افتتاحيات

إشراك الجماهير

الحوار مع الجمهور يتطلب استعدادًا لتقبُّل حقائق مزعجة.

  • Published online:

في شهر مارس عام 2018، نشرت الجمعية الملكية بالمملكة المتحدة نتائج دراسة استطلاعية عن انطباعات الجماهير ومواقفهم بخصوص تقنيات التحرير الجينومي. وكشفت الدراسة عن نتيجة غير متوقعة؛ فبينما يرغب علماء أخلاقيات البحوث الحيوية في التمييز بين التغيرات التي سترثها الأجيال القادمة، وتلك التي لن ترثها، لم يعرب المشاركون في الدراسة عن رغبتهم في ذلك. فقد كانوا راضين عن استخدام تقنية التحرير الجينومي لتصحيح الاضطرابات الجينية في الأجنة بدرجة رضاهم نفسها عن ذلك في خلايا البالغين. وقد أظهرت المشاركات السابقة الرأي ذاته.

يمكن أن تتسم مشاركة الجمهور –  تمامًا مثل العلم – بالفوضوية، وتتطرق إلى اتجاهات غير متوقعة، لكن لا يمكن أن يكون هذا سببًا للإحجام عنها، بل لا يجب الإحجام عنها بأي حال من الأحوال؛ فالعلمُ مكلفٌ بالاستجابة لآراء الجماهير التي يسعى إلى خدمتها وتمثيلها. وفي حالة إشراك الجماهير بالشكل الملائم، فإن هذا سيمنح البحث العلمي مزيدًا من التأثير، وقدرًا أكبر من الأهمية. ومع ذلك.. كان العلماء ينظرون إلى عمليات المشاركة الجماهيرية - بوجه عام - باعتبارها انتقالًا للمعلومات في اتجاه واحد: من الخبراء إلى الجمهور. وهو ما يترك الباحثين عرضة للاتهام بالسعي للحصول على قبول الجمهور، فحسب. وغالبًا ما أثقلَتْ المحاولات السابقة لتحفيز المشاركة كاهل الأفراد من العلماء الذين قد يفتقرون إلى التدريب، أو الوقت، أو التمويل، مما أدى إلى مشاركة منخفضة الجودة، وظهور عقلية "الاهتمام بمشاركة الجمهور شكليًّا، وليس إشراكهم فعليًّا".

أما الآن، فتتوافر دلالات مشجعة على استعداد المجتمع العلمي لتعزيز دوره في مشاركة الجماهير. فالجهات المموّلة، مثل معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، وصندوق «وِيلْكَم تراست» Wellcome Trust، تهدف إلى تحصيل المزيد من المعرفة من بحوث العلوم الاجتماعية عن كيفية تحسين المشاركة مع الأطراف المعنيّة. وقد شكّلت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مجموعةَ عملٍ تهدف إلى تحسين مشاركة الإدارة مع مرضاها. وبالإضافة إلى هذه الأخبار السارة.. فقد وجّهت الجمعية الملكية بإجراء تحليل لجهودها الخاصة، ونشر نتائج هذا التقييم بشكل متاح للجمهور. ورغم ذلك.. فإنّ عدم سعي الجمعية للحصول على بيانات ومعلومات مبكرة من الشريحة التي ستكون أول المتأثرين بهذه التقنية، مثل المصابين بأمراض أو إعاقات، يُعتبر فرصة مهدرة.

هناك بوادر تغيير تلوح في الأفق.. ففي عدد دورية Nature الصادر في شهر مارس عام 2018، اقترحت مقالتان من قسم «تعليقات» نماذج واعدة؛ لتحسين مشاركة الجمهور في مجال تحرير الجينوم أيضًا. دعت إحدى المقالتين إلى إنشاء منتدى عالمي، ينتقل أعضاؤه بالنقاش إلى ما يتجاوز حدود القدرات التقنية لتحرير الجينوم، ويجمعون مجموعة متنوعة واسعة النطاق من الآراء حول تطبيقاته الممكنة.

أما المقالة الأخرى، فتدعم فكرة تأسيس ائتلاف ضخم، من شأنه دحض فكرة "الجمهور" الواحد المتجانس، وذلك عن طريق تقصي الفروق الدقيقة الموجودة بين المجتمعات المختلفة، مثل نقابات المزارعين، ومجموعات الآباء وأطفالهم. ويمكن أيضًا جعل عمليات المشاركة الأٌصغر نطاقًا أكثر ديمقراطية؛ فبإمكان الباحثين زيارة المشاركين في مجتمعاتهم الخاصة؛ لتشجيع إجراء النقاشات المفتوحة. وعندما يتعلق الأمر بقضايا بعينها، مثل تحرير الجينوم، فمن الضروري تضمين بيانات ومعلومات من مجموعة كبيرة من الأطراف المعنية؛ كالنشطاء، والمدافعين عن حقوق المرضى وممثلي الكنيسة، وذلك في مراحل التخطيط للبحث.

ويصف عمود في قسم «رؤية كونية» بالعدد نفسه نموذجًا لكيفية إصغاء صناع السياسات للجماهير في كوريا الجنوبية بشأن الخطط المثيرة للجدل؛ لبناء مزيد من المفاعلات النووية. ففي الوقت الذي تواجه فيه الحكومة مخاوف متزايدة من عامة الشعب، بل واحتجاجات عنيفة، أجرت استطلاع رأي بشكل متداوَل، منحت فيه مجموعات مختلفة من المُصوِّتين مواد تعليمية، وجمعتهم على مدار ثلاثة أيام؛ لإجراء نقاشات مع خبراء يساندون كلا الرأيين في القضية. وقد كشفت نتائج الاستطلاع عن موقف مغاير بشكل مفاجئ بين الجماهير، حيث قررت الأغلبية ضرورة استمرار عمليات البناء الجارية للمفاعلات النووية، ولكن على الحكومة التراجع عن خططها لبناء المزيد منها. وقد انصاعت الحكومة لهذه المقترحات. وعلى إثر ذلك.. توقفت الاحتجاجات العنيفة.

ومع انتشار مثل هذه الجهود وغيرها من المساعي، وتطويرها، يمكن أن تصبح المشاركة قائمة بدرجة أكبر على المشاورة والديمقراطية، وبدرجة أقل على تسويق العلوم. وسوف يعود ذلك بالنفع على الباحثين، وكذلك على القاعدة العريضة من الجمهور.