تحقيق إخباري

نحو التغلب على مشكلة النفايات الفضائية

الأقمار الصناعية الخامدة، وشظايا الصواريخ، وحطام حوادث الاصطدام هي أجسام سابحة في الفضاء تسبب مخاطر مرورية بالغة في المدارات حول الأرض. ويعمل الباحثون على الحدِّ من التهديدات التي يفرضها أكثر من 20 ألف جسم شارد في الفضاء.

ألكسندرا ويتزي

  • Published online:

في يوم الإثنين الموافق الثاني من يوليو عام 2018، كانت المركبة الفضائية «كرايوسات-2» تدور في مدارها كما هو معتاد، على ارتفاع يزيد قليلًا على 700 كيلومتر فوق سطح الأرض. لكن في ذلك اليوم، أدرك مراقبو المهمة في وكالة الفضاء الأوروبية  ESA أنهم يواجهون مشكلة؛ فقد كانت قطعة من الحطام الفضائي تندفع بعنف خارج نطاق السيطرة باتجاه القمر الصناعي الذي تبلغ تكلفته 140 مليون يورو (ما يعادل 162 مليون دولار أمريكي)، والمخصَّص لمراقبة الجليد على سطح الأرض.

ومع تعقّب المهندسين لمسارَ الجسمين، أخذت احتمالات حدوث الاصطدام تتزايد رويدًا رويدًا، وهو ما أجبر مراقبي المهمة على التصرف. وفي التاسع من يوليو 2018، لجأت وكالة الفضاء الأوروبية إلى تشغيل محرِّكات الدفع في «كرايوسات-2» كي تدفع المركبة إلى مدارٍ أعلى. وبعدها بخمسين دقيقة فقط، مرَّ الحطامُ متجاوزًا المركبة بسرعة صاروخية بلغت 4.1 كيلومتر في الثانية.

تزداد وتيرة ذلك النوع من المناورات بمعدلات عالية عامًا بعد عام، إذ يشهد الفضاء المحيط بالأرض ازدحامًا متزايدًا. ففي عام 2017، أطلقت شركات تجارية، وجهات عسكرية ومدنية، وبعض الهواة أكثر من 400 قمر صناعي إلى مدارات في الفضاء، وهو عدد يزيد بأكثر من أربعة أضعاف  المتوسط السنوي في الفترة بين 2000 و2010. ويمكن أن ترتفع هذه الأعداد بصورة أكثر حدةً إذا مضت شركات مثل «بوينج»، و«وان ويب»، و«سبيس إكس»، قُدمًا في خططها لإطلاق أعداد تتراوح بين مئات وآلاف من الأقمار الصناعية المخصصة للاتصالات في الفضاء على مدار السنوات القليلة المقبلة. وإذا أُطلقت كل هذه "المجموعات الضخمة" المقترحة إلى الفضاء، فإن عددها سوف يعادل تقريبًا عدد الأقمار الصناعية التي أطلقتها البشرية كلها على مر تاريخ الرحلات الفضائية.

يمكن أن يؤدِّي كل ذلك الازدحام إلى كارثة. ففي عام 2009، اصطدم قمر صناعي تِجاري أمريكي تابع لشركة إيريديوم بقمر اتصالات روسي خامل يسمى «كوزموس-2251»، وهو ما خلَّف آلاف القطع الجديدة من الشظايا الفضائية التي تشكِّل بدورها تهديدًا لغيرها من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض؛ أي المنطقة الممتدة حتى ارتفاع ألفي كيلومتر. وإجمالًا، يُوجد ما يقرب من 20 ألف جسم من صنع الإنسان يدور حول الأرض، تتنوع ما بين الأقمار الصناعية العاملة، والشظايا الصغيرة للألواح الشمسية، وصولًا إلى أجزاء الصواريخ. ولا يستطيع مشغّلو الأقمار الصناعية المناورة بها لتفادي جميع التصادمات المحتملة، لأن كل حركة تستهلك وقتًا ووقودًا كان من الممكن استخدامهما لأداء الوظيفة الرئيسية للمركبة.

يعود القلق بشأن النفايات الفضائية إلى بداية حقبة الأقمار الصناعية، لكن عدد الأجسام التي تسبح في المدار يرتفع حاليًا بمعدلات سريعة، لدرجة دفعت الباحثين حاليًا لدراسة وسائل جديدة للتصدي للمشكلة. وتسعى فرق بحثية عديدة إلى تحسين الأساليب المستخدمة لتقييم الأجسام السابحة في المدار، كي يتمكن مشغّلو الأقمار الصناعية من العمل بكفاءة أكبر في الفضاء الذي يزداد ازدحامًا أكثر فأكثر مع مرور الوقت. كذلك بدأ بعض الباحثين حاليًا في إعداد قاعدة بيانات هائلة تتضمن أفضل المعلومات الممكنة بشأن موقع كل جسم يسبح في المدار. كما يعمل باحثون آخرون على وضع تصنيفات للنفايات الفضائية، لتحديد كيفية قياس خواص الأجسام، مثل الشكل والحجم، كي يستطيع مشغّلو الأقمار الصناعية معرفة درجة خطورة الأجسام التي يمكن أن تعترض طريقهم. ويعمل العديد من الباحثين والمحققين على تحديد مدارات خاصة يمكن نقل الأقمار الصناعية إليها بعد انتهاء مهمتها، بحيث تحترقَ في الغلاف الجوي بسرعة، مما يساعد على تنظيف الفضاء.

ومن وجهة نظر كثيرين، فإن البديل لا يمكن تصوّره. فوقوع بضعة تصادمات خارجة عن السيطرة في الفضاء يمكن أن يُولّد قدرًا من الحطام يكفي لإطلاق طوفان هادر من الشظايا، مما سيجعل الفضاء القريب من الأرض غير صالح للاستخدام. وتقول كارولين فروه، الباحثة في مجال ديناميكا الفضاء بجامعة بوردو في وست لافاييت بولاية إنديانا: "إذا استمرَّت الأمور على هذا النحو، فسنصل إلى نقطة اللا عودة".

كبر الصورة

ESA Annual Space Environment Report

تلويث المدارات

بدأ القلق يساور علماء الفلك وغيرهم بشأن النفايات الفضائية منذ ستينيات القرن الماضي عندما عارضوا مشروعًا عسكريًا أمريكيًا لإطلاق ملايين الإبر النحاسية الصغيرة في مدارات حول الأرض. كان الهدف من تلك الإبر إتاحة الاتصالات اللاسلكية إذا حدث وأسفرت تجارب نووية تُجرى على ارتفاعات كبيرة عن إزالة طبقة الأيونوسفير، وهي طبقة الغلاف الجوي التي تعكس موجات الراديو على مسافات طويلة. أطلقت القوات الجوية الإبر في مدارها في الفضاء عام 1963، ونجحت في تكوين حزام عاكس. وعلى مدار الأعوام الثلاثة التالية، هَوَت معظم الإبر خارج المدار على نحو طبيعي، بيد أن القلق إزاء "تلويث" الفضاء أدى إلى إنهاء المشروع.

كان ذلك أحد الأمثلة المبكّرة على رؤية عامة الناس للفضاء بوصفه مجالًا طبيعيًا يجب الحفاظ على نظافته، كما تقول ليزا راند، وهي مؤرخة علمية في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا وزميلة الجمعية الأمريكية للتاريخ ووكالة الفضاء الأمريكية (ناسا).

منذ أن أطلق الاتحاد السوفيتي أوَّل الأقمار الصناعية، القمر «سبوتنيك» Sputnik، في عام 1957، زاد عدد الأجسام في الفضاء زيادة كبيرة حتى وصل إلى قرابة 2000 جسم في عام 1970، ونحو 7500 جسم في عام 2000، وقرابة 20 ألف جسم معروف في وقتنا الحالي. أما أكبر زيادتين في الحطام المداري فحدثت أولاهما عام 2007 عندما فجَّرت الحكومة الصينية أحد أقمارها الصناعية في تجربة صاروخية، ووقعت الثانية عام 2009 جرَّاء اصطدام القمر التابع لشركة إيريديوم بقمر الاتصالات الروسي «كوزموس». أسفرت كلتا الواقعتين عن إطلاق آلاف الشظايا الجديدة، وهما السبب وراء ما يقرب من نصف مناورات الأقمار الصناعية التي تزيد في مجملها على عشرين مناورة تجريها وكالة الفضاء الأوروبية كل عام، حسب قول هولجر كراج، رئيس مكتب الحطام الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في دارمشتات بألمانيا.

يُصدر الجيش الأمريكي يوميًا 21 تحذيرًا في المتوسط بشأن احتمالية وقوع حوادث تصادم في الفضاء. وهذه الأرقام تُحتمل زيادتها بشدة في العام 2019، عندما تبدأ القوات الجوية في تشغيل محطة رادارية جديدة ذات قدرة رصد عالية على جزيرة كواجالين الواقعة في المحيط الهادئ. ستتيح هذه المحطة للجيش الأمريكي رصد الأجسام الأصغر حجمًا من الحد الأدنى الراهن المقدَّر بعشرة سنتيمترات في المدار الأرضي المنخفض، ويمكن أن يزيد هذا من عدد الأجسام المرصودة بمعدل خمسة أضعاف.

مع ازدياد قدرتنا على رصد الأجسام الفضائية، يزداد أيضًا العدد الإجمالي للأجسام السابحة في المدار. وهذا يعني أنه ينبغي على الشركات والحكومات وغيرها من الجهات الفاعلة في الفضاء أن تتعاون بأساليب جديدة لتجنب ظهور تهديد مشترك. ومنذ العقد الأول من الألفية الجديدة، أعدَّ بعض الكيانات الدولية، مثل لجنة التنسيق المشتركة بين الوكالات بخصوص الحطام الفضائي مجموعة مبادئ توجيهية لتحقيق استدامة الفضاء. تتضمن تلك المبادئ تعطيل الأقمار الصناعية بعد انقضاء مدد التشغيل بواسطة تنفيس الوقود المتبقي أو غيره من المواد المضغوطة الأخرى التي يمكنها أن تؤدي إلى حدوث انفجارات. كذلك توصي الهيئات الحكومية الدولية بتقليل ارتفاع الأقمار الصناعية بدرجة تكفي لدخولها الغلاف الجوي لتحترق أو تتفكك خلال 25 عامًا.

لكن حتى الآن، لم يلتزم سوى ما يقرب من نصف البعثات فقط بمبدأ الأعوام الخمسة والعشرين، حسبما يقول كراج. ويقول مشغّلو المجموعات الضخمة المخطط إطلاقها إنهم سيؤدون دور المفوض المسؤول عن الفضاء، لكن كراج يعرب عن قلقه من تفاقم المشكلة، رغم نواياهم الطيبة. وهو يتساءل: "ماذا سيحدث لمن يفشلون أو يتعرَّضون للإفلاس؟" ويجيب عن التساؤل قائلًا: "الأرجح أنهم لن يُنفقوا أموالًا لإزالة أقمارهم الصناعية من الفضاء".

شرطة مرور فضائية

من الناحية النظرية، يتوافر لمشغلي الأقمار الصناعية مجال واسع يتيح لجميع البعثات الطيران بأمان دون الاقتراب مطلقًا من جسم آخر. لذا يعمل بعض العلماء على التصدي لمشكلة النفايات الفضائية بمحاولة معرفة أماكن الحطام بدرجة عالية من الدقة، وهذا من شأنه أن يخفّف من الحاجة إلى الكثير من المناورات غير الضرورية التي تُجرى في الوقت الحاليّ لتجنب حوادث التصادم المحتملة. يقول مارلون سورج، اختصاصيّ الحطام الفضائي بشركة إيروسبيس كوربوريشن في إل سيجوندو بولاية كاليفورنيا: "إذا عرفنا بالضبط أين يوجد الحطام، فلن نواجه أي مشكلة على الإطلاق".

يُطلق على هذا المجال إدارة حركة المرور في الفضاء، لأنه يماثل إدارة حركة المرور على الطرق أو في الجو. ويدعونا موريبا جاه، عالم ديناميكا الفضاء بجامعة تكساس في أوستن، لتصوّر يوم مزدحم في أحد المطارات؛ حيث تصطفّ الطائرات في الجو مثل عقد من اللؤلؤ، وتهبط وتُقلع بالقرب من بعضها في نظام مصمم بعناية، ويعرف المراقبون الجويون مواقع الطائرات بدقة تصل إلى متر واحد.

ولا يمكن القول إن الوضع نفسه ينطبق على الحطام الفضائي؛ فليست جميع الأجسام التي تسبح في المدار معروفة، وحتى تلك الأجسام المدرجة في قواعد البيانات تتفاوت درجات الدقة في تعقبها. وإضافة إلى ذلك، لا يوجد سجلّ موثوق يُورد بدقة المدارات التي يسبح فيها الحطام الفضائي المعروف بكامله.

إطلاق أقمار صناعية صغيرة «كيوبسات» CubeSats من محطة الفضاء الدولية في عام 2012.

إطلاق أقمار صناعية صغيرة «كيوبسات» CubeSats من محطة الفضاء الدولية في عام 2012.

NASA

يوضّح جاه هذه النقطة من خلال قاعدة بيانات على الويب أعدَّها تُسمى «أستريا جراف» ASTRIAGraph. تعتمد قاعدة البيانات على عدة مصادر، مثل السجلات التي تحتفظ بها حكومتا الولايات المتحدة وروسيا، لبيان مواقع الأجسام في الفضاء. فعندما يكتب الباحث رقم تعريف جسم فضائي معين، ترسم قاعدة بيانات «أستريا جراف» خطًا أرجواني اللون يُعين مدار ذلك الجسم.

غير قاعدة البيانات لا تفلح في بعض الحالات، منها حالة هيكل صاروخ روسي أُطلق في عام 2007 وسُجل في قاعدة البيانات بالجسم رقم 32280. وعندما يُدخِل جاه هذا الرقم، فإن «أستريا جراف» ترسم خطين أرجوانيين؛ فالمصادر الأمريكية والروسية تذكر مدارين مختلفين تمامًا لنفس الجسم. ويقول جاه إنه يكاد يستحيل تحديد أيهما الصحيح ما لم يكن هناك مصدر ثالث للمعلومات يمكن أن يساعد على الربط التبادلي للموقع الصحيح.

تتضمَّن قاعدة بيانات «أستريا جراف» في الوقت الراهن بعض المصادر الرئيسية لمعلومات تتبع الأجسام الفضائية، لكن ليس كلها. ويكاد يكون من المؤكد أن سجل الجيش الأمريكي – وهو أكبر قاعدة بيانات من هذه النوعية متاحة للعموم – يحجب المعلومات الخاصة بالأقمار الصناعية السريّة. وكذلك تحرص الحكومة الروسية على عدم الكشف عن كثير من بياناتها. وقد أنُشئت عدة قواعد بيانات تجارية للتعقب الفضائي في السنوات القليلة الماضية، لكن معظمها لا تشارك معلوماتها بصورة علنية.

يصف جاه نفسه بأنه من المدافعين عن البيئة الفضائية، ويقول: "أريد أن أجعل الفضاء مكانا آمنًا للاستخدام، ومفتوحًا ومفيدًا للأجيال القادمة". ويرى جاه أنه إلى أن يحدث ذلك، سوف يستمر مجتمع الفضاء في التدهور والتردّي كغيره من الموارد العامة، إذ يسهم جميع مشغلي الرحلات الفضائية في تلويث هذا المورد المشترك.

بدأ جاه وغيره من المدافعين عن البيئة الفضائية يُحرزون بعض التقدم، على الأقل فيما يتعلق بسياسة الفضاء الأمريكية. فقد أدلى جاه بشهادته بشأن إدارة حركة المرور الفضائية أمام الكونجرس في عام 2017، بدعوة من تيد كروز، وهو سيناتور جمهوري من ولاية تكساس شارك في تقديم مشروع قانون بشأن اللوائح التنظيمية للفضاء في يوليو عام 2018. وفي شهر يونيو عام 2018، وقَّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضًا توجيهًا بخصوص السياسة الفضائية من شأنه – ضمن عدة أمور – أن ينقل السجل الأمريكي العام للحطام الفضائي من سلطة الجيش إلى وكالة مدنية؛ هي على الأرجح وزارة التجارة المسؤولة عن تنظيم الأعمال التجارية.

يُمثل هذا التوجيه فرصة نادرة لمناقشة مشكلة النفايات الفضائية على أعلى المستويات في الحكومة الأمريكية. ويقول مايك جولد – نائب الرئيس للشؤون التنظيمية والسياسات والعقود الحكومية بشركة ماكسار تكنولوجيز في وستمينستر بولاية كولورادو، المالكة والمشغلة لعدد من الأقمار الصناعية –: "هذه هي المرة الأولى التي نُجري فيها هذا الحوار بطريقة جدّية".

الموتى السابحون في المدار

يمتلِئ الفضاء المحيط بكوكب الأرض بالأجسام الهامدة الخاملة؛ فنحو 95٪ من جميع الأجسام السابحة في المدار هي أقمار صناعية غير عاملة أو أجزاء من أقمار صناعية غير نشطة. لذا فعندما يتلقّى مشغّل قمر صناعي عامل تنبيهًا بشأن جسم يقع على مسار تصادمي، فسيكون من المفيد معرفة مدى خطورة الحطام المتّجه نحوه. تقول فروه: "مع التزايد المستمر في عدد تلك الأجسام، وعدم اليقين الذي يحيط بنا، فإنك تتلقى تحذيرات التصادم بلا نهاية". (تمثل النيازك الدقيقة تهديدًا منفصلًا ولا يمكن تعقبها على الإطلاق).

ولتقييم خطر الاصطدام المتوقّع، يحتاج مشغّلو الأقمار الصناعية إلى معرفة طبيعة الجسم، لكن سجلات التعقّب لا تحتوي إلا على معلومات قليلة عن العديد من الأجسام. وفي تلك الحالات، يستخدم الجيش وغيره من جهات التتبع الفضائي أجهزة التليسكوب لجمع المعلومات في الفترة القصيرة التي تسبق التصادم المحتمل.

تعمل فروه وزملاؤها حاليًا، بالتعاون مع القوات الجوية، على تطوير أساليب للاكتشاف السريع للتفاصيل الخاصة بالأجسام السابحة في المدار، حتى عندما لا يتوافر عنها سوى القليل من المعلومات. فمثلًا، عن طريق دراسة انعكاس ضوء الشمس على جسم حين يمر من فوقنا، تستطيع أن تستنتج ما إذا كان الجسم مضطربًا أم مستقرًا؛ وهو دليل على ما إذا كان عاملًا أم لا. كما يجرِّب فريق فروه خوارزمية لتعلم الآلة يمكنها تسريع عملية توصيف الأجسام، وهو البحث الذي ستعرضه فروه في الرابع عشر من سبتمبر عام 2018، في مؤتمر لتعقّب الأجسام الفضائية يُعقد في ماوي بجزر هاواي.

بمجرد أن يعرف الباحثون ما يتكون منه الجسم السابح في المدار، تتوافر لديهم عدة وسائل محتملة للحدِّ من التهديد الذي يسبّبه. تنطوي بعض المقترحات المستمدَة من الخيال العلمي على استخدام المغناطيس لكنس النفايات الفضائية أو أشعة الليزر لإزالة أو إبعاد الحطام عن المدار. وفي الأسابيع المقبلة، سوف يجري الباحثون في جامعة سَرِي في جيلفورد بالمملكة المتحدة تجربةً لشبكة تهدف إلى اصطياد قمر صناعي تجريبي. وبعد ذلك، سيقوم المشروع، الذي يحمل اسم «إزالة الحطام» RemoveDEBRIS، بإعادة توجيه القمر الصناعي إلى مدار يعيده إلى الغلاف الجوي.

لكن هذه الأساليب الفعالة لتنظيف النفايات الفضائية ليس من المرجح أن تكون عملية على المدى الطويل، إذا أخذنا في الاعتبار العدد الهائل من الأجسام السابحة في مدارات حول الأرض. لذا يرى بعض الخبراء الآخرين أن أفضل طريقة للحدِّ من مشكلة النفايات الفضائية تتمثل في تبنّي نهج سلبي. وتستغل هذه الفكرة قوى الجاذبية الخاصة بالشمس والقمر – المعروفة باسم الرنين – والتي يمكنها وضع الأقمار الصناعية في مسارات تؤدي إلى تدميرها. ويعمل عالم ديناميكا الفضاء آرون روزنجرين بجامعة أريزونا في توسان على تطوير طرق لتحقيق ذلك.

خَطَرت تلك الفكرة ببال روزنجرين للمرة الأولى عندما كان يدرس مصائر الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المتوسط MEO، التي تُحلق على ارتفاعات تتراوح بين نحو 2000 كيلومتر – حيث ينتهي المدار الأرضي المنخفض – و35 ألف كيلومتر، حيث تبدأ المدارات الثابتة للأرض.

ويمكن التخلّص من الأقمار الصناعية الموجودة في المدار الأرضي المنخفض بإجبارها على العودة إلى الغلاف الجوي، كما يمكن وضع معظم الأقمار الصناعية العاملة في المنطقة الثابتة بالنسبة للأرض، والأقل من حيث كثافة المرور، بأمان في «مقابر» مدارية، حيث لا تتداخل مطلقًا مع الأجسام الأخرى. ولكن في المدار الأرضي المتوسّط يمكن أن تكون مسارات الأقمار الصناعية غير مستقرة على المدى الطويل بسبب رنين الجاذبية.

كان تليسكوب وكالة الفضاء الأوروبية «إنتيجرال» INTEGRAL لرصد أشعة جاما – الذي أُطلق في عام 2002 – من بين الإشارات الأولى التي أوحت لمشغّلي المركبات الفضائية بإمكانية استغلال هذه الظاهرة. يتحرك «إنتيجرال» في مدار واسع، يمتد عبر المدار الأرضي المنخفض مرورًا بالمدار المتوسط، وانتهاءً بالمدار الثابت بالنسبة للأرض. وكان من المقرَّر أن يبقي التليسكوب في الفضاء لأكثر من قرن، لكن في عام 2015، قررت وكالة الفضاء الأوروبية تعديل مداره؛ إذ وضعه مراقبو المهمة، باستخدام بعض نفثات الوقود، في مسار يتفاعل مع رنين الجاذبية. وسيعود التليسكوب إلى دخول الغلاف الجوي في عام 2029 بدلًا من العودة التي كانت مقررة بعد ذلك بعقود.

في عام 2016، بيَّن روزنجرين وزملاؤه في فرنسا وإيطاليا أن ثمة شبكة كثيفة من موجات الرنين المدارية التي تؤثر في حركة الأجسام بالمدار الأرضي المتوسط (J. Daquin et al. Celest. Mech. Dyn. Astr. 124, 335–366; 2016). ويرى روزنجرين أن هذا قد يقدم حلًا محتملًا؛ إذ توجد مسارات في شبكة موجات الرنين تلك لا تقود إلى المدار الأرضي المتوسط بل إلى الغلاف الجوي مباشرة، ويمكن للمشغّلين الاستفادة منها لإرسال الأقمار صناعية مباشرة إلى حتفها. يقول روزنجرين: "نسمِّي هذه الطريقة التخلص السلبي من الأجسام الفضائية عن طريق موجات الرنين والاضطرابات". ويضيف: "نعم! نحن بحاجة إلى اسم جديد".

درس باحثون آخرون هذا المفهوم من قبل، لكن روزنجرين يسعى حاليًا لجعله الاتجاه السائد. ويقول عن ذلك: "إنه أحد المفاهيم الجديدة في التعامل مع الحطام الفضائي".

قد يكون من السهل الوصول إلى مسارات التخلّص من الأجسام تلك. ففي مؤتمر عن الفضاء عقد في يوليو من عام 2018 في باسادينا بولاية كاليفورنيا، تحدث روزنجرين وزملاؤه عن تحليلهم لأقمار المرصد الجيوفيزيائي المداري الأمريكي منذ ستينيات القرن الماضي؛ إذ وجد العلماء أن تغيير تاريخ أو موعد الإطلاق بمقدار ضئيل قدره 15 دقيقة فقط في بعض الأحيان يمكن أن يؤدي إلى اختلافات كبيرة في مدة بقاء القمر الصناعي في مداره، ويمكن استخدام هذه المعلومات للمساعدة على حساب أفضل توقيتات لعمليات الإطلاق.

لقد وجد مشغّلو الأقمار الصناعية مثل «كرايوسات-2» أن تبنّي نهج استباقي فوري يمكن أن يحول دون وقوع الكثير من المتاعب في المستقبل. فعندما قرَّرت وكالة الفضاء الأوروبية إجراء مناورة في أوائل يوليو عام 2018، كان على مهندسيها الاستنفار والعمل خلال عطلة نهاية الأسبوع للاستعداد لتلك المناورة. وبعد أن مرَّت قطعة الحطام الفضائية بسلام، استغرقت المركبة «كرايوسات-2» بضعة أيام للعودة إلى مدارها الطبيعي، حسبما يقول فيتالي براون، مهندس الحطام الفضائي بوكالة الفضاء الأوروبية.

لكن إشارات التحذير لم تتوقَّف. ففي الأسابيع التالية اضطر مراقبو المهام إلى تغيير موقع عدة أقمار صناعية ست مرات على الأقل لتفادي الحطام. وفي الثالث والعشرين من أغسطس عام 2018، حرَّك مراقبو المهمة القمر الصناعي «سينتينيل-3ب» لتفادي الحطام الفضائي للمرة الأولى، بعد أربعة أشهر فقط من استقراره في مداره.

ألكسندرا ويتزي مراسلة لدورية Nature تقيم في بولدر بولاية كولورادو.