معًا على توسيع نطاق عمل الأداة؛ لاستخدامها مع الخمائر، على حد قول دينسمور، الذي يضيف قائلًا إنه وفويت يستخدمان برنامج «تشيللو» حاليًّا؛ لتصميم دوائر تنتِج جزيئًا صغيرًا يرسل إشارة استجابةً لوجود اثنين من الجزيئات الأخرى. كما يعمل كلا العالِمَين – على حد قول دينسمور – على إنتاج دوائر مُزوَّدة بذاكرة تعمل بطرقٍ مختلفة، استنادًا إلى الترتيب الذي تستشعر به الأهداف. 

وعلى عكس «تشيللو»، فإنَّ الأدوات الأخرى التي تعمل آليًّا، ومنها «آيبيوسيم»، و«جيه 5»، و«جينوكاد» GenoCAD لا تخرج بتنبؤاتٍ عن مدى جودة أداء الدوائر الجينية، أو ما إذا كانت سليمةً، أم لا. وتشترط جميع تلك الأدوات على المستخدِم معرفة معلوماتٍ بشأن كيفية بناء الدائرة، وإدخال تلك المعلومات.  

قواعد لغوية جينية

«جينوكاد» هي أداة تجارية، لكنْ توجد منها نسخة مفتوحة المصدر. ويوفر برنامج «جينوكاد» قواعد تحدد أي الأجزاء الوظيفية من تسلسلات الحمض النووي يمكن أن تتوافق معًا، وبهذا.. تتعامل مع التسلسلات كأنَّها أكواد برمجة. وتفسيرًا لذلك.. يقول جون بيكود، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة «جينوفاب» GenoFAB في سان فرانسيسكو، التي طورت البرنامج كأساس لمجموعةٍ أوسع من أدوات تصميم الدوائر الجينية وخدماتها: "تتسم تسلسلات الحمض النووي بالتعقيد اللغوي نفسه الذي يميز لغات البرمجة. وهناك قواعد ينبغي للناس الالتزام بها". ويضيف قائلًا: "إنَّها قواعد لغوية. وجميعها يتمثل في صيغ لتجسيد المعارف البيولوجية". وبناءً على تلك القواعد، يمكن للبرنامج ترجمة تصميم الدائرة إلى التسلسل الخاص بقطعةٍ مادية من الحمض النووي، وهذه يمكن من خلالها بناء الدائرة. وجديرٌ بالذكر أنَّ (أداة «تشيللو» مصمَّمة حسب مجموعة مماثلة من القواعد، وفقًا للغة تُسمَّى «يوجين» Eugene، طوَّرها دينسمور).

أما أداة «جيه 5»، التي طوّرها معهد الطاقة الحيوية المشترك في إمريفيل بولاية كاليفورنيا، ورُخِّص استخدامها حصريًّا لشركة «تيسيلاجين» TeselaGen في سان فرانسيسكو، فهي تتيح للباحثين تصميم الدوائر الجينية، عن طريق سَحْب عناصر التحكم الجيني، ووَضْعها في الأماكن التي يريدونها على مخطط. ويشرح دينسمور ذلك بقوله: "يمكنك وضع سلسلة من الرموز التي تقول: أريد مُحفِّزًا هنا، وأريد هنا موقعًا لربط الريبوسومات". ويمكن للمستخدمين اختيار مكوناتٍ متعددة، ربما يرغبون في اختبارها في موقعٍ معين، لاستنباط أي التراكيب تُسْفِر عن النتائج الأفضل، على سبيل المثال. ويضيف دينسمور: "ثم تستخدم قواعد لتقول: "لا تضع الجزء أ مع الجزء ب، لكنَّ الجزء ج يجب أن يكون بعد الجزء د""، ومن ثم يُحصِي البرنامج جميع التركيبات المختلفة". ويمكن للباحثين في الجامعات والمعاهد غير الهادفة إلى الربح استخدام البرنامج عن طريق حسابٍ مجاني توفره شركة «تيسيلاجين»، وتوفر الشركة أيضًا حساباتٍ تجارية.

ليست هناك حاجة إلى مهاراتٍ خاصة لاستخدام أدوات تصميم الحمض النووي التي تعمل آليًّا، لكنْ نظرًا إلى أنَّ تلك الأدوات تتطلب وصفًا دقيقًا ومفصلًا للعناصر الجينية، فإنَّ الإلمام بالبرمجة الحاسوبية يساعد بعض الشيء. ويقول هيسل: "لا أعتقد أنَّه من الصعب تعلُّم استخدام تلك الأدوات في الوقت الحالي، حتى أكثرها تطورًا.. فليس من بينها أي أداة متطورة إلى درجةٍ تجعل من الصعب الإلمام بها في غضون بضعة أيام". وحسب قول هيسل، فإنَّ الجزء الصعب يتمثل في بناء الدوائر الناتجة، وتجربتها. ويقول بيكود إنَّ بإمكانه تعليم استخدام «جينوكاد» حتى لعلماء الأحياء الجزيئية الذين ليست لديهم أي خلفية عن علوم الحاسوب، وذلك في غضون بضع ساعاتٍ فقط. 

أما الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة، فإنَّ أفضل مكان للبدء.. ربما يتمثل في مجتمع الأحياء التخليقية الأوسع، إذ يقول درو تاك، وهو متخصص في هندسة الميكروبات، ويعمل مع ستريكالسكي في المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا: "يتميز الباحثون في هذا المجال عمومًا بأنَّهم متعاونون، ومن السهل الوصول إليهم". ويضيف: "أُشجِّع أي شخصٍ يبدأ في المجال أنْ يطلب النصح والمشورة، وأنْ يستغل الكمية الهائلة من المصادر المتاحة على شبكة الإنترنت"، مثل مستودع الأكواد «جيت هاب» GitHub.  

ولكنْ ما زالت هناك حاجة إلى أدواتٍ يمكن أن يستخدمها غير الخبراء، وتتسم في الوقت ذاته بالفاعلية، وقابلية التوسع؛ لتكفي للتعامل مع ملايينٍ من الأزواج القاعدية للحمض النووي، والكثير من التصاميم. وقد كانت أداة «جينيتك كونستراكتور» تسدّ تلك الحاجة قبل إيقاف تطويرها في أغسطس، وهو القرار الذي صاحبه إلغاء فريق علوم الحياة بالكامل بشركة «أوتوديسك». وقد كان قرار الإيقاف "استراتيجيًّا داخليًّا"، حسبما أوضح إيلاي جروبان، وهو عالِم أحياء حاسوبية، كان يترأس إدارة المشروعات والاستراتيجيات في فريق علوم الحياة بشركة «أوتوديسك». ويضيف جروبان قائلًا إنه عندما أعلنت الشركة - من خلال رسائل البريد الإلكتروني - عن إيقاف طرح أداة «جينيتك كونستراكتور»، تلقّت ردودًا من مجموعاتٍ بحثية مختلفة تطالِب باستمرار طرح الأداة، إذ كانت واجهة المستخدم في الأداة مصمَّمة لتكون أكثر سهولة في الاستخدام لمجتمع علماء الأحياء الأوسع من الأدوات التي تستهدِف فقط علماء الأحياء التخليقية. وتابَع قائلًا: "ما تزال الفجوة التي استهدفت الأداة سَدّها قائمةً حتى الآن". 

وحسب قول ستريكالسكي، يزداد حاليًّا استخدام أدوات تصميم الدوائر الجينية بين علماء الأحياء التخليقية، لكنْ ببطء. ويرى جروبان أنَّ المشكلة ذات طبيعة اقتصادية، ويوضح هذا قائلًا: "يشعر المجتمع الأكاديمي بالتردد إزاء دفْع المال لشراء البرمجيات. ولا أحد يحاول دراسة الجدوى الاقتصادية للأمر"، ليكتشف أنَّه قد يكون من الأرخص إنفاق مبالغ قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات لشراء البرمجيات، بدلًا من تعيين طلاب الدراسات العليا لقضاء فترات زمنية طويلة في بناء نسخةٍ خاصة بهم، أو تصميم الدوائر بالطريقة التقليدية القديمة. 

ويقول هيسل إنَّه في الوقت الراهن: "لا يغطي عمل معظم علماء الأحياء مجالات واسعة"، لكنَّ ذلك قد يتغير قريبًا. ويوضح للطلاب أنَّهم في مسيراتهم المهنية سيعملون على نطاقٍ أوسع بكثير من عملهم الحالي في المختبر، إذ سيتولَّون إدارة روبوتات التعامل مع السوائل، وإجراء الاختبارات على عددٍ أكبر بكثير من مجموعات البيانات الخاصة بالمتغيرات الجينية. وقد تكون أدوات التصميم الجيني التي تعمل آليًّا ضرورية ومطلوبة لتحقيق ذلك.