افتتاحيات

عَجِّلوا بالتصرف فورًا؛ لتجنُّب أزمة مناخية

دوريّة Nature تنضمّ إلى أكثر من 250 منبرًا إعلاميًّا في مبادرة «تغطية المناخ الآن»، التي تجسّد تعاونًا فريدًا من نوعه؛ لتركيز الانتباه على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة.

  • Published online:

لا شيء يشحذ الذهن للتركيز أكثر من تحديد موعد نهائي... وما عليك سوى أن تسأل صحافيًّا، أو بالأحرى مسؤولًا حكوميًّا. إن قصّة السياسيين مع تغيُّر المناخ هي فصل من فصول حكاية صنّاع القرار الذين يرجئون اتخاذ الخيارات الصعبة، ولكنْ لا يمكن أن يستمرّ هذا الوضع لفترة أطول. فمع اقتراب ساعة الصفر، لم تعد هناك فرصة للمزيد من المماطلة بشأن المناخ. فقد حان وقت التصرف الآن!

ولهذا السبب.. انضمّت دوريّة Nature إلى مبادرة «تغطية المناخ الآن» Covering Climate Now، التي تجسّد جهدًا تعاونيًّا بين المؤسسات الإعلامية العالمية. وعلى مدار أسبوعٍ واحد، اعتبارًا من الخامس عشر من شهر سبتمبر، تلتزم Nature وأكثر من 250 منبرًا إعلاميًّا آخر – يزيد جمهورها مجتمعةً على مليار متابِع – بتكريس أسبوعٍ للتغطيات الإعلامية المكثّفة لشؤون المناخ.

ولطالما تناولت دوريّة Nature وغيرها من دوريّات Nature الفرعية - بالتعاون مع العديد من الدوريّات الأخرى - الجوانب العلمية والسياسية المتعلقة بقضيّة تغيّر المناخ على مدار عقود. كما قدّم مراسلونا تغطية إعلامية لأوّل جلسة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) في مدينة جنيف بسويسرا في عام 1988، ولا تزال صحافتنا وتعليقات خبرائنا وأبحاثنا تكشف عن العواقب المترتّبة على احترار الكوكب، وتستكشف الخيارات المطروحة لتكيّف البشرية مع هذا الوضع.

وقد حذّرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، في العام الماضي، من أن الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية سيكون تعهّدًا ضخمًا، يقتضي الوفاء به خفض انبعاثات غازات الدفيئة إلى النصف بحلول عام 2030. وسيتكلف التحول إلى استخدام الطاقة المتجددة وحده 2.4 تريليون دولار أمريكي سنويًّا، ولكنْ بدون مثل هذه التدابير الثورية، من المرجح أن تتجاوز درجة الاحترار العالمي 3 درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن، كما سيشهد العالَم آثارًا كارثية أكثر تواترًا وخطورةً، مثل الظواهر الجوية العنيفة، وارتفاع منسوب مياه البحار، والجفاف. ويرى العلماء في صدارة مشهد الأرصاد الجوية أن درجات الحرارة المسجّلة تحطِّم الأرقام القياسية باستمرار، وهذا يؤدي إلى شعورهم باليأس وهم يشاهدون العالَم الطبيعي يتداعى أمام أعينهم، ويلمسون التقاعس المستمر من جانب رؤساء الحكومات، على الرغم من الأدلة الدامغة على أهمية التدخل.

إنّ قادة العالم – المُكبَّلِين إلى حدٍ كبيرٍ بالرغبة في حماية الصناعات القائمة على الوقود الأحفوري – مستمرون في المماطلة؛ لكسب الوقت، ولكنّ فرص التدخل أَمْسَت آخذة في التقلّص، ولذا.. لا بد من اتخاذ إجراء مختلف، وعاجل. تقودنا مبادرة «تغطية المناخ الآن» إلى قمّة المناخ، التي عُقدت في نيويورك في الثالث والعشرين من سبتمبر. استضاف هذه الجلسة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الذي كان قد وَجَّه خطابًا شديد اللهجة إلى قادة العالم، حَثّهم فيه – قبل انعقاد القمة - على عدم المجيء، ما لم يؤكدوا التزامهم الحقيقي بالانتقال الكامل إلى التنمية المستدامة. ويُذكر أنّ موعد انعقاد قمّة الأمم المتحدة تزامن مع أسبوع من الإضرابات العالمية، نظّمه نشطاء وشباب معنيّون بشؤون المناخ.

حتمية التصرف

إنّ مبادرة «تغطية المناخ الآن» فريدة من نوعها، وتحمل مطامح كبيرة. وقد جاءت في وقتها المناسب، كما لاقت القبول والترحيب؛ ولا سيما أنه نادرًا أن نرى مجموعات إعلامية، بينها منافسة ضارية، تتعاون مع بعضها البعض من أجل هدف مشترك.

تكشف إحدى مقالاتنا النقاب عن التقدم الذي تحرزه البلدان نحو تحقيق التزاماتها بموجب اتفاق باريس للمناخ، المُبرم في عام 2015. ولكن - بكل أسف - تستمر معدّلات انبعاثات غازات الدفيئة في الازدياد، رغم تعهّد الدول بتحقيق تخفيضات كبيرة. وبصيص الأمل الوحيد هو أن الطاقة المتولّدة من المصادر المتجددة تتزايد الآن بوتيرة أسرع من الطاقة المتولّدة من الوقود الأحفوري. ومع ذلك.. فإن الطاقة المتولدة من الوقود الأحفوري تواصل الارتفاع بمعدل سريع، كما أن حصتها من إمدادات الطاقة العالمية تفوق كثيرًا حصة الطاقة المتولدة من المصادر المتجددة.

وقد تعهدت الدول أيضًا برصد استثمارات سخيّة للمناخ، ولكنّ النتائج مُلتبِسة في هذا الشأن أيضًا. ففي عام 2017، أُنفق أكثر من نصف تريليون دولار على تمويل الأنشطة المتعلّقة بالمناخ، ولكنّ معظم هذا المبلغ أنفقته الحكومات والشركات في بلدان غنية لصالح دول غنية. وعلى النقيض من ذلك.. تدفقت 57 مليار دولار من الأموال العامة من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية في العام نفسه، وكان حوالي ثلاثة أرباعها في شكل قروض، وليس مِنحًا. وبدون تقديم المزيد من الدعم المالي، من المتوقع أن يعاني سكان البلدان الأقل تسبُّبًا في التلوث بالكربون أشدّ المعاناة.

إنّ الوضع المُلِح يتطلّب حلولًا عاجلةً، ولا تزال الأفكار الجديدة تتدفق. وفي جميع أنحاء العالم، يلتف المشرّعون حول خطط «الصفقة الجديدة الخضراء»، بما يشمل استثمارات عامة ضخمة في إزالة الكربون من جميع القطاعات الاقتصادية، وليس من قطاعات الطاقة فحسب. وتحمل «الصفقة الجديدة الخضراء» طموحات كبيرة، ولا سيما أنها تَعِد بنهايةٍ سريعةٍ لأنواع الوقود الأحفوري، وتتطلب من الدول إصلاح القطاعات المتضررة في المجال الاقتصادي – خاصة تمويل الطاقة والبنية الأساسية – التي تقاعس القطاع العام بشأنها في العديد من البلدان لقرابة 40 عامًا.

هذه الفكرة مثيرة للجدل؛ إذ يبدي مايكل مان - مدير مركز ولاية بنسلفانيا لعلوم نظام الأرض في يونيفرسيتي بارك بجامعة ولاية بنسلفانيا - تأييده لـ«الصفقة الجديدة الخضراء»، لكنه ليس مستعدًا تمامًا للتقليل من أهمية إسهام السوق. وعلى النقيض من ذلك.. يَعتقِد كيفن أندرسون - من مركز تيندال لأبحاث تغيُّر المناخ في جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة - أنه قد فات أوان ما أسماه "الإزالة التدريجية للكربون من اقتصاد السوق الحرة". أمّا فرحانة يامن، وهي محامية مختصة بالشأن البيئي، فقد أقدمت على خطوة أسبق؛ فبعد ثلاثة عقود من العمل مستشارةً أكاديميةً للحكومات والأمم المتحدة، وعضوةً في الفريق الحكومي الدولي المعنِيّ بتغيّر المناخ، انضمت إلى حركة «تمرّد الانقراض»، وهي حركة تنظّم فعاليات عصيان مدنيّ سلميّ، وتشرح الأسباب وراء أن التصرف المباشر هو الحل الوحيد الآن

ويكافح الأفراد والمنظمات في جميع أنحاء العالم – ومن بينهم مؤسسة Springer Nature التي تنشر دوريّة Nature  – بشأن كيفية خفْض انبعاثاتهم من الكربون، من خلال ترشيد السفر، وغيره من الوسائل. وقد وضع علماء الأحياء أوليفييه هامانت، وتيموثي سوندرز، وفيرجيل فيازنوف خطةً مكوّنة من سبع نقاط؛ لجعل المؤتمرات أكثر استدامة، بما يشمل توصية للمنظّمين بشأن النظر في عقد اجتماعات أقل عددًا، وأطول زمنًا، وأكثر تعمقًا. وكان لدى العلماء أيضًا نصيحة للباحثين الرئيسين، هي: السفر على متن وسائل النقل الأبطأ، والسماح للزملاء الأحدث سنًّا بالسفر بدلًا منهم.

وفي الشهر الماضي، نفّذت الناشطة المناخية المراهِقة جريتا تونبرج هذه التوصية بعينها، حيث أبحرت إلى ميناء نيويورك عبر المحيط الأطلسي لمدة أسبوعين؛ من أجل حضور قمة الأمم المتحدة للمناخ. وكان أحد أشرعة قاربها يحمل الجملة: "آزِرُوا العِلْم". وإلى جانب زملائنا في مبادرة «تغطية المناخ الآن»، ها نحن مُتَّحِدون مع جميع مَن يدعمون الرؤية التي أجمع عليها الباحثون.. حيث لا يوجد أي مجال لمزيد من التأخير؛ فقد حان وقت العمل الآن.