تحقيق إخباري

هل ترجح كفة البشر، أم كفة الأرض؟

يفتش الباحثون عن المخلفات النووية، والتلوث الناجم عن الزئبق، وغير ذلك من علامات عصر الأنثروبوسين، وهو حقبة جيولوجية جديدة مُقترَحة، تُقِرّ الكيفية التي غيَّر بها البشر وجهَ الكوكب.

ميرا سوبرامانيان

  • Published online:
أدَّى تفجير أول قنبلة نووية في عام 1945 - وما تبعه من تفجيرات لاحقة - إلى نشر النويدات المشعة حول الكرة الأرضية.

أدَّى تفجير أول قنبلة نووية في عام 1945 - وما تبعه من تفجيرات لاحقة - إلى نشر النويدات المشعة حول الكرة الأرضية.

Modified from Corbis via

إنّ بحيرة كروفورد صغيرة للغاية، لدرجة أن الوقت الذي يستغرقه المرء للتجول على امتداد شاطئها هو عشر دقائق، لا غير، لكنّ هذه البحيرة - الواقعة في جنوب أونتاريو في كندا – تخفي أسفل سطحها شيئًا مميزًا يجذب انتباه العلماء من كل أنحاء الكوكب، إذ يبحث العلماء عن علامة مميزة مدفونة في أعماق الطين؛ عن إشارة تحدِّد اللحظة التي اكتسب فيها البشر قَدْرًا من القوة؛ مَكَّنَهم من البدء في تغيير الكوكب تغييرًا لا رجعة فيه. ومن الممكن أن تكون طبقات الطين في هذه البحيرة نقطة بداية حقبة «الأنثروبوسين» Anthropocene؛ تلك الحقبة الجديدة المحتمَلة من التاريخ  الجيولوجي.

تتسم هذه البحيرة بعمق سحيق، يُعَد مدهشًا بالنظر إلى حجمها، وهو ما يمنع اختلاط مياهها بصورة كاملة، وهذا يترك قاعها غير متأثر بالديدان الحفّارة، أو التيارات المائية. وتتراكم طبقات الرواسب فيها مثل الحلقات الشجرية، مُشَكِّلةً أرشيفًا يمتد إلى حوالي ألف عام مضى. احتفظت هذه البحيرة – بشكل شديد الدقة - بأدلة من حياة قبائل الإيروكواس، التي زرعت الذُّرة على ضفافها قبل ما لا يقل عن 750 عامًا، ثم بأدلة من حياة المستوطنين الأوروبيين، الذين بدأوا عملية الزراعة وقطع الأشجار هناك بعدها بأكثر من خمسة قرون. والآن، يبحث العلماء عن آثارٍ أحدث وأبرز بكثير،  تدل على الاضطراب البيئي المرتبط بالبشر.

تقول فرانسين ماكارثي - عالِمة الأحافير الدقيقة بجامعة بروك المجاورة للبحيرة في سانت كاثرينز بأونتاريو - إن عينات  اللب الصخري المستخرجة من قاع البحيرة "يُفترَض أن تُسفر عن علامة شديدة الوضوح"، مضيفة بقولها إنّ تلك العلامة "لن تكون واحدة من تلك العلامات غير الواضحة بسبب سحق المحار لها". وتدرس مكارثي البحيرة منذ ثمانينيات القرن العشرين، لكنها تتطلع إليها الآن من منظور جديد مختلف تمامًا.

وبحيرة كروفورد هي واحدة من عشرة مواقع حول الأرض، يعكف الباحثون على دراستها، بوصفها معالِم قد تدل على بداية حقبة الأنثروبوسين (عصر التأثير البشري على البيئة)، وهو تصنيف غير رسمي حتى الآن، تَجْرِي دراسة إدراجه ضمن المقياس الزمني الجيولوجي. وعلى أثر ذلك.. تشكلت «مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين» AWG - وهي لجنة مؤلفة من 34 باحثًا، أسستها اللجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض (ICS) في عام 2009 - وهي تقود الجهود الرامية إلى صياغة مُقترَح؛ للإقرار رسميًّا بحقبة الأنثروبوسين. وستشكل هذه الحقبة الجديدة نقطة تحوّل واضحة من «العصر الهولوسيني» Holocene، الذي بدأ مع نهاية العصر الجليدي الأخير. ومن أجل تحديد حقبة جديدة، يحتاج الباحثون إلى العثور على علامة تعبِّر عنها في السجل الصخري، تحدد النقطة التي تعاظم عندها النشاط البشري بصورة واسعة النطاق، لدرجة أنه خَلَّفَ بصمة لا تُمحى على الكوكب.

وبالنظر إلى حجم التأثير الذي أحدثه البشر على الكوكب، ثمة عدد كبير من العلامات الفارقة التي قد تدل على هذه الحقبة. وحول ذلك.. يقول يان زالاسيفيتش، عالِم بيولوجيا الحفريات بجامعة ليستر في المملكة المتحدة، ورئيس مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين: "من الناحية العلمية، وفيما يتعلق بالأدلة، فإننا نمتلك خيارات متعددة، غير أنّ علينا أن نحدد هذه الحقبة بدقة".

يجمع الباحثون اللُّب الرسوبي من بحيرة كراوفورد؛ من أجل دراسة علامات محتمَلة دالّة على حقبة الأنثروبوسين.

يجمع الباحثون اللُّب الرسوبي من بحيرة كراوفورد؛ من أجل دراسة علامات محتمَلة دالّة على حقبة الأنثروبوسين.

Tim Patterson

وتتمثل خطة اللجنة الحالية في النظر في إرث العصر الذري، الذي تركت به المخلفات النشطة إشعاعيًّا - الناتجة عن انفجارات القنابل النووية في منتصف القرن العشرين - بصمةً من النظائر المشعة في الغلاف الجوي، وعلى الصخور، والأشجار، والبشر. يقول زالاسيفيتش: "ثمة ارتفاع حاد في تفجيرات القنابل بين عاميْ 1952، و1954، وهو ارتفاع جليّ للغاية، لا لبس فيه".

وبمجرد اختيار العلامة المعبرة عن تلك الحقبة، سيحتاج الباحثون العاملون مع مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين إلى جمع ما يكفي من الأدلة من كل أنحاء العالم، لإقناع هيئات إدارة العلوم الجيولوجية بأنهم قد عثروا على إشارة موثوق في صحتها، تحدد بداية حقبة الأنثروبوسين، غير أن بعض العلماء يحاججون بأن النشاط البشري يشكّل الكوكب منذ آلاف السنين، وأن مجموعة العمل قد تسرعت بالاستقرار على عقد الخمسينيات من القرن العشرين على أنه يشكل بداية العصر الجيولوجي المُقترَح. ومن هنا، قام إيرل إليس - عالِم الجغرافيا بجامعة ميريلاند في مقاطعة بلتيمور، وعضو مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين - بانتقاد خطط اللجنة الرامية إلى تحديد بداية حقبة الأنثروبوسين. فعلى حد قوله: "إن مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين حسمت الحدود الزمنية للحقبة، قبل أن تتخذ قرارًا بشأن ما يميزها، وليس العكس".

 

أدلة دامغة

ستكون للصخور كلمة الفصل في النهاية.. فمسألة اتخاذ قرار رسمي بتحديد حقبة الأنثروبوسين ستعتمد - في نهاية المطاف - على أدلة موجودة في طبقات الأرض، ومحفوظة في السجل الجيولوجي. وبعبارة أخرى.. أدلة تحسم ما إذا كان البشر قد تركوا مجموعة علامات مميزة محفوظة في الصخور، وفي طين قاع البحار، أو في الجليد، تشير إلى حدوث تغيير جوهري على الكوكب، أم لا.

وبعد عَقْد من تقصِّي هذه المسألة، قررت مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين - في مايو الماضي - أن البشر - في واقع الأمر - قد تركوا بصمة جيولوجية راسخة. وفي تصويت ملزِم، أُجري في شهر مايو من العام الجاري، اختار 29 من أصل 34 عضوًا المضي قدمًا في صياغة مقترَح يدعم تعيين حقبة الأنثروبوسين.

تتمثل المهمة التالية لمجموعة العمل في تقديم اقتراح رسمي يحدد «نقطة ومقطع طبقة الحدود العالمية» GSSP، أو ما يُعرف بـ«الطفرة الذهبية» (انظر: C. N. Waters et al. Earth Sci. Rev. 178, 379–429; 2018). والطفرة الذهبية هي علامة جيولوجية رئيسة، توجد في موقع معيّن، ويمكن أن تكون مترابطة معها في المواقع في مختلف أنحاء العالم، في بيئات متنوعة. وتحتاج الطفرة الذهبية لحقبة الأنثروبوسين إلى إثبات أنه وُجدَت لحظة متزامنة عالميًّا، بلغت فيها عمليات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية حدًّا تَسبَّب في اجتياز - لا رجعة فيه - لعتبة جيولوجية، انتقالًا من العصر الهولوسيني إلى شيء مختلف تمام الاختلاف.

وفي التصويت الأخير، قرر أعضاء مجموعة العمل - بأغلبية ساحقة - تقصِّي طفرة ذهبية وقعت في منتصف القرن العشرين، إذ إن هذا الوقت يمثّل بداية ما يُعرف بـ«التسارع العظيم»، وهو تحول سريع حدث بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأ العدد المتزايد من السكان في استهلاك الموارد، وتصنيع مواد جديدة بالكامل بمعدلات هائلة تفوقت حتى على معدلات الثورة الصناعية. وكل تلك الأنشطة تسببت في إغراق البيئة بكميات غير مسبوقة من الملوِّثات العضوية الثابتة، وسرَّعت معدل انقراض الحيوانات، وخلقت بعض السمات الجيولوجية التي لم يكن لها وجود من قبل.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، جُمعَت الأنقاض في تل صار يعرف باسم «تويفلزبيرج»، أو «جبل الشيطان» في برلين.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، جُمعَت الأنقاض في تل صار يعرف باسم «تويفلزبيرج»، أو «جبل الشيطان» في برلين.

ullstein bild via Getty

وتشمل تلك السمات مناجم الذهب، البالغ عمقها 4 كيلومترات، ومدافن النفايات، التي يزيد ارتفاعها على 70 مترًا، مثل مدفن تويفلزبيرج في برلين، الذي جُمعَت فيه أنقاض ناتجة عن الحرب العالمية الثانية في تل اصطناعي. وبالرغم من أن مجموعة العمل لا تزال تتقصى طفرات ذهبية عديدة أخرى محتملة، إلا أن السجل الإشعاعي من العصر النووي قد برز كأول الخيارات للدلالة على حقبة الأنثروبوسين. وحسب قول زالاسيفيتش: "لا تزال النويدات المشعة تبدو  العلامة الأكثر وضوحًا على هذا العصر". وقد لخصت مجموعة العمل أبحاثها الحالية في كتاب بعنوان: "الأنثروبوسين كوحدة زمن جيولوجية" The Anthropocene as a Geological Time Unit، نَشرَته  مطبعة جامعة كامبريدج في فبراير الماضي.

وتخوض بحيرة كروفورد منافسة شرسة؛ للإقرار على أنها البقعة التي تجسد الطفرة الذهبية. وينسق كولين ووترز - عالِم الجيولوجيا بجامعة ليستر، وأمين مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين - بين الفرق البحثية التي تعكف على دراسة إحدى البحيرات الصناعية في كاليفورنيا، ولُب جليدي من القارة القطبية الجنوبية، ورواسب من أحد الكهوف في شمال إيطاليا، وشعاب مرجانية في الكاريبي وأستراليا، ومستنقع خث في سويسرا، فضلًا عن مواقع أخرى. وكلها ستُجرَى فيها اختبارات؛ للبحث عن إشارات تدل على وجود نويدات مشعة، تتمثل - في أغلب الظن - في الكربون-14، والنظير المُشع طويل العمر البلوتونيوم-239، إضافة إلى البحث عن علامات ثانوية، تتراوح من الملوثات العضوية الثابتة، والبلاستيك المجهري، وصولًا إلى الرماد المتطاير الناتج عن حرق الفحم.

وعلى الرغم من القائمة الطويلة للمواقع والعلامات الفارقة التي قد تدل تلك الحقبة، إلا أن التقدم المُحرَز كان بطيئًا. وحسبما يقول مارتن هيد - العالِم المتخصص في علوم الأرض بجامعة بروك، وأحد الأعضاء في مجموعة العمل - فإن "المقياس الزمني الجيولوجي هو أداةٌ يستخدمها جميع الجيولوجيين حول العالم. لذا.. من المهم للغاية ألا تطرأ عليه تغييرات لا مسوغ لها. وينبغي النظر بعناية شديدة في أي تغيير".

 

البحث عن الطفرة الذهبية

يعيدنا البحث عن الطفرة الذهبية إلى تلك الطبقات المتنوعة الموجودة أسفل مياه بحيرة كروفورد الساكنة، حيث تتعاون ماكارثي مع باحثين في أماكن أخرى من كندا وحول العالم؛ من أجل تحليل عينات لُبيَّة، تعود إلى الفترة ما بين عامي 1940، و1965، وهي الأعوام المتاخمة لذروة سقوط الغبار النووي، إضافة إلى بداية التسارع العظيم.

ويعمل أحد المختبرات في زيورخ بسويسرا على الكشف عن العلامة الرئيسة الدالة على وجود النويدات المشعة، كما يبحث فريق في لندن عن إشارات أخرى، مثل ارتفاع تركيزات الرماد المتطاير بشكل حاد، كي يروا ما إذا كانت جميعها متزامنة، أم لا. كما ستجري إحدى المجموعات في الولايات المتحدة قياسًا لانتشار «الأميبات المُغطاة» testate amoebae؛ وهي كائنات دقيقة وحيدة الخلية، محاطة بصَدَفَة تدوم لآلاف الأعوام. وتتزايد بشدة أعداد هذه  الكائنات - على نحو يسبب الضرر عادةً لأنواع أخرى - حينما توفِر العناصر الغذائية الناتجة عن الاستيطان البشري وكذلك الصرف الزراعي تغذية مفرطة لها. وسيفتش باحثون من تورونتو بكندا عن البلاستيك المجهري - الذي قد يصل عن طريق المياه، أو الرياح - على الألياف المنقولة في الهواء، أو حتى مع الحشرات التي ابتلعته.

وفي موقع محتمل آخر، هو بحيرة سيرسفيل في منطقة خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا، يُجْرِي أحد الفرقاء اختباراته؛ بحثًا عن النويدات المشعة، إضافة إلى مؤشرات أخرى على التأثير البشري. وسوف يفحص الفريق عينات من الرواسب، مأخوذة من قاع البحيرة، لتحديد التغيرات التي طرأت على استخدام الأرض في المنطقة، بالإضافة إلى تزايد كميات التلوث بالرصاص، والزئبق.

تقول إليزابيث هادلي، وهي عالمة بيولوجيا في جامعة ستانفورد، الواقعة على مقربة من هذا الموقع، وواحدة من الباحثين الرئيسين في موقع بحيرة سيرسفيل: "نأمل في بناء «شريط سينمائي» واقعي، يصور منطقة خليج سان فرانسيسكو على مدار  فترة تتراوح ما بين قرن إلى ألف عام مضت". وسيتعيّن على هادلي والباحثين الآخرين العثور على طفرة ذهبية واضحة وقعت قرابة عام 1950، وتدل على طفرة مميزة في النشاط البشري، تتفق أيضًا مع ما يُعثَر عليه في المواقع الأخرى المحتملة في أنحاء الكوكب؛ وذلك بغرض تحديد حقبة الأنثروبوسين.

وفي هذه الأثناء، في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، ستقود  ليز توماس - أخصائية علم المناخ القديم،  من الهيئة البريطانية لمسح القطب الجنوبي، وهي هيئة تقع في كامبريدج بالمملكة المتحدة - فريقًا؛ لتحليل عينات لُّب جليدي مأخوذ من شبه الجزيرة القطبية الجنوبية. وقد عُثر  على العلامات الدالة على التأثير البشري، المتمثلة في النويدات المشعة، والمعادن الثقيلة، والرماد المتطاير، حتى في هذه القارة البعيدة. وسيحلل فريق ليز توماس أيضًا درجة الحرارة، وتراكم الثلوج، ومستويات ثاني أكسيد الكربون والميثان، وجميعها عوامل تغيرت بصورة ملحوظة في منتصف القرن العشرين، إلا أنه من المحتمل عدم حدوث هذا بتزامن دقيق مع ازدياد تفجير القنابل.

سلسلة من عمليات التصويت

مِثل سجل طبقات الأرض الذي يدرسه الباحثون، فإن القرار الرسمي بتعيين حقبة الأنثروبوسين يتضمن مستويات متعددة. وتهدف مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين إلى أنْ تُقَدِّم بحلول عام 2021 مقترحًا نهائيًّا للكيان الأم لها، وهي اللجنة الفرعية الرباعية التابعة للجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض. ويحدد هذا المقترح طفرة ذهبية من منتصف القرن العشرين، وإذا حظي هذا المقترح بالموافقة، فستجري اللجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض تصويتًا عليه، ثم سيُقدَّم بعد ذلك إلى اللجنة التنفيذية التابعة لـ«الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية» IUGS؛ من أجل التصديق عليه بصورة نهائية. وفي حال اجتياز عصر الأنثروبوسين لكل هذه العقبات، فإنه سيصبح رسميًّا وحدة جديدة في المخطط الدولي لتاريخ طبقات الأرض، المعروف أكثر باسم «المقياس الزمني الجيولوجي». وحتى الآن، فإن جميع الطفرات الذهبية الست والخمسين، التي جرى التصديق عليها، تأتي من بيئات بحرية، باستثناء العلامة الوحيدة، التي تُحدِّد بداية العصر الهولوسيني، والتي تعتمد على لب جليدي من جرينلاند.

"من الناحية العلمية، وفيما يتعلق بالأدلة.. فإننا نمتلك خيارات متعددة".

سارت الإجراءات الرسمية للإقرار بعصر الأنثروبوسين على نحو أبطأ بكثير من الإقرار به في الثقافة الشعبية، التي تَبَنَّت بالفعل حقبة الأنثروبوسين، واستخدمت المصطلح في كل شيء، من ألبومات التسجيلات إلى أغلفة المجلات، غير أن مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين أوضحت أن اختصاصها هو اتخاذ القرارات، استنادًا إلى سجل طبقات الأرض، لا غير.

لا يشعر الجميع بالاقتناع بأن بإمكان مجموعة العمل اتخاذ القرار حتى الآن. وتتمثل إحدى النقاط الخلافية في أن مجموعة العمل قد اتخذت قرارًا بشأن الحدود الزمنية لهذا العصر، رغم أنها لم تستقر بعد على تحديد الطفرة الذهبية في سجل طبقات الأرض. وحسبما يقول مات إيدجوورث، عالِم الآثار بجامعة ليستر، فإن ذلك بمثابة "فَرْض للأفكار على المسألة، وقولبة للأدلة؛ كي تصبح مناسبة، لكنْ ينبغي أن يسير الأمر بشكل معكوس".

وإيدجوورث هو أحد أعضاء مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين، غير أنه صوَّت ضد قرار الإقرار بالحقبة. ويتمثل أحد مخاوفه في أن إشارة النويدات المشعة، رغم كونها ستدوم لمدة مئة ألف عام، إلا أنها سوف تَضْعُف مع تحلل العناصر المشعة. ويقول إدجوورث: "من المنظور الجيولوجي، الذي تُقدَّر فيه غالبية الحدود الزمنية بملايين الأعوام، فهذه ليست علامة راسخة بدرجة كبيرة".

كان منتقدون آخرون – أبرزهم  ويليام روديمان، المتخصص في علم المناخ القديم بجامعة فيرجينيا في شارلوتسفيل - قد روَّجوا لتحديد نقطة بدء حقبة الأنثروبوسين، بحيث تنطلق الحقبة عند النقطة التي شَرَع فيها البشر - للمرة الأولى - في تغيير وجه كوكب الأرض عن طريق الزراعة، قبل آلاف الأعوام، أو حين قضوا على الحيوانات الضخمة في كل من أستراليا، وأمريكا الشمالية، قبل عام 1950 بآلاف الأعوام. (انظر: W. F. Ruddiman Prog. Phys. Geogr. Earth Environ. http://doi.org/gd4shx; 2018). وقد عارض البعض تعيين حقبة الأنثروبوسين من الأساس، نظرًا إلى أن العصر الهولوسيني تميز بتصاعد التأثير البشري منذ نهاية العصر الجليدي الأخير.

ليست لدى زالاسيفيتش مشكلة في الاقرار بأن التأثيرات البشرية مسَلَّم بها في الجزء الأكبر من العصر الهولوسيني، غير أن حجم التغيير العالمي منذ بداية التسارع العظيم، بالإضافة إلى طرح مواد مستحدثة جديدة تمامًا بالكوكب، كلها أمور غير مسبوقة تمامًا. وحسبما يقول: "حين بدأتُ هذا العمل، كنت أظن أن عصر الأنثروبوسين - كوحدة جيولوجية - ربما يتداعى، إذ سيكون كل شيء مربكًا، ولن يشكل إلا تدرجًا بسيطًا، لكنْ في الواقع.. أصبح التأثير البشري أقوى بكثير".

ورغم تشكيك إدجوورث في العلامة الوحيدة التي تعود إلى منتصف القرن العشرين، إلا أنه لا ينكر أن الجنس البشري قد غيَّر الكرة الأرضية. ويقول: "أرى - بشكل مباشر - التأثير الهائل الذي يواصل البشر إلحاقه بطبقات الأرض السطحية، إذ يبدو تقريبًا وكأنّ هناك طبقة جديدة - من المنظور الجيولوجي - آخذة في التشكل على سطح الأرض".

ويدافع ماكس بيركِلهامر، العالِم المتخصص في علوم الأرض بجامعة إلينوي في شيكاجو – وهو غير منخرط في الجدل الدائر، وإنْ كانت أبحاثه قد أسهمت في تعيين عصر الهولوسين – عن النتائج التي خلصت إليها مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين، قائلًا: "من الصعب الجَزْم بأنّ ما كان يحدث في القرن العشرين مجرد مظهر آخَر لما كان يحدث على مدار آلاف الأعوام القليلة الماضية"، ويضيف قائلًا: " إنّ حجم التغيير أكبر بكثير. ومن الصعب أن نتخيل مسارًا مُعاكِسًا".

ميرا سوبرامانيان صحفية حرة، تعيش في كيب كود، ماساتشوستس.