تحقيق إخباري

تجربة مكافحة الفقر

مشروعات عديدة تختبر فكرة توزيع «دخل أساسي معمم» يستطيع الناس إنفاقه كيفما شاءوا.

كاري أرنولد
  • Published online:
يشارك آلاف الكينيين في تجربةٍ يحصلون في إطارها على مبالغ مالية شهريًّا أو سنويًّا.

  يشارك آلاف الكينيين في تجربةٍ يحصلون في إطارها على مبالغ مالية شهريًّا أو سنويًّا.

JONAS BENDIKSEN/MAGNUM

على امتداد ضفاف بحيرة فيكتوريا، الواقعة في غرب كينيا، وفي توقيت متزامن، تدق إشعارات التنبيه في الهواتف المحمولة في عدة مئات من القرى في أول يوم من كل شهر. وبالنسبة إلى أكثر من 21 ألف شخص بالغ، يعني ذلك الصوت شيئًا واحدًا؛ هو تحويل 2250 شلنًا كينيًّا إلى حساباتهم البنكية. ويكافئ هذا المبلغ ما بين ربع إلى نصف متوسط دخل أسرة مكونة من شخصين بالغين في إقليم بوميت، وهو أحد أفقر الأقاليم في كينيا.

هذا المبلغ (الذي يساوي تقريبًا 22.5 دولارًا) مقدَّم بوصفه منحة من مؤسسة «جيف دايركتلي» GiveDirectly الخيرية الأمريكية، التي تهتم بدراسة تأثيرات مَنْح الناس مبالغ نقدية دون شروط؛ وهي فكرة تُعرف باسم «الدخل الأساسي المعمم» Universal Basic Income (UBI). وسوف تدق إشعارات التنبيه في الهواتف المحمولة في هذه القرى كل شهر على مدار الاثنى عشر عامًا القادمة، مما يجعل تجربة الدخل الأساسي المعمم هذه هي الأطول أمدًا، والأوسع نطاقًا على الإطلاق.

تقول تافنيت سوري – الخبيرة الاقتصادية في مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، وواحدة من الباحثين الرئيسيين في تجربة كينيا –: "تلك وسيلة للتخفيف من حدة الفقر. يمكن للمشاركين الاستثمار في أشياء تنطوي على مخاطرة أكبر، لأنهم يضمنون تلبية احتياجاتهم الأساسية".

وتُعَد التجربة الكينية واحدة من مجموعة تجارب حول الدخل الأساسي المعمم، التي بلغت مراحل متنوعة من التقدم حول العالم. وقد بدأت فنلندا بالفعل في إحدى التجارب، كما فعلت مقاطعة أونتاريو الكندية الأمر نفسه. وتخطط مدينة ستوكتون في ولاية كاليفورنيا لإطلاق تجربتها في وقت لاحق من العام الحالي. ورغم أن الفكرة ليست بالجديدة، إذ كان فلاسفة التنوير أول مَن اقترحها، فقد ظلت فكرةً مهمشة حتى سنوات قليلة مضت، وبدأت الحكومات اليوم في التعامل معها بجدية أكبر. وقد زاد الاهتمام بالفكرة في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي كانت في عام 2008، ولأنها حازت على دعم مجموعة من خبراء التكنولوجيا في وادي السيليكون، مثل «إيلون ماسك».

يرى مؤيدو مخططات الدخل المضمون أن الفقراء سيحققون استفادة أكبر من المبالغ غير المقيدة، بالمقارنة بأنظمة الرعاية الاجتماعية الحالية، التي تميل إلى فرض متطلبات صارمة، غالبًا ما تترك المستفيدين منها يعانون الفقر. يقول لوك مارتينيللي – الخبير الاقتصادي بجامعة باث في المملكة المتحدة –: "الدخل الأساسي المعمم يعني منح الناس نقودًا، دون شروط، والوثوق في أنهم يدركون كيفية استخدامها بأكثر الطرق فعالية".

أما الاقتصاديون والباحثون في مجال السياسة العامة، فيرون أن الاهتمام الحالي بفكرة الدخل الأساسي المعمم يوفر فرصة لإجراء تجارب متقنة؛ لتحديد ما إذا كانت ستسفر عن فوائد قابلة للقياس، أم لا. إنّ تحويل نظرية اقتصادية كبرى إلى سياسة عملية على أرض الواقع ليس بالمهمة السهلة؛ فغالبية التجارب التي أجريت في هذا الشأن تضمنت عددًا صغيرًا من الأشخاص، أو استمرت لأعوام قليلة، وهو الأمر الذي يحدّ من تأثيرها. كما أنه لا يوجد تعريف واضح للنجاح؛ فالباحثون يحاولون الموازنة بين قياس المكاسب المحتملة في أحد المجالات – مثل الرعاية الصحية – وبين بعض النتائج الجانبية الممكنة في مجال آخر، مثل التعليم، والمشاركة في القوة العاملة.

وبالنسبة إلى الأصوات المتصاعدة التي تطالب بسياسة معتمِدة على البيانات، تُعَد تجارب مثل التي تُجرى في كينيا هي السبيل الوحيد لتحديد ما إذا كانت فكرة الدخل الأساسي المعمم تؤتي ثمارها بالفعل، أم لا. تقول سوري: "هذه واحدة من أولى التجارب المنضبطة عشوائية المتقنة التي تُجرى على فكرة الدخل الأساسي المعمم، وهذه فرصتنا لفهم هذه الفكرة، وآثارها".

نقود بلا شروط

نشأت دولة الرفاهية الحديثة على أنقاض الكساد الكبير، والحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي حاولت فيه الحكومات في جميع أنحاء الأمريكتين، وأوروبا، ودول الكومنولث، إعادة بناء اقتصاداتها، بدأت في الاضطلاع بدور نشط في توفير الرفاهية لمواطنيها الفقراء، من خلال تقديم المنح، والخدمات، والأموال المخصصة لأغراض بعينها، مثل: السكن، والغذاء. ورغم أن أنظمة الرعاية الاجتماعية هذه أسهمت في تحسين مستويات المعيشة، إلا أن أغلبها يتطلب أنظمة بيروقراطية ضخمة لصرف الإعانات، ولضمان استيفاء المستفيدين لمعايير استحقاق صارمة.

ولطالما رأى منتقدو أنظمة الرعاية الاجتماعية أن تكاليفها الإدارية ضخمة، وأنها تقدِّم نتائج إيجابية محدودة؛ فهي تثني الناس - في بعض الحالات - عن البحث عن وظائف. وإزاء ذلك.. تَمَسَّك قادة من مختلف التوجهات السياسية بفكرة الدخل الأساسي المعمم، التي روّج لها على مر القرون شخصيات بارزة، مثل توماس مور (في روايته «يوتوبيا» خلال عام 1516)، والفيلسوف توماس باين، والرئيس الأمريكي الليبرالي فرانكلين ديلانو روزفلت، والخبير الاقتصادي ميلتون فريدمان، وهو أحد المفضلين لدى المحافظين، بمَن فيهم الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر. وقد اعتبر السياسيون والمفكرون التقدميون أن هذه الفكرة تمثل وسيلة لإنهاء الفقر؛ في حين رأى المحافظون فيها نظام رعاية اجتماعية عصريًّا سلسًا، أيسر في إدارته، وأقل في تكلفته.

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، اختبر عددٌ قليل من المواقع في الولايات المتحدة مخططًا متعلقًا بالدخل الأساسي المعمم، أُطلق عليه ضريبة الدخل السلبية. وفي إطار هذا النوع من البرامج، يحصل الأفراد الذين يقل دخلهم عن مبلغ معين على مبلغ إضافي من الحكومة. ولكنْ بعد أن كشفت نتائج أولية من أحد مواقع التجربة عن زيادة في معدلات الطلاق، وصف السياسيون الفكرة بأنها ستوقع أبلغ الضرر بالأسرة الأمريكية.

كما جرت تجربة مبكرة أخرى عبر الحدود في بلدة دوفين الصغيرة في كندا. ففي التجربة التي أُطلق عليها اسم «الدخل الأدنى» MINCOME، المدعومة من الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات، تَلَقّى أفقر سكان البلدة شيكات شهرية في الفترة من 1974 إلى 1978، دون فرض قيود على كيفية إنفاق الأموال. تتبَّع الباحثون التغيرات في نسبة الأشخاص العاملين بدوام كامل، وبدوام جزئي، إلى جانب التغيرات في التغذية، والتعليم، والنتائج الصحية الأساسية. لكنْ قبل تحليل التجربة، أدّى تراجع التمويل والتغيرات السياسية إلى إلغاء الفكرة، وجُمعت كافة البيانات في أكثر من 1800 صندوق، وخُزّنت في مستودع. وظلت البيانات هناك، حتى قامت الخبيرة الاقتصادية إيفلين فورجيت – بجامعة مانيتوبا في مدينة وينيبيج – بنفض طبقات من الغبار عن الصناديق، وفَتْحها.

وكشفت الوثائق التي أخرجتها فورجيت أن الأطفال المراهقين في الأُسَر التي شاركت في تجربة «الدخل الأدنى» أكملوا سنة دراسية إضافية، بالمقارنة بالأطفال الذين يعيشون في بلدات صغيرة مشابهة في مانيتوبا. كما انخفضت حالات الاحتجاز في المستشفيات بنسبة 8.5%، وكان الانخفاض الأكبر في حالات الاحتجاز نتيجة الحوادث، والإصابات، وتشخيصات الصحة النفسية. وكانت النقطة الأهم للاقتصاديين –الذين ساورهم القلق من أن البرنامج قد يشجع الناس على ترك وظائفهم – هي أن فورجيت اكتشفت أن معدلات التوظيف لم تتغير طوال مدة التجربة (E. L. Forget Can. Public Policy 37, 283–305; 2011).

وفي الوقت الحالي، يسعى مؤيدو فكرة الدخل الأساسي المعمم في عدة دول للاستفادة من نتائج التجارب السابقة في إعداد تجارب تستهدف تحديد ما إذا كان ينبغي للحكومات تجربة فكرة الدخل الأساسي المعمم، أم لا.

أموال جاهزة

نتجت التجربة الكينية عن تجارب أصغر، أَجْرتها مؤسسة «جيف دايركتلي» الخيرية في أفريقيا جنوب الصحراء. فبدءًا من عام 2009، سعت المجموعة إلى تخفيف حدة الفقر، عن طريق تحويلات نقدية مباشرة متواضعة نسبيًّا. وقد تسببت هذه التدفقات النقدية - الأصغر حجمًا، والأقصر زمنًا - في تأثيرات متنامية في المجتمعات المعنية. ففي تجربة أُجريت في زيمبابوي، أسهمت تحويلات نقدية استمرت لعام واحد في تحسين معدلات تطعيم الأطفال، وكذلك معدلات الحضور في المدارس (L. Robertson et al. Lancet 381, 1283–1292; 2013). ولما كانت التحويلات قصيرة الأمد وضئيلة جدًّا، بحيث لا تغطي نفقات المعيشة، لم تكن هذه التجارب كاملة. ولكن هذا العمل المبكر أتاح للمجموعة فرصة التخطيط لتجربة دخل أساسي معمم مكتملة، حسبما يقول مايكل فاي، المؤسس المشارِك لمؤسسة «جيف دايركتلي»، ورئيسها.

ويرى الخبراء أن التجارب الكاملة يصعب تصميمها للغاية، لا سيما لأنها تحتاج إلى الكثير من التخطيط المسبق. وفي هذا الصدد، يؤكد روب ريش – عالِم السياسة بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، الذي لم يشارك في هذه التجارب –: "مع وجود الكثير من هذه المشروعات، تزداد أهمية التفاصيل، ويَعتمِد تصميم البحث على معلومات غاية في الدقة عن تأثيرها".

تختلف تجارب الدخل المضمون عن العديد من التجارب الإكلينيكية، لأن الباحثين يبحثون عن تحسينات في مجموعة متنوعة واسعة من المجالات، ناهيك عن أنهم يفعلون ذلك على مستوى مجتمعات، وليس أفراد. تصف سوري سلسلة من التحسينات التي قد تنشأ عن طرح فكرة الدخل الأساسي المعمم؛ فالأمهات الحوامل اللائي يتغذين تغذية جيدة ستنجبن أطفالًا أوفر صحةً من النساء اللائي يعانين من سوء التغذية. كذلك فإن البقاء في التعليم لفترة أطول سيخلق فرص عمل أفضل، ويؤخر الزواج والإنجاب، مما يؤدي إلى تمتع الأمهات والأطفال الرضع بصحة أوفر. وتضيف سوري أن فريقها يخطط لتتبُّع كل شيء، من ريادة الأعمال إلى الصحة، والتعليم، حتى حالة التغذية، وذلك بمساعدة مجموعة من السكان المحليين الذين سيزورون جميع البيوت، وسيُجْرون سلسلة من المكالمات الهاتفية القصيرة للمتابعة، وسيعقدون بعض المقابلات المتعمقة مع كبار السن في القرية؛ للتعرّف على الصورة الكلية لتأثيرات التدخل.وحيث إن التجربة ستكون طويلة جدًّا، ومكلفة، فقد ساعدت سوري في تصميم أربع مجموعات مختلفة؛ للإجابة على أكبر عدد ممكن من الأسئلة. ففي أكبر مجموعة، يحصل كل شخص بالغ في 80 قرية على 2250 شلنًا كينيًّا شهريًّا لمدة سنتين. وفي المجموعة الثانية، يحصل كل فرد على المبلغ نفسه شهريًّا لمدة 12 عامًا. وفي المجموعة الثالثة، يحصل المشاركون على مبلغ إجمالي يكافئ 505 دولارات أمريكية – ما يعادل سنتين من الدخل الأساسي – مقسّم إلى دفعتين، يفصل بينهما شهران. أما المجموعة الرابعة، فهي مجموعة ضابطة لا تحصل على أي شيء.وتعقِّب سوري على ذلك قائلة: "يمكننا أن نُجْري مقارنة بين مختلف أنواع الدخل الأساسي المعمم".ويشعر المشاركون في مشروع تجريبي بدأ في 2016 بالحماسة تجاه الإمكانيات المستقبلية. وعن هذا.. تقول جايل: "لقد جعلني ذلك أشعر بأنه يمكنني أن ألتزم بدفع المصاريف المدرسية لأطفالي، كما أثق أيضًا في توفير بعض المال؛ لتحسين نشاطي التجاري".

وكانت تجربة مماثِلة للدخل الأساسي المعمم في فنلندا قد واجهت بعض الصعوبات. وقد نشأ المشروع هناك نتيجة المخاوف من أنْ يثني نظامُ إعانات البطالة المعقد في البلاد بعضَ الناس عن العودة إلى العمل بدوام كامل، لأن ذلك سيحدّ من الدعم الذي يحصلون عليه. وفي مارس من عام 2016، تعاونت وكالة الرعاية الحكومية «كيلا» Kela مع المنظمة البحثية غير الهادفة إلى الربح «تانك» Tänk، للإعلان عن تجربة دخل أساسي شامل تقدم 560 يورو (658 دولارًا) شهريًّا لمجموعة تضم 2000 شخص بالغ، يتلقون حاليًّا إعانات البطالة. ولن يخضع الدخل الإضافي للضريبة بالمعدل نفسه المفروض على استحقاقات البطالة الاعتيادية، ولن يُطلب من المشاركين البحث بجدية عن عمل أثناء التجربة التي ستستمر لعامين، بل ولن يفقدوا النقود التي يحصلون عليها من تجربة الدخل الأساسي، إذا عثروا على وظائف.

ورغم أن وسائل الإعلام العالمية أشادت بالبرنامج في البداية، فقد انقلب الرأي العام لاحقًا على المخطط الذي تكلّف 20 مليون يورو، حيث لم تكن المدفوعات الشهرية تكفي بأي حال من الأحوال لتغطية نفقات المعيشة الأساسية لشخص بالغ، كما كانت التجربة موجهة فقط إلى البالغين العاطلين عن العمل في ذلك الوقت. وإضافة إلى ذلك.. لم تكن ثمة مجموعة ضابطة ملائمة. وفي أواخر إبريل عام 2018، رفض البرلمان الفنلندي طلب وكالة «كيلا» الحصول على تمويل لعام إضافي، وأعرب - بدلًا من ذلك - عن تفضيله لوضع خطط رعاية اجتماعية أخرى. وبالنسبة إلى مناصري فكرة الدخل الأساسي المعمم، أثبتت مشكلات البرنامج الفنلندي أنها عقبة خطيرة أمام إجراء تجارب أخرى.

يقول كارل ويدركويست – عالِم الاقتصاد السياسي بجامعة جورجتاون في قطر، والرئيس المشارك لشبكة «بيسك إنكوم إيرث نتوورك» Basic Income Earth Network، التي تروّج لفكرة الدخل الأساسي المعمم –: "كانت توقعات الناس تفوق بكثير ما يمكن للتجربة تلبيته".

وقد بدأ باحثون آخرون مجموعة من تجارب الدخل الأساسي المعمم، ومشروعات تمهيدية لها (انظر: "مال بلا مقابل"). بدأت مدينة ستوكتون تجربة تتكفل بها منظمات خيرية. وحسب قول تايلور جو إيزنبرج – المدير العام في منظمة «مشروع الأمن الاقتصادي» Economic Security Project، التي تساعد في تمويل التجربة – فإن التجربة ستكون أصغر نطاقًا من تجربة كينيا؛ إذ تضم 100 شخص فقط، وسوف تستمر لمدة 12 إلى 18 شهرًا بسبب قيود التمويل. لكنّ تايلور ترى أن التجربة سوف توفر بيانات مبدئية مفيدة للتجارب اللاحقة، لأن ستوكتون تمثّل صورة مصغّرة للولايات المتحدة من حيث التنوع، ومستويات الفقر، وفَقْد الوظائف بسبب الأتمتة، والتعهيد الخارجي.

تقول إيزنبرج: "إن تحديث الأبحاث السابقة فيما يتعلق بتحويلات النقود غير المشروطة مهمٌّ للغاية، لكنه باهظ التكلفة. ونأمل أن نفسح المجال لانضمام جهات معنية أخرى لاحقًا".

انضمت مقاطعة أونتاريو الكندية إلى ركْب تطبيق فكرة الدخل الأساسي المعمم؛ فقد بدأت تجربتها في أواخر العام الماضي بمشاركة ما يزيد على 4000 فرد من مختلف أنحاء المقاطعة. وبينما ينتظر المراقبون أي علامات لنجاح أو فشل هذه التجارب، فإن الباحثين المشاركين عليهم تحديد معنى «النجاح»، أو «الفشل». ونظرًا إلى أن آثار الدخل الأساسي المعمم لن تظهر قبل 5-10 سنوات، فإن المراقبين قد ينتظرون لفترة طويلة جدًّا.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore magna aliqua.

كبر الصورة

© Replace me

جاء الإعلان الصادر في شهر إبريل بأن تجربة الدخل الأساسي المعمم في فنلندا لن تحظى بتمويل بعد عام 2018 بمثابة تذكير قوي بأن السياسة – وليس البيانات – هي ما سيحدد مصير هذه البرامج. فقد سحبت الحكومة الدعم قبل قيام ماركوس كانيرفا – المدير العام بمنظمة «تانك» - وزملائه بدراسة البيانات؛ لاكتشاف مدى تقدُّم التجربة، وهو الأمر الذي كان كانيرفا يقول إن فريقه سينتظر حتى أواخر عام 2018 ليقوم به، حتى يتجنب أي تحيز في النتائج.

ولا تتضح بصورة جلية نتيجة هذه التجارب كلها؛ فحتى مشروع كينيا – وهو المشروع الأكثر طموحًا – قد بدأ للتو.

مشكلات التوسع في التطبيق

يمكن أن تسفر التجارب بمرور الوقت عن بيانات بشأن تكاليف وفوائد مخططات الدخل الأساسي المعمم، مثل ما إذا كانت المبادرات تسهم في تقليل نفقات الرعاية الصحية، أم لا، لكن مارتينيللي يعتقد أن البيانات ستكشف أن الأمر سيتكلف الكثير جدًّا لجعْل البرامج فعالة. ويقول: "مشروعات الدخل الأساسي المعمم ميسورة التكلفة لا تفي بالغرض، بينما تنطوي المشروعات الكبيرة على تكاليف لا يمكن تحمُّلها".

ويرى دامون جونز – الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاجو بولاية إلينوي – أن تحقيق مكسب واضح في هذه التجارب لن يعني بالضرورة أن تجربة الدخل الأساسي ستنجح على أرض الواقع. ونظرًا إلى صغر حجم التجارب نسبيًّا، وأن أغلب التمويل يأتي من مصادر خاصة، فإن التجارب لن تقدم صورة واضحة بشأن ما إذا كانت الحكومات قادرة على تحمُّل برنامج عام كبير، أو ما إذا كان المواطنون مستعدين لدفع المزيد من الضرائب؛ لتمويل مثل هذه البرامج. وعن هذا.. يقول جونز: "يمكن توسيع نطاق استعمال دواء ما، لكن الأمر لن يكون بالسهولة نفسها مع تجارب الدخل الأساسي المعمم". ويمكن لعقار جديد للسرطان أن يطيل الحياة ثلاثة أشهر، وهو الأمر الذي ينطبق سواء تناول العقار 10 أفراد، أم 10 آلاف فرد، لكنْ في تجربة الدخل الأساسي المعمم، سيكون لحصول 10 أشخاص على المال أثر مختلف على المجتمع، مقارنة بحصول 10 آلاف شخص عليه.

ويحذر جونز من أن هذا لا يعني أنه ينبغي التوقف عن إجراء تجارب الدخل الأساسي المعمم، أو أن التجارب لن تثمر عن بيانات مفيدة؛ فحتى أفضل الدراسات تصميمًا تنطوي على أوجه قصور متأصلة فيها.

وبغض النظر عن النتائج، فإن التجارب سيكون لها أثر مستمر، لأنها يمكن أن تحدد أوجه القصور المحتملة في العملية ذاتها، وتساعد الباحثين على تنقيح الأسئلة التي يطرحونها، كما ستعطي صانعي السياسة بعض الإجابات التي يسعون للحصول عليها. ويقول ريش إنه إذا نجحت التجارب، "فلن تكون حالة مختلفة تمامًا عن السياسة الاجتماعية السائدة فحسب، وإنما ستكون بمثابة معجزة صغيرة".

وقد حدثت هذه المعجزة الصغيرة بالفعل للمشاركين في تجربة كينيا؛ فبمجرد عِلْمهم بأن مؤسسة «جيف دايركتلي» ستودع مبالغ مالية في حساباتهم كل شهر لفترة تزيد على عقد، حدث تغيُّر كبير في كيفية تفكير بعضهم بشأن المال، فكل رسالة نصية تصل إلى هواتفهم تخبرهم بتحويل المال تعني فرصة للاستثمار في حياتهم، أو مشروعاتهم التجارية، مع ضمان قدرتهم على توفير أساسيات الحياة لأُسَرهم. وهذا - كما يقولون هم أنفسهم - أمر لا يُقَدّر بثمن.

كاري أرنولد صحفية حرة، تكتب من ريتشموند، فيرجينيا.